Menu

الانتخابات الفلسطينية .. الصندوق وما وراء الصندوق والأسئلة المعلقة

يونس العموري

بوابة الهدف

إذا جرت الانتخابات الفلسطينية في موعدها، فلن تكون مجرد استحقاق انتخابي عابر، ولا مجرد عملية لانتخاب مجلس تشريعي جديد ورئيس جديد. فالانتخابات، في هذه الحالة، ستأتي بعد سنوات طويلة من غياب الحياة الانتخابية، وفي لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الأزمة السياسية مع الأزمة المالية، ويتداخل فيها الداخلي الفلسطيني مع الإقليمي والدولي بصورة غير مسبوقة. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس فقط .. من سيفوز؟ بل ماذا سيولد من هذه الانتخابات، وماذا ستفعل نتائجها بالنظام السياسي الفلسطيني الذي وصل إلى واحدة من أكثر مراحله تعقيدا؟

فالخريطة الانتخابية المحتملة لم تعد قابلة للاختزال في ثنائية فتح وحماس. ثمة محاولات لبناء تحالفات واسعة، وثمة احتمال لتحالف انتخابي يضم حماس والتيار الديمقراطي الإصلاحي بقيادة دحلان، وثمة قوى فتحاوية قد تختار خوض الانتخابات خارج القائمة الرسمية، إلى جانب قوى يسارية ومستقلة وشخصيات وطنية ومجتمعية وقوائم أخرى قد تظهر مع اقتراب الاستحقاق. وهذا يعني أن المشهد المقبل قد يكون أكثر تعددا من كل الانتخابات السابقة، وأن المنافسة قد لا تكون بين كتلتين واضحتين، بل بين عدة تيارات وقوائم تتقاطع في بعض الملفات وتختلف في ملفات أخرى.

وهذا التعدد لا يعني بالضرورة أن كل تحالف انتخابي سيبقى قائما بعد ظهور النتائج. فالتحالف الذي يتشكل قبل الصندوق قد يكون تحالفا انتخابيا فرضته الحاجة إلى جمع الأصوات، لكنه قد يتحول بعد الصندوق إلى عبء سياسي إذا اختلفت مكوناته حول تشكيل الحكومة أو رئاسة المجلس أو البرنامج السياسي. وقد نجد أن قوى كانت متحالفة في الانتخابات تصبح في اليوم التالي جزءا من معسكرات مختلفة، بينما تتشكل تحالفات جديدة لم تكن ممكنة قبل إعلان النتائج. فالتحالفات الانتخابية شيء، والتحالفات التي يحتاجها الحكم شيء آخر، وما يجمع القوى في مواجهة صندوق الاقتراع قد لا يكون بالضرورة هو نفسه ما يجمعها عندما يصبح السؤال .. ماذا سنفعل بالنتيجة؟ ولهذا فإن الحديث عن نتائج الانتخابات يجب أن يبتعد عن وهم الأغلبية السهلة. فالمشهد المحتمل قد ينتج مجلسا تشريعيا لا تملك فيه قوة واحدة القدرة على فرض إرادتها، وهو ما يعني أن تشكيل الأغلبية سيكون معركة سياسية قائمة بذاتها. وعندها قد يصبح دور القوائم الصغيرة والمتوسطة أكبر من حجمها العددي، لأنها قد تتحول إلى طرف مرجح في أي تحالف مقبل. ومن هنا يمكن أن تصبح الانتخابات التشريعية بداية لمرحلة تفاوض سياسي طويلة، لا خاتمة لها.

وفي قلب هذا المشهد تقف فتح أمام امتحان بالغ الصعوبة. فالتحدي الذي يواجه الحركة لا يقتصر على منافسة حماس أو التيار الديمقراطي الإصلاحي بقيادة دحلان أو القوى اليسارية والمستقلة، وإنما يتمثل في قدرتها على الحفاظ على وحدة الصوت الفتحاوي نفسه. فظهور قوائم فتحاوية خارج القائمة الرسمية يعني أن جزءا من المعركة قد يتحول إلى صراع داخل البيت الفتحاوي، وأن الناخب الفتحاوي قد يجد نفسه أمام أكثر من عنوان يمثل الحركة أو يدعي تمثيل إرثها وتاريخها.

وهنا لا تعود القضية مجرد خلاف على أسماء المرشحين، بل خلاف على معنى فتح نفسها .. هل هي مؤسسة وقرار تنظيمي رسمي، أم أنها أيضا تيار اجتماعي وسياسي واسع يمكن أن تنتج منه قوائم وقيادات خارج البنية الرسمية؟ وهذه المسألة ستكون واحدة من أهم نتائج الانتخابات حتى قبل أن تظهر النتائج، لأنها ستحدد ما إذا كانت فتح قادرة على الدخول إلى المرحلة المقبلة موحدة، أم أن الانتخابات ستكشف عمق الانقسام الداخلي فيها.

لكن المشهد يصبح أكثر تعقيدا عندما نصل إلى الانتخابات الرئاسية. فإذا قررت فتح الرسمية الدفع بمرشحها للرئاسة، بينما قرر مروان البرغوثي خوض السباق مستقلا أو خارج قرار الحركة، فإننا سنكون أمام معركة لا تشبه مجرد منافسة انتخابية بين شخصين. ستكون معركة على تمثيل فتح، وعلى معنى الشرعية، وعلى صورة المرحلة المقبلة، وربما على مستقبل الحركة نفسها... مروان في هذه الحالة لا يحتاج بالضرورة إلى أن يحصل على إجماع فتح، بل يكفي أن يستطيع أن يكون عنوانا انتخابيا لقطاعات مختلفة .. جزء من القاعدة الفتحاوية، ومستقلون، وقوى وطنية، وقطاعات تبحث عن التغيير، وربما أصوات من خارج فتح ترى فيه رمزا يتجاوز حدود التنظيم. وفي المقابل، سيكون مرشح فتح الرسمية أمام اختبار مختلف .. هل يستطيع تحويل الشرعية التنظيمية والمؤسساتية إلى شرعية شعبية؟ وهل يستطيع اقناع الناخب بأن التصويت له يمثل تغييرا حقيقيا وليس مجرد استمرار للمرحلة السابقة بوجه جديد؟

وهنا تبدأ المسألة الأكثر حساسية .. الانتخابات الرئاسية الفلسطينية لا يمكن قراءتها بمعزل عن البيئة العربية والإقليمية والدولية. فالرئيس المقبل لن يكون رئيسا معزولا عن محيطه، بل سيكون طرفا في ملفات غزة والضفة ومنظمة التحرير والسلطة والعلاقة مع اسرائيل، وسيحتاج إلى شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية، وإلى قدرة على إدارة مرحلة سياسية شديدة التعقيد... وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي يبدو بسيطا لكنه في الحقيقة بالغ التعقيد .. هل الصندوق وحده يصنع الرئيس؟ الجواب في تقديري هو لا، ولكن لا ينبغي أيضا الذهاب إلى الطرف الآخر والقول إن العواصم هي التي تختار الرئيس. الصندوق يمنح الشرعية، لكن العواصم المؤثرة تستطيع أن تؤثر في البيئة التي يتحرك فيها المرشح، وفي فرصه السياسية، وفي قدرته على الوصول إلى اليوم التالي للانتخابات. وقد تمنح مرشحا ما مساحة أكبر للحركة، أو تجعل التعامل مع فوزه أكثر سهولة، أو تربط دعمه السياسي والمالي بقدرته على الالتزام بمسارات معينة... وفي المقابل، لا تستطيع العواصم دائما تجاهل صندوق حقيقي إذا أنتج نتيجة واضحة. فالشرعية الشعبية نفسها تصبح عاملا سياسيا لا يمكن القفز فوقه بسهولة. ولهذا فإن المعركة الحقيقية قد تكون بين شرعية الصندوق، وشرعية المؤسسة، والقبول الإقليمي والدولي، وقدرة الرئيس المنتخب على الجمع بينها.

وهنا تظهر قضية مروان بصورة أكثر تعقيدا. فإذا بقي في الأسر وخاض الانتخابات وفاز، فإن المسألة لن تبقى مجرد قضية أسير فلسطيني. سنكون أمام رئيس منتخب وهو داخل السجن، وستتحول قضية الإفراج عنه إلى جزء من معادلة سياسية أكبر. وقد يصبح انتخابه عاملا ضاغطا على الأطراف المختلفة لإعادة النظر في مسألة بقائه في الأسر، وربما يدخل الإفراج عنه في صفقة إقليمية أو دولية أوسع. لكن ذلك سيظل مرتبطا بظروف سياسية تتجاوز الانتخابات نفسها.

ومن هنا يمكن فهم الانتخابات بوصفها جزءا من عملية إعادة تشكيل للنظام السياسي، لا مجرد استحقاق دستوري. فالمجلس المقبل قد يكون مختلفا، والتحالفات قد تكون مختلفة، والرئاسة قد تنتقل إلى شخصية جديدة، لكن كل ذلك لن يكون ذا معنى حقيقي إذا لم يترافق مع قدرة على معالجة الأزمات التي أنهكت النظام السياسي الفلسطيني... وفي مقدمة هذه الأزمات تأتي الأزمة المالية... فثمة من يرى أن مجرد إجراء الانتخابات التشريعية سيؤدي إلى حل كبير للأزمة المالية، وأن المواطن سيشعر مباشرة بثمارها. لكن هذا التصور، في تقديري، يحتاج إلى قدر من الحذر. الانتخابات لا تنتج أموالا، ولا تعيد تلقائيا أموال المقاصة، ولا تنهي القيود المصرفية، ولا تضمن عودة المساعدات. فالأزمة المالية مرتبطة بمنظومة سياسية واقتصادية كاملة، وبعض مفاتيحها خارج قدرة السلطة المباشرة.

لكن الانتخابات يمكن أن تكون بوابة للحل. فالشرعية الجديدة قد تفتح الطريق أمام دعم عربي ودولي أكبر، وقد تسمح بإعادة بناء العلاقة المالية والسياسية مع الأطراف المختلفة، وقد تؤدي إلى تفاهمات تعيد انتظام الموارد وتخفف من الاختناق المالي. عندها يمكن أن يشعر المواطن بالفرق، ليس لأن الانتخابات بحد ذاتها دفعت له راتبه، بل لأنها فتحت الطريق أمام مرحلة سياسية جديدة سمحت بانتظام الموارد والإنفاق... وهنا يصبح الفرق واضحا بين الانتخابات بوصفها حدثا، والانتخابات بوصفها مدخلا. إذا كانت مجرد حدث انتخابي ينتهي بإعلان النتائج، فقد يتغير المجلس ويبقى الواقع كما هو. أما إذا كانت مدخلا إلى إعادة بناء الشرعية، وترتيب البيت الداخلي، وإعادة فتح العلاقات العربية والدولية، ومعالجة الأزمة المالية، فإنها قد تصبح نقطة تحول حقيقية.

لكن كل هذه الأسئلة، مهما بلغت أهميتها، تبقى أسئلة على الطريق إلى السؤال الأكثر جوهرية .. ماذا سيكون مصير المشروع الوطني بعد الصندوق؟ وإلى أي شكل سيتجه؟ وهل ستنتج الانتخابات مجرد إعادة توزيع للسلطة بين القوى القائمة، أم ستفتح الباب أمام إعادة تعريف المشروع الوطني نفسه، بما يتناسب مع التحولات الكبرى التي شهدتها القضية الفلسطينية والمنطقة خلال السنوات الأخيرة؟ فالمشروع الوطني الذي سيدخل إلى الصندوق ليس بالضرورة هو المشروع الوطني الذي سيخرج منه. وربما تكون الانتخابات فرصة لإعادة بنائه على قاعدة سياسية أكثر اتساعا، تستوعب تعدد القوى والاتجاهات، وتعيد تعريف العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير، وبين الداخل والخارج، وبين السياسي والمقاوم، وبين ضرورات إدارة الحياة اليومية ومتطلبات الصراع الوطني. وقد يكون السؤال الأكثر إلحاحا هنا هو .. هل تستطيع القوى الفلسطينية، بعد الانتخابات، أن تنتقل من إدارة الانقسام إلى إعادة بناء مشروع وطني جامع؟

وفي قلب هذا السؤال يبرز مصير المقاومة. ليس باعتبارها شأنا خاصا بفصيل بعينه، ولا باعتبارها تفصيلا يمكن تأجيله إلى ما بعد تشكيل الحكومة، وإنما باعتبارها واحدة من القضايا التي سيكون على النظام السياسي الجديد أن يحدد موقعها في المشروع الوطني المقبل. فالمقاومة ليست مجرد تفصيل انتخابي، كما أن مستقبلها لا يمكن اختزاله في عدد المقاعد التي تحصل عليها حركة أو قائمة. المسألة أعمق من ذلك: ما موقع المقاومة في النظام السياسي الجديد؟ وكيف ستتحدد العلاقة بينها وبين المؤسسات الوطنية؟ وهل يمكن أن يعاد وضعها ضمن رؤية وطنية أوسع للصراع، أم ستظل خارج إطار القرار السياسي الرسمي؟ وهل تستطيع القوى الفلسطينية أن تجد صيغة تحفظ للمقاومة دورها، وفي الوقت نفسه تمنع تحولها إلى عنوان جديد للانقسام الداخلي؟

وهذه ليست أسئلة يمكن للصندوق أن يجيب عنها وحده. فالانتخابات قد تمنح شرعية جديدة، لكنها لن تحسم وحدها شكل المشروع الوطني، ولا موقع المقاومة فيه، ولا طبيعة العلاقة بين السلطة والتحرير والمواجهة السياسية. تلك ستكون معركة ما بعد الانتخابات، وربما تكون أهم من معركة الانتخابات نفسها.

فالانتقال من الانقسام إلى الشراكة لا يعني أن تصبح حماس فتح، ولا أن تصبح فتح حماس، كما لا يعني أن تتخلى القوى عن برامجها وهوياتها السياسية. المعنى الحقيقي للشراكة هو ان يصبح الاختلاف السياسي اختلافا داخل مشروع وطني واحد، لا سببا لاستمرار نظامين متوازيين، ولا ذريعة لاحتكار التمثيل أو إلغاء الآخر... وهنا سيكون على القوى الفلسطينية، باختلاف مواقعها وبرامجها، أن تجيب عن أسئلة لم تعد تحتمل التأجيل .. ما شكل النظام السياسي الذي نريده؟ ما موقع منظمة التحرير في هذا النظام؟ ما وظيفة السلطة؟ كيف يعاد تعريف العلاقة بين السلطة والمشروع الوطني؟ وما موقع المقاومة؟ وإلى أين يتجه المشروع الوطني في ظل واقع فلسطيني وإقليمي ودولي تغير بصورة عميقة؟

وقد تكون هذه هي المعركة الحقيقية التي ستبدأ بعد إغلاق الصناديق. فإذا انتهت الانتخابات إلى تغيير في الوجوه والمقاعد والتحالفات، بينما بقي السؤال الوطني معلقا، فلن يكون الصندوق قد فعل أكثر من إعادة ترتيب المشهد. أما إذا استطاعت نتائجه أن تفتح حوارا وطنيا حقيقيا حول شكل النظام السياسي، ومستقبل منظمة التحرير، وموقع السلطة، ومصير المقاومة، واتجاه المشروع الوطني، فعندها يمكن القول إن الانتخابات لم تكن مجرد استحقاق انتخابي، بل بداية مرحلة فلسطينية جديدة...

وهنا لا يعود السؤال فقط من سيحصل على العدد الأكبر من المقاعد، أو من سيكون المرشح الأكثر شعبية للرئاسة. هذه أسئلة مهمة، لكنها تظل جزءا من الصورة. السؤال الأهم هو .. ماذا ستفعل القوى الفلسطينية بالنتيجة التي سيمنحها الصندوق؟ هل ستنتقل من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة؟ هل تستطيع القوى المختلفة تشكيل نظام سياسي قادر على العمل؟ هل تستطيع فتح إعادة ترتيب بيتها الداخلي؟ هل تستطيع حماس أن تدخل في نظام سياسي تعددي دون أن تفقد هويتها؟ هل يستطيع التيار الديمقراطي الإصلاحي بقيادة دحلان أن يتحول من لاعب انتخابي إلى لاعب سياسي داخل نظام جديد؟ وهل تستطيع القوى اليسارية والمستقلة أن تتجاوز دورها التقليدي وتتحول إلى قوة قادرة على التأثير في القرار؟

ثم يأتي السؤال الأكبر .. هل تستطيع كل هذه القوى أن تتعامل مع اليوم التالي للانتخابات بوصفه لحظة فلسطينية داخلية، لا مجرد انعكاس لصراع إقليمي ودولي؟ ربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي... فالانتخابات المقبلة، إذا جرت، قد تنتج مجلسا متعدد القوى، وتحالفات غير مألوفة، ورئاسة مختلفة، وقد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة. لكنها قد تنتج أيضا مزيدا من الانقسام إذا تعامل كل طرف مع النتيجة باعتبارها تفويضا لإقصاء الآخر... وفي كل الأحوال، فإن الصندوق لن يكون نهاية اللعبة... سيكون بداية لعبة جديدة... لعبة ستدخل فيها الأحزاب والقوائم، والمؤسسات، والشارع، والعواصم العربية، والقوى الدولية، والاقتصاد، وملف غزة، ومستقبل السلطة ومنظمة التحرير، ومصير المقاومة، واتجاه المشروع الوطني... ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرح قبل الانتخابات ليس فقط.. من سيفوز؟ بل: ما الذي نريد أن نفعله بهذه الانتخابات؟ .. هل نريدها وسيلة لتغيير الأشخاص والمقاعد فقط، أم نريدها مدخلا لإعادة بناء النظام السياسي والمشروع الوطني معا؟.. فالفرق بين الإثنين كبير... وإذا كانت الانتخابات مجرد تغيير للأشخاص، فقد نرى وجوها جديدة في المجلس، ومرشحا جديدا في الرئاسة، ثم تعود الأزمات نفسها إلى الواجهة... أما إذا كانت مدخلا لإعادة بناء الشرعية، وترتيب البيت الداخلي، وإعادة فتح العلاقات العربية والدولية، ومعالجة الأزمة المالية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، وصياغة علاقة جديدة بين السلطة ومنظمة التحرير والمقاومة، وإعادة تعريف اتجاه المشروع الوطني، فإنها قد تصبح نقطة تحول حقيقية.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال من سيجلس تحت قبة البرلمان، ولا من سيجلس في مقعد الرئاسة، بل ماذا سيتغير في حياة من يقف خارج كل هذه القاعات، وينتظر راتبه، ويبحث عن عمل، ويريد أن يعرف إلى أين يذهب هذا النظام السياسي الذي عاش سنوات طويلة في منطقة بين الشرعية والأزمة، وبين الانتخابات المؤجلة والواقع المؤجل. وقد لا يكون المواطن معنیا فقط بمعرفة من فاز، بل بمعرفة ماذا يعني فوز هذا الطرف أو ذاك لمستقبله، ولمستقبل القضية التي يحملها، ولمصير مشروعه الوطني، ولموقع المقاومة، ولشكل السلطة التي ستدير حياته.

فالانتخابات قد تمنح الشرعية، وقد تعيد ترتيب موازين القوى، وقد تنتج رئيسا جديدا، لكنها لن تصبح تاريخية إلا إذا استطاعت أن تنتج واقعا جديدا، وأن تنقل الفلسطينيين من مجرد إعادة توزيع السلطة إلى إعادة بناء النظام السياسي والمشروع الوطني.. وفي النهاية، ليس المهم فقط من سيخرج من الصندوق، بل ماذا سيخرج معه... هل سيخرج نظام سياسي جديد، أم مجرد وجوه جديدة؟ .. هل سيخرج مشروع وطني أكثر تماسكا، أم تعاد صياغة الانقسام بأشكال جديدة؟ هل تجد المقاومة موقعها في إطار وطني أوسع، أم تصبح مرة أخرى عنوانا للصراع الداخلي؟ وهل تصبح الشرعية الانتخابية بداية لاستعادة القرار الوطني، أم مجرد شرعية جديدة تضاف إلى شرعيات سابقة دون أن تغير جوهر الواقع؟

هنا بالضبط يبدأ السؤال الحقيقي .. ماذا سيحدث في اليوم التالي للصندوق، وإلى أين سيذهب المشروع الوطني الفلسطيني بعد أن تنتهي الانتخابات؟