Menu

التضامن الاجتماعي في الضفة الغربية تحت مجهر الاحتلال

موسى جرادات

ليست الضفة الغربية اليوم مجرد مساحة جغرافية تتوزع عليها الحواجز والمستوطنات والمعسكرات والقرى والمدن والمخيمات.

إنها مجتمع كامل يجري دفعه، بصورة متزايدة، إلى اختبار قدرته على إعادة إنتاج حياته اليومية في ظل الاحتلال والحصار الاقتصادي وتآكل القدرة المؤسسية للسلطة الفلسطينية وتصاعد عنف وإرهاب المستوطنين.

وفي قلب هذا الاختبار تبرز مسألة قلما تحظى بما تستحقه من اهتمام: التضامن الاجتماعي.

ففي الرابع من أيلول من الشهر الجاري، بدأت من واقعة صغيرة في ظاهرها مبادرة سرعان ما تحولت إلى ظاهرة اجتماعية لافتة. معلمة فلسطينية عجزت عن سداد دين مستحق عليها، فاتصلت بالإعلامي علاء الريماوي، الذي تواصل بدوره مع الدائن طالبًا منه إسقاط الدين. استجاب الرجل، ومن هذه الواقعة ولدت مبادرة "تنازل لله"، التي دعت الدائنين إلى مسامحة المتعثرين غير القادرين على السداد. خلال أيام، خرجت المبادرة من حدود الحالة الفردية إلى المجال العام، وانتقلت عبر وسائل التواصل الاجتماعي من شخص إلى آخر، ومن بلدة إلى أخرى، ومن الضفة إلى غزة والداخل الفلسطيني.

وبحسب تقارير صحفية فلسطينية، وصلت قيمة الديون التي أُعلن عن إسقاطها إلى 21.6 مليون دولار حتى منتصف الشهر.

الأرقام، على أهميتها، ليست جوهر الحكاية. الجوهر أن مجتمعًا مثقلًا بالدين والبطالة وانقطاع مصادر الدخل وجد في فعل اجتماعي بسيط، هو "التنازل"، وسيلة لاستعادة شيء من قدرته على حماية أفراده.

هنا تبدأ السياسة من مكان آخر: من الحياة اليومية.

من الدين إلى التضامن

لا يمكن فهم انتشار "تنازل لله" باعتبارها حملة خيرية منفصلة عن واقع الضفة الغربية. فالأزمة الاقتصادية لم تعد ظرفًا عابرًا. حيث إن البطالة في الضفة بلغت نحو 28% في نهاية عام 2025، مقابل 13.4% قبل تشرين الأول من العام 2023، فيما لم يستعد العمل في الداخل المحتل سوى نحو 50 ألف عامل فلسطيني من الضفة، مقارنة بأكثر من 177 ألفًا قبل الحرب.

وفي الوقت نفسه، تواجه السلطة الفلسطينية أزمة مالية عميقة، انعكست على انتظام الرواتب وعلى قدرة مؤسساتها على توفير الخدمات. وبذلك يصبح الدين، بالنسبة إلى قطاعات واسعة، ليس أداة ائتمانية طبيعية لتسيير الحياة، وإنما وسيلة للبقاء: شيك مؤجل، قرض صغير، حساب صيدلية، دين لطبيب، قسط مدرسة، أو مبلغ مستحق لتاجر الحي.

حين ينهار انتظام الدخل، يتحول المجتمع إلى شبكة من الدائنين والمدينين.

وهنا جاءت المبادرة لتقول شيئًا مختلفًا: ليس المطلوب دائمًا أن يدفع الفقير دينه، بل يمكن للقادر على التحمل أن يتنازل عنه.

إنها، بهذا المعنى، محاولة لإعادة توزيع عبء الأزمة داخل المجتمع نفسه.

ولذلك لم تكن مصادفة سرعة انتشارها. فقد استجاب أصحاب صيدليات وأطباء وتجار وأفراد لإسقاط ديون عن متعثرين. وتحولت صور حرق الشيكات والكمبيالات إلى رمز للحملة.

إن ما جرى هنا يستحق قراءة تتجاوز ثنائية "الخير والصدقة". نحن أمام شكل من أشكال الاقتصاد الاجتماعي غير الرسمي الذي ينشأ حين يعجز الاقتصاد الرسمي عن حماية الناس من السقوط.

المجتمع حين يتقدم إلى حيث تتراجع المؤسسات

ليست "تنازل لله" حالة وحيدة.

لهذا لجأ الاحتلال لتدخل واعتقال الصحفي الريماوي قبل أن تصل الحملة ذروتها. ويضاف إلى هذه الحملة حملات بدأت منذ بداية العام، منها حملات لتوزيع الغذاء والملابس ولحوم الأضاحي والمساعدات النقدية، وتواصل عمل الجمعيات والمؤسسات الخيرية والبلديات واللجان المحلية. وفي حزيران، وزعت الإغاثة الزراعية أكثر من 4.5 طن من لحوم الأضاحي على 2296 أسرة في محافظات طولكرم وقلقيلية ونابلس و أريحا وجنين.

وفي آب، نفذت "منظمة تطوع" حملة أخرى وصلت إلى مئات العائلات المحتاجة في طولكرم وجنين وسلفيت ونابلس، بدعم من الجاليات الفلسطينية والعربية والإسلامية في الولايات المتحدة.

وفي أيلول، أكدت وزارة التنمية الاجتماعية أن أكثر من 479 ألف مواطن في الضفة وغزة استفادوا خلال 2026 من تدخلات اجتماعية وإنسانية مختلفة، مع التأكيد أن الرقم يمثل "حالات استفادة" وليس بالضرورة عددًا من الأسر المختلفة. وشملت التدخلات الغذاء والخبز والقسائم الشرائية والمساعدات النقدية والدواء والملابس ومستلزمات الأطفال، إضافة إلى خدمات الحماية والرعاية الاجتماعية.

هذه الأرقام تقول شيئًا واضحًا: الدولة والمجتمع الأهلي والعائلة والمتبرع الفرد جميعهم أصبحوا أجزاء من منظومة حماية اجتماعية واحدة، متفاوتة التنظيم، لكنها ضرورية لاستمرار الحياة.

غير أن هذه المنظومة تعمل في بيئة يجري فيها تضييق المجال العام بصورة متزايدة.

الجمعية الخيرية بوصفها هدفًا

في 30 حزيران، اقتحمت قوات الاحتلال مقر جمعية التضامن الخيرية في نابلس، وداهمته وألحقت أضرارًا بمحتوياته، ثم صدر أمر بإغلاقه لمدة عام. ووفق الرواية الصهيونية التي نقلتها وسائل إعلام، جاء الإغلاق بذريعة أن الجمعية «تدعم الإرهاب». أما الجمعية والفعاليات المحلية فرفضت هذه الاتهامات واعتبرت الإجراء استهدافًا للعمل الخيري والإنساني.

الجمعية قالت إن الإجراء يمس نحو 1200 يتيم وعائلاتهم، بينما عقدت اللجنة الأهلية في نابلس اجتماعًا خصصته للقضية، وأعلنت رفض الإغلاق والتحرك قانونيًّا وشعبيًّا لمواجهته.

هنا يصبح السؤال أكبر من الجمعية ذاتها:

ماذا يحدث عندما تصبح المؤسسة التي تقدم المساعدة إلى الفقير جزءًا من ساحة الصراع؟

الجمعية في المجتمع الفلسطيني ليست مجرد مكتب إداري. إنها شبكة علاقات اجتماعية تضم المتبرع واليتيم والطبيب والمعلم والتاجر ورجل الدين والبلدية والمتطوع. وعندما تغلق، فإن ما يتوقف ليس نشاطًا بيروقراطيًّا فقط، وإنما سلسلة من العلاقات التي تنتج الأمان الاجتماعي.

وهذا ما يجعل استهداف المؤسسات الأهلية ذا أثر يتجاوز المؤسسة نفسها.

التضامن تحت المراقبة

منذ سنوات، تستخدم دولة الاحتلال ذرائع أمنية في إجراءاتها ضد مؤسسات فلسطينية، وتقول في حالات مختلفة إن بعض الجمعيات تستغل العمل المدني والإنساني في خدمة تنظيمات تصنفها «إرهابية». وهذه الرواية ينبغي أن تُنسب إلى أصحابها ولا يجوز تجاهلها.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاتهام الأمني سببًا لإغلاق المؤسسة دون أن تتوافر للجمهور صورة كاملة عن الأدلة، أو عندما تكون النتيجة العملية هي حرمان الفقراء والأيتام من الخدمات.

في حالة جمعية التضامن، كان الرد المحلي واضحًا: المؤسسات الأهلية في نابلس اعتبرت القرار استهدافًا للعمل الإنساني، وقررت اللجوء إلى المسار القانوني والشعبي.

وفي هذا التناقض بين الروايتين تظهر إحدى معارك المرحلة: من يملك حق تعريف العمل الاجتماعي؟

هل هو نشاط مدني مستقل؟ أم مساحة أمنية تخضع للرقابة العسكرية؟ أم الاثنان معًا؟

لا توجد إجابة بسيطة، لكن الوقائع تشير إلى أن مساحة الحركة أمام المجتمع المدني الفلسطيني تضيق.

الاحتلال لا يحتاج إلى إغلاق كل شيء

الأخطر أن الضغط على التضامن الاجتماعي لا يأتي فقط من إغلاق جمعية هنا أو اعتقال ناشط هناك.

إنه يحدث أيضًا من خلال تفكيك الشروط التي تجعل التضامن ممكنًا.

فالاحتلال يغلق الطرق، يقيم الحواجز، يقتحم المخيمات، يهدم المنازل، يوسع المستوطنات، ويترك عنف المستوطنين يضغط على القرى والتجمعات الريفية. ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، سُجل منذ بداية 2026 أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين أدى إلى إصابات أو أضرار بالممتلكات في 275 تجمعًا فلسطينيًّا حتى منتصف أيلول/سبتمبر. كما تجاوز عدد الفلسطينيين المهجرين في الضفة خلال العام 4300 شخص بسبب الهدم والإخلاء وهجمات المستوطنين والقيود المرتبطة بها.

وفي نيسان/أبريل، وثقت الأمم المتحدة 925 عائقًا للحركة في الضفة الغربية، وهو أعلى عدد تسجله خلال عقدين، بما يؤثر في وصول ملايين الفلسطينيين إلى العمل والتعليم والرعاية الصحية والخدمات.

هذه ليست مجرد قيود على الحركة.

إنها قيود على إمكانات التضامن.

فالطرد من الأرض يعني تفكيك مجتمع محلي. وإغلاق الطريق يعني عزل قرية عن سوقها. وهدم المنزل يعني دفع الأسرة إلى شبكة أقارب جديدة. ومنع الوصول إلى المدرسة أو المستشفى يضاعف اعتماد الناس على الأقارب والجيران والمؤسسات الخيرية.

كلما توسعت دائرة الإكراه، توسعت الحاجة إلى التضامن.

وكلما توسعت الحاجة إليه، ازدادت أهمية السيطرة على القنوات التي تنتجه.

علاء الريماوي: من المبادرة إلى الاعتقال

في 17 أيلول، بعد أقل من أسبوعين على إطلاق "تنازل لله"، اقتحمت قوة احتلالية منزل الصحفي علاء الريماوي في البيرة واعتقلته، وفق ما أفادت به عائلته.

لا يمكن الجزم بأن الاعتقال كان بسبب المبادرة وحدها، فهذا الرجل أمضى نحو اثني عشر عامًا في السجون، وأعيد اعتقاله بعد أقل من عام على الإفراج عنه، يصبح في لحظة ما ليس مجرد صاحب مبادرة خيرية. لقد تحول إلى عقدة اتصال اجتماعي قادرة على تحريك الناس حول قضية ملموسة: الدين، الفقر، العجز عن السداد.

وهنا تكمن أهمية "تنازل لله".

فهي لم تطلب من الناس الخروج إلى الشارع، ولم تدعُ إلى تنظيم سياسي، ولم تقدم برنامجًا أيديولوجيًّا. قالت ببساطة: إذا كان جارك عاجزًا عن دفع دينه، فتنازل عنه إن استطعت.

ومع ذلك، أنتجت هذه الدعوة شبكة اجتماعية واسعة.

إنها قوة المجتمع حين يجد طريقة للتنظيم خارج المؤسسات التقليدية.

من «الفزعة» إلى التنظيم الاجتماعي

لطالما عرف المجتمع الفلسطيني أشكالًا متعددة من «الفزعة» والتكافل: العونة في مواسم الزراعة، مساعدة أهل الأسير، جمع المال للمريض، ترميم بيت أسرة فقيرة، مساعدة أهل الشهيد، وإغاثة المنكوب.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت طبيعة هذه الظاهرة.

في السابق، كانت المساعدة تبدأ من الحي وتنتهي فيه.

اليوم تبدأ من منشور وقد تصل إلى آلاف الأشخاص.

الشيك الذي كان يعرفه صاحبه ودائنه فقط يصبح صورة على الهاتف. الحالة المرضية التي كانت محصورة في دائرة الأسرة تتحول إلى حملة عامة. الدين الفردي يتحول إلى قضية اجتماعية.

وهكذا أصبحت المنصات الرقمية بنية تحتية للتضامن.

وهو تطور مهم لأن المجتمع الفلسطيني يعيش في ظل تراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية، وفي الوقت نفسه لا يستطيع الاستغناء عنها. إنه مجتمع بين حاجتين متناقضتين: الحاجة إلى مؤسسة قوية توفر الحماية، والحاجة إلى مبادرة أهلية تستطيع الحركة بسرعة حين تعجز المؤسسة.

السؤال الذي تطرحه الضفة

السؤال الحقيقي ليس: لماذا يتبرع الفلسطينيون؟

فالتكافل جزء قديم من الثقافة الاجتماعية والدينية والوطنية الفلسطينية.

السؤال هو: لماذا يتوسع نطاق الحاجة إلى التكافل بهذه السرعة؟

الإجابة تقع في تقاطع عدة عوامل: الاحتلال، البطالة، تراجع الدخل، أزمة السلطة المالية، القيود على الحركة، الاستيطان، النزوح، ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع قدرة المؤسسات على الاستجابة.

وبذلك يصبح التضامن الاجتماعي أشبه بسدّ يحاول منع الانهيار الاجتماعي.

لكن السد لا يستطيع أن يحل محل النهر.

لا يمكن لمبادرة «تنازل لله» أن تعالج أزمة اقتصادية بنيوية. ولا يمكن لجمعية خيرية أن تحل محل سياسة تشغيل. ولا يمكن للمتبرع أن يحل محل نظام حماية اجتماعية. ولا تستطيع العائلة إلى ما لا نهاية أن تعوض غياب الدخل.

التكافل يخفف آثار الأزمة، لكنه لا يلغي أسبابها.

وهنا تكمن المسألة السياسية الأعمق.

التضامن باعتباره شكلًا من أشكال الصمود

حين يحرق فلسطيني شيكًا مستحقًا على جاره، فهو لا يسقط دينًا فقط. وحين يجمع الناس المال لعلاج مريض، فهم لا يدفعون فاتورة طبية فقط. وحين تتولى جمعية كفالة يتيم، فهي لا تقدم راتبًا شهريًّا فقط.

هذه الأفعال تعيد إنتاج فكرة أساسية: أن المجتمع لم يترك الفرد وحيدًا أمام آلة الأزمة.

وهذا ربما هو المعنى الأهم لما يجري اليوم.

فالاحتلال يعمل على تفكيك المكان، والاقتصاد يدفع نحو تفكيك الأسرة، والفقر يعزل الفرد، والدين يحوله إلى مدين دائم، والحواجز تفصل القرى والمدن، والنزوح يقتلع الناس من بيئاتهم. في المقابل، يعمل التضامن على إعادة وصل ما يتعرض للتفكيك.

من هنا، يصبح التضامن الاجتماعي جزءًا من الصمود، لكن ليس بمعناه الخطابي الضيق. إنه الصمود في أكثر صوره اليومية: أن يبقى للفقير مكان بين الناس، وللمريض من يسأل عنه، وللمدين من يخفف عنه، ولليتيم من يكفله، وللنازح من يستقبله.

الضفة تحت المجهر

ما يجري في الضفة الغربية اليوم يكشف معركة أعمق من السيطرة على الأرض.

إنها معركة على قدرة المجتمع الفلسطيني على تنظيم حياته بنفسه.

عندما تُهدم البيوت، يُضرب السكن. وعندما تُغلق الطرق، تُضرب الحركة. وعندما تُستهدف الجمعيات، تُضرب شبكة الحماية. وعندما يُعتقل ناشط اجتماعي ذائع الحضور، يصبح السؤال متعلقًا بحدود النشاط العام نفسه.

وفي المقابل، كلما اشتدت الضغوط ظهرت أشكال جديدة من التضامن.

«تنازل لله» مثال بالغ الدلالة: مبادرة ولدت من دين صغير، ثم تحولت إلى ملايين الدولارات من الديون المسقطة. وفي اللحظة نفسها التي كان المجتمع يحاول فيها تخفيف أعبائه، جاء اعتقال صاحب المبادرة.

لكن المفارقة لا تنتهي هنا.

فالمبادرة لم تتوقف باعتقال صاحبها.

وهذه ربما هي الخلاصة الأهم.

الفرد يمكن اعتقاله، والجمعية يمكن إغلاقها، والمقر يمكن مداهمته؛ لكن الحاجة التي أنجبت التضامن لا يمكن إغلاقها بأمر عسكري.

ما دام هناك مجتمع يشعر بأن أفراده يُدفعون إلى الحافة، سيبحث عن وسائل لحمايتهم.

قد تكون الوسيلة جمعية خيرية، أو لجنة زكاة، أو بلدية، أو مجموعة على واتساب، أو منشورًا على فيسبوك، أو دائنًا يمزق شيكًا، أو طبيبًا يتنازل عن أجره، أو جارًا يفتح بيته لعائلة مهجرة.

لهذا فإن السؤال عن التضامن الاجتماعي في الضفة ليس سؤالًا عن «العمل الخيري» بالمعنى التقليدي.

إنه سؤال عن قدرة المجتمع الفلسطيني على البقاء مجتمعًا.

وفي هذه المساحة تحديدًا، يبدو أن الاحتلال لا يراقب الأرض وحدها؛ إنه يراقب أيضًا العلاقات التي تجعل أهل الأرض قادرين على الصمود فوقها.