لقد أحدثت المباراة التي جرت بين مصر والأرجنتين في الدور السادس عشر من كأس العالم، والتي خسر فيها المنتخب المصري تأهله لدور الثمانية، لغطاً كبيراً حول دور الحكم الفرنسي وتجاهله للهدف الثالث لمنتخب مصر، وتجاهله لتجاوزات المنتخب الأرجنتيني وإعلان فوز الأرجنتين. مما أعطى المباراة الحامية معنىً سياسياً وتحاملاً على الفريق الأرجنتيني وحكم المباراة، وألحق ظلماً بيناً بالمنتخب المصري بعد أداء كروي وصفه معظم محللي كرة القدم بأنه أداء جيد ويستحق الفوز، لو أن حكم المباراة قد التزم النزاهة في تعاطيه مع المنتخب المصري.
وبمعزل عن مدى دخول السياسة في هذه المباراة، وما إذا كانت هناك قصدية سياسية وكروية في إزاحة مصر عن تأهلها للربع النهائي وصولاً للمحطة الأخيرة، فإن الأمر يحتاج إلى إزاحة الوهم القاضي بأن لعبة كرة القدم ومباراة كأس العالم هي مباراة كروية فنية صرفة، ولا تعدو أكثر من قدرات ومهارات شخصية للاعبين ولياقات بدنية، بما يجعل الفريق الأكثر تأهيلاً للفوز هو الأكثر امتلاكاً للقدرات واللياقة البدنية الرياضية، والأكثر امتلاكاً لفنون المراوغة في جغرافيا الملعب مع الفريق الآخر.. مثل هذا الوهم يفضي إلى أن كرة القدم عموماً وكأس العالم بعيدان عن عالم السياسة والحسابات الرأسمالية والتجارية، وبما يجعلهما خاليين في نتائجهما ومساراتهما من التأثيرات الخارجية، وذلك هو وهم القطيع العالمي.
ربما هذا الوهم وهذه السذاجة وحدهما اللذان يناقضان الفهم الحقيقي لطبيعة لعبة القدم وحصرها في مفهوم الإمتاع والإبهار للجمهور عبر فنون اللعبة وقدرات اللاعبين. بيد أن الأمر يحتاج إلى وضع لعبة القدم، التي تحولت إلى لعبة عالمية شعبية، في مكانها الطبيعي وفي سياق تطور العقل الرأسمالي الباحث عن الأرباح وتراكمها رأسمالياً.
لم تكن لعبة كرة القدم يوماً بعيدة عن السياسة وعن مصالح الرأسمالية الصاعدة. فمنذ أن تم تأسيس الفيفا عام 1928، واختراع كأس العالم كرمز وقيمة معنوية لمن يفوز بالمركز الأول، كانت الرأسمالية حاضرة بفكرها وإبداعاتها وأبحاثها في كيفية تحويل هذه اللعبة الشعبية إلى مشروع استثماري كوني يحقق الغاية الربحية التي هي الهدف الأسمى للرأسمالية. وإذا كان صحيحاً أن هذه اللعبة هي من اختراع الأرستقراطية في مدارسها الخاصة للترفيه عن رموزها وممثليها وروادها، فالصحيح أيضاً أن الجماهير الشعبية الفقيرة وجماهير الطبقة العاملة المضطهدة في معامل ومصانع الرأسمالية قد وجدت ضالتها أيضاً للترفيه عن نفسها، والتخفيف من وطأة المعاناة والظلم والقهر الذي تعانيه من الرأسمالية، فاختطفتها من الأرستقراطية وحولتها إلى لعبة شعبية مجانية للعامة.
بيد أن الرأسمالية الصاعدة وجدت أن هذه اللعبة التي تحولت من الأرستقراطية إلى عالم الفقراء والمهمشين، وإلى لعبة شعبية ومجانية وترفيهية خلبت لب ملايين الجماهير، يمكن لها أن تتحول إلى أكبر مشروع استثماري كوني، عبر استغلال واستثمار مشاعر وعواطف، ليس الطبقة العاملة حصراً، والتي تسبب للرأسمالية وأرباب المصانع والورشات صداعاً دائماً عبر نضالاتها المطلبية والطبقية وإضراباتها الدورية. وبالإمكان استغلال الجماهير الشعبية واسعة الطيف بمختلف طبقاتها وفئاتها الاجتماعية، وهي راضية وراغبة ومفتونة وسعيدة بهذه اللعبة الساحرة، فعملت على تحويلها من لعبة شعبية مجانية منتشرة في كل حي وميدان ومدينة، يزال عبرها تعب ومشقة الطبقة العاملة المنصهرة في مصانع الرأسمالية، إلى لعبة تدار بواسطة عتاة الرأسمالية وشركاتها العملاقة المتواجدة على مسارح العالم. إنها فكرة رأسمالية جهنمية من نتاجات العقل الرأسمالي المبدع، الذي يبحث دوماً عن فرص الاستثمار في كل مجالات الحياة...
وعليه، فإن القفز باللعبة من لعبة مجانية وشعبية إلى لعبة مونديال كوني وكأس عالمي مقدس، يسحر ويلهب مشاعر الجماهير، كان يقتضي بداية العمل على تسليع اللعبة الكروية بكليتها: من لاعبين هواة ومحترفين ومدربين مهرة ومجالس إدارة الأندية، وتسليع كل ما تحتاجه هذه اللعبة من أدوات الإنتاج الكروية. ولا فرق بين أدوات الإنتاج في المصانع المملوكة للرأسمالي وأدوات الإنتاج في الملاعب المملوكة للرأسمالي أيضاً....
وكان من نتيجة رسملة هذه اللعبة الشعبية أن تم تأسيس الاتحاد الكروي الدولي لكرة القدم (الفيفا)، تتحكم فيه مجموعة من محتكِري الرياضة، ليصار إلى عولمتها وتحويلها إلى سلعة شعبية استهلاكية، لها سعرها وقيمتها المادية في سوق الألعاب الرياضية على مستوى عالمي. فالرأسمالية لا ترى أي حكمة في بقاء هذه اللعبة شعبية ومجانية لإمتاع المشاهدين بدون مقابل مادي، وبعيدة عن عالم الاستثمار والأرباح، بل يجب إخضاعها إلى قوانين الرأسمالية والتجارية، بما يجعلها عملية رابحة ومجزية للرأسمالية. ومثل هذا التفكير يقتضي تسليع إنسانها أولاً، اللاعب، ليصبح له سعره العالمي في سوق الرياضة، باعتباره سلعة كروية، ويخضع لقانون المنافسة بين الشركات (الاتحادات الكروية). وفي هذا السياق عملت رأسمالية الرياضة الكروية على صناعة النجوم ليتحولوا إلى قيمة مالية في السوق الرياضي. وقد وصلت أسعار بعض اللاعبين المهرة إلى مئات الملايين من الدولارات، مثال ميسي الذي وصل سعره في سوق الرياضة إلى مائة وثمانين مليون دولار، وغيره أمثال رونالدو ومارادونا. ووصلت ثروة بعضهم إلى ما يقارب المليارات، فقد وصلت ثروة اللاعب ميسي إلى أكثر من مليار دولار من خلال العقود والصفقات الكروية التجارية معه من قبل الاتحادات الكروية. وما ينطبق على ميسي ينطبق على الكثير من اللاعبين الذين يباعون ويشترون في سوق احتكارات الأندية الرياضية.
ولا يتوقف الأمر عند تسليع اللاعب، إنما الأمر يحتاج ويستوجب توفير أدوات الإنتاج لهذه اللعبة، من ملاعب كرة عالمية بمقاييس تضعها الفيفا، من أبنية غاية في تقنيات الهندسة المعمارية ومتحركة الأسقف، تتسع لعشرات الآلاف من المشاهدين المعوَّل على حضورهم والدافعين ثمن المشاهدة المباشرة وغير المباشرة. وتلك الإضاءات الجذابة والعشب الأخضر ولافتات الدعاية لسلع ومنتجات متنوعة، كل ذلك في سياق صناعة الإمتاع والإبهار مدفوع الأجر من المشاهدين. فلا متعة بدون دفع الثمن، فالمتعة في عالم الرأسمالية سلعة نفسية لها ثمن. وهنا تتجلى إبداعات الرأسمالية في صناعة المشاعر والأمزجة للمشاهدين وتحريكها عبر الدعاية وفنون التصوير، وتقنيات نقل المباراة عبر البث الحي على الفضائيات التي تنقل الحدث الخاضع للعرض والطلب والمنافسة بين الفضائيات.
عولمة اللعبة
وتماماً كما عولمة الاقتصاد، تتعولم لعبة كرة القدم، وأصبحت مجال مضاربات وصفقات تجارية وعقود خارج ال قطر الوطني والقومي، إلى فضاء الاحتكارات الرياضية في بلدان مختلفة. وإذا كانت العولمة بمفهومها الحرفي والمالي الضيق تعني حرية انتقال رأس المال بحرية مطلقة وإزالة العوائق والحواجز من أمامها، فاللعبة الكروية كذلك أزاحت من أمامها تلك الحواجز الوطنية والقومية، وغزت كل بلدان العالم بعقل رأسمالي يبحث عن أعلى الأرباح. فاللاعبون المحترفون يتنقلون بحرية مطلقة من فريق وطني إلى آخر، يتجاوزون الوطنية والقومية، ولا يحد من حركتهم إلا مقدار الأرباح المحققة عند هذا الفريق أو ذاك. الأمر يسحب ذاته على انتماء الأندية إلى صناديق سيادية استثمارية دولية خارج السيادة الوطنية أو القومية. فنادي باريس سان جيرمان يملكه الصندوق السيادي القطري، ونادي مانشستر سيتي تملكه مجموعة أبو ظبي الرياضية والصندوق السيادي لأبو ظبي. غير أن هذه العولمة الكروية لا شأن لجماهير ومشجعي الأندية بها، ولا يعرفون أسرارها ونواميسها، بقدر ما تستهويهم اللعبة وفنونها وحصولهم على الارتواء بالغبطة والنشوة النفسية. فعولمة كرة القدم هي عالم آخر، بعيد عن عالم الجماهير المسلوبة إرادتها بفعل السحر الرأسمالي في إدارة اللعبة ومبارياتها الدورية أو مباريات المونديال العالمية.
ومن المفارقات الرقمية أن هذه الأندية تملك وتحوز على مليارات الدولارات، بما يفوق أحياناً موازنات بعض الدول الفقيرة. كنادي ريال مدريد الرياضي الذي يملك ما قيمته 9.5 مليار دولار، ونادي برشلونة الذي يملك 7.5 مليار دولار، ومانشستر يونايتد الذي تقدر ملكيته بأكثر من 6.5 مليار دولار، بما يجعل من هذه الأندية غولاً اقتصادياً يتحكم، ليس في مسارات اللعبة الكروية ومكان المونديال الدوري فحسب، فضلاً عن مستوى الفساد الذي ينخر الفيفا وأذرعها وقبولها الرشاوى من مؤسسات ودول لغايات سياسية، كما حصل حين تمت رشوة الفيفا ورموزها المتنفذين لترسو القرعة على استضافة قطر لكأس العالم 2022 بمبلغ 880 مليون دولار لصالح الفيفا، بل يتعدى ذلك إلى مجالات اقتصادية وسياسية واستثمارية لمشاعر قومية ووطنية وطائفية.
لم تعد لعبة القدم مجانية وترفيهية، يستطيع أي مشجع أو هاوٍ أن يشاهد مبارياتها دون أن يدفع ثمن مشاهدته. فحقوق البث الفضائي لها قيمتها في عالم المنافسات. فالمشاهد إذا لم يدفع ليشترك، فهو أيضاً مضطر أن يذهب إلى المقاهي ليدفع ثمن مشاهدته لصاحب المقهى الذي دفع ثمناً لصاحب البث. وهكذا، فإن لعبة القدم أضحت لعبة رأسمالية بقبول شعبي طوعي كوني، لا يأبه إلى رأسماليتها واستثمار مشاعره ومتعته وتسليعها. فقد قبلت الشعوب المأسورة والمفتونة باللعبة دفع الثمن بملء خاطرها. وهنا تتجلى قدرة الرأسمالية وعبقريتها في الاستثمار والاستغلال، في سوسيولوجيا اللعبة وعلوم الاجتماع عند الشعوب، وتجديد ذاتها في كل مرحلة.

