Menu

كل الطرق لا تؤدي الى القدس

يونس العموري

بوابة الهدف

من رام الله إلى القدس لا تحتاج المسافة إلى كثير من الكيلومترات، لكنها تحتاج أحيانًا إلى ساعات طويلة من الانتظار. تخرج من رام الله وفي بالك أن القدس قريبة، وأن الطريق الذي تعرفه منذ سنوات لا يحتاج أكثر من وقت معلوم، ثم تكتشف أن المسافة ليست ما تقوله الخريطة، وأن الطريق ليس طريقًا بالمعنى الذي تعرفه الطرق، وأن الوصول إلى القدس يمكن أن يتحول فجأة إلى امتحان طويل من الحواجز والإغلاقات وتكدس السيارات والانتظار الذي لا تعرف متى ينتهي. وفي الطريق إلى القدس لا يعود السؤال كم بقي من الكيلومترات، بل كم بقي من الوقت، ومن الذي يقرر أن تتحرك ومتى تتوقف، وهل ستصل أم ستعود، وهل العودة نفسها ممكنة إذا علقت في الأزمة.

بالأمس، وفي كل يوم يشبه الأمس، يتحول الطريق من رام الله إلى القدس إلى عذاب بكل ما تحمل الكلمة من معنى. سيارات متكدسة، حواجز مغلقة أو شبه مغلقة، طوابير تمتد ولا تتحرك، ومحاولات لمعرفة ما الذي يحدث من دون أن تجد أحدًا يجيب. تنتظر، ثم تنتظر أكثر، ثم تبدأ في حساب الوقت لا بالساعة بل بما خسرته من يومك. موعد يتأخر، عمل يتعطل، زيارة تتحول إلى قلق، ومدينة قريبة تصبح بعيدة فقط لأن حاجزًا قرر أن يجعل الطريق إليها طويلًا. وحين تعلق في الأزمة يصبح الرجوع أيضًا مشكلة، فلا أنت وصلت إلى القدس كما خططت، ولا أنت قادر على العودة إلى رام الله بسهولة. تصبح عالقًا بين مكانين، وكأن الطريق نفسه قرر أن يحتجزك.

وحين يطول الانتظار، يبدأ الناس في البحث عن طريق بديل. يتركون الطريق المعروف، ويدخلون في طرق فرعية وملتوية، بعضها يحتاج إلى ساعات حتى تصل، وبعضها لا تعرفه أصلًا إلا لأن الأزمة دفعتك إليه. تظن أنك وجدت مخرجًا من الحاجز، ثم تكتشف أن الحاجز العسكري منصوب هناك أيضًا، وأن الطريق البديل الذي أخذ منك ساعة أو ساعتين أو أكثر ينتهي أمام بوابة مغلقة أو حاجز لا يسمح بالمرور. وهكذا يصبح الطريق البديل جزءًا من العذاب نفسه، لا حلًّا له. تدور في المكان، تستهلك الوقود والوقت والأعصاب، وتعود في النهاية إلى السؤال ذاته.. كيف يمكن لمسافة قصيرة بين رام الله والقدس أن تحتاج كل هذا الوقت وكل هذا القلق؟

والأمر لا يتوقف عند الحواجز العسكرية. بعض الطرق التي يضطر الفلسطينيون إلى سلوكها هربًا من الإغلاقات تمر في مناطق يعرف الناس فيها أنهم ليسوا بمأمن من اعتداءات المستوطنين. السيارة الفلسطينية تصبح في بعض هذه الطرق هدفًا محتملًا، والعائلة داخلها تعرف أن عليها أن تواصل السير وهي تحمل خوفًا إضافيًّا.. ليس فقط هل سنصل، بل هل سنصل من دون أن يعترضنا مستوطنون أو تتعرض سيارتنا للاعتداء؟ وهكذا يصبح الطريق البديل أكثر من طريق طويل، يصبح طريقًا يحمل معه احتمالًا إضافيًّا للخوف.

المشكلة ليست في الزحام وحده. الزحام يحدث في كل مكان، وقد تتأخر الطرق لأسباب كثيرة، لكن ما يجعل الأمر مختلفًا هو أنك تعرف أن هناك من يملك القدرة على فتح الطريق أو إغلاقه، وعلى تمرير السيارات أو توقيفها، وعلى تفتيشها أو تركها، وعلى جعلك تنتظر عشر دقائق أو ساعات. وفي لحظة كهذه تشعر أن الطريق لم يعد ملكًا لك، وأن الوقت لم يعد وقتك، وأن المسافة لم تعد تقاس بالكيلومترات. هناك حاجز، وهناك جندي، وهناك قرار يمكن أن يغير كل شيء في لحظة. وهكذا يصبح مزاج الجندي جزءًا من هندسة الطريق، ويصبح الفلسطيني مطالبًا بأن ينتظر قرارًا لا يعرف معاييره ولا مدته.

والأقسى من ذلك أن بعض الشوارع المؤدية إلى المعابر والحواجز التي يفترض أن تكون طريقًا إلى القدس أو طريقًا للعودة منها مصممة بطريقة تجعل الرجوع عند وقوع الأزمة شبه مستحيل. تدخل في مسار السيارات، ثم تجد نفسك محاصرًا في اتجاه واحد، لا تستطيع أن تتراجع ولا أن تخرج من الطابور، والسيارات خلفك تمتد كما السيارات أمامك. كل شيء يقود إلى نقطة واحدة، وإذا أغلقت تلك النقطة تصبح السيارات أسيرة الطريق الذي جاء بها إليها. لا مجال للمناورة، ولا مكان كافيًا للعودة، ولا طريق واضحًا للهروب من الاختناق. وهنا يصبح الحاجز أكثر من نقطة تفتيش، يصبح مصيدة زمنية، تدخلها ولا تعرف متى تخرج منها.

وهناك من يقضي ساعات طويلة داخل السيارة، لا يتحرك إلا بضعة أمتار كل فترة، ثم تتوقف السيارات من جديد. ساعات تمر، والناس داخل مركباتهم. بعضهم لديه عمل ينتظره، بعضهم لديه موعد، بعضهم عائد إلى بيته، وبعضهم جاء إلى رام الله للعمل ثم اكتشف أن طريق العودة إلى القدس ليس رحلة عادية. وقد يصل الأمر إلى أن ينام الناس في سياراتهم على الحواجز أو قربها، لأن العودة لم تعد ممكنة، ولأن الاستمرار في الانتظار أصبح هو الخيار الوحيد المتاح. إنسان يغادر بيته في الصباح ولا يعرف إن كان سيعود إليه في الليل، أو يصل إلى عمله ولا يعرف متى سيتمكن من العودة إلى عائلته.

وفي وسط هذا كله هناك النساء والأطفال، وهم ربما الحلقة الأقسى في حكاية الحواجز. ماذا تفعل امرأة عالقة لساعات في سيارة وسط طابور لا يتحرك عندما تحتاج إلى قضاء حاجتها؟ أين تذهب؟ كيف تشرح لطفل صغير أن عليه أن ينتظر ساعة أخرى، ثم ساعة أخرى، بينما هو بحاجة إلى الحمام أو الماء أو الطعام؟ ماذا تفعل أم تحمل طفلًا، أو امرأة حامل، أو طفل مريض، عندما يصبح الطريق كله عبارة عن صف طويل من السيارات لا يعرف أحد متى يتحرك؟ هذه ليست أسئلة نظرية، بل تفاصيل إنسانية صغيرة تجعل معنى الحاجز أكبر بكثير من أسلاك وبوابات وجنود.

والطفل الذي ينام في السيارة أمام الحاجز لا يعرف معنى السياسة ولا خرائط السيطرة ولا الاتفاقيات ولا التصريحات. يعرف فقط أنه يريد أن يصل إلى بيته. والمرأة التي تضطر إلى قضاء ساعات في سيارة لا تعرف متى ستتحرك لا يهمها في تلك اللحظة اسم الحاجز ولا اسم المنطقة، بل يهمها أن تنتهي هذه الرحلة. والعامل الذي خرج إلى عمله لا يريد أكثر من أن يعود إلى بيته. والطالب يريد الوصول إلى جامعته، والمريض يريد الوصول إلى علاجه، والأب يريد أن يرى عائلته. لكن كل هذه الحاجات البسيطة يمكن أن تتوقف عند نقطة واحدة، خلف حاجز، أمام جندي، وبقرار لا يملك الفلسطيني معرفة سببه ولا موعد انتهائه.

وليس هذا مجرد انطباع عابر. منظومة عوائق الحركة في الضفة الغربية واسعة، وتشمل حواجز وبوابات وإغلاقات وعوائق أخرى تؤثر في حركة الفلسطينيين، وتدفعهم في كثير من الحالات إلى سلوك طرق أطول وتعطل الوصول إلى أماكن العمل والخدمات. لكن الأرقام، مهما كانت ضرورية، لا تقول كل شيء. الرقم لا يجلس داخل سيارة عالقة لساعتين. الرقم لا ينظر إلى ساعة يده للمرة العاشرة. الرقم لا يسمع الأطفال وهم يسألون.. متى نصل؟ ولا يشعر بالقلق من أن يصبح موعد العودة أصعب من موعد الذهاب. الرقم لا يعرف ماذا يعني أن تخرج إلى القدس وأنت لا تعرف هل ستصل إليها، وأن تعود منها وأنت لا تعرف كم ستحتاج للعودة. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل الحاجز أكبر من حاجز، وتجعله جزءًا من الحياة اليومية نفسها.

والقدس هنا ليست مدينة بعيدة. هي قريبة إلى درجة أنك تستطيع أن تشعر أنك على أبوابها، لكنها بعيدة إلى درجة أن الوصول إليها قد يتحول إلى رحلة معاناة. وهذه المفارقة ربما هي واحدة من أكثر ما يوجع في الحكاية كلها... أن تكون المدينة قريبة جغرافيًّا وبعيدة بفعل السيطرة على الطريق. أن تكون المسافة قصيرة، لكن الوصول طويلًا. أن تعرف أن القدس هناك، ثم تجد نفسك عالقًا في طابور سيارات لا تعرف لماذا توقف ولا متى يتحرك.

ولا يتعلق الأمر فقط بمن يعيش في رام الله ويريد الذهاب إلى القدس. هناك من يأتي إلى رام الله من القدس أو من بلدات أخرى من أجل عمل أو موعد أو معاملة، ثم يريد العودة إلى بيته في القدس، فيجد أن رحلة العودة ليست مضمونة. وقد يكون الطريق صباحًا مفتوحًا نسبيًّا، ثم يصبح عند المساء مختلفًا تمامًا. وقد يصل الإنسان إلى رام الله لقضاء ساعات في عمله، ثم يكتشف أن العودة إلى القدس تحتاج إلى ساعات أخرى من الانتظار، وربما إلى البحث عن طرق بديلة، وربما إلى البقاء عالقًا في مكانه حتى الليل. وهكذا يصبح المكان الذي جئت إليه للعمل أو لقضاء حاجة مكانًا لا تعرف متى تستطيع مغادرته.

والفلسطيني مع الوقت قد يبدأ بالتكيف مع هذا كله. يبدأ في حساب الحاجز قبل حساب الطريق، ويخرج قبل موعده بساعات، ويترك مساحة إضافية لكل احتمال، ويسأل من سبقوه.. كيف الوضع على الحاجز؟ هل فتحوا؟ هل أغلقوا؟ هل هناك أزمة؟ هل نستطيع المرور؟ وهكذا يدخل الاحتلال إلى تفاصيل الحياة بطريقة أكثر عمقًا من مجرد وجود جندي على حاجز. يدخل إلى الساعة، والموعد، وخطة اليوم، وقرار الذهاب، وقرار العودة. يصبح احتمال الإغلاق حاضرًا حتى عندما يكون الطريق مفتوحًا.

وحين تكون هذه هي القاعدة، يصبح الوصول إلى القدس أكثر من انتقال من مدينة إلى مدينة. يصبح تذكيرًا يوميًّا بمن يملك مفاتيح الحركة. قد تكون في رام الله وتريد الذهاب إلى القدس، وقد تكون في القدس وتريد العودة إلى رام الله، لكن الطريق لا يسأل عن حاجتك ولا عن موعدك ولا عن عملك. الطريق ينتظر القرار الذي يأتي من الحاجز. وهذا هو الجزء الأكثر قسوة في المسألة.. أن يصبح إنسان عادي يريد الوصول إلى مكان قريب، خاضعًا في حركته اليومية لقرار عسكري لا يملك مناقشته ولا معرفة نهايته.

والأسوأ أن الفلسطيني قد يبدأ بالتعامل مع هذه المعاناة باعتبارها شيئًا عاديًّا. أن تصبح ساعات الانتظار خبرًا يوميًّا لا يستحق التوقف عنده، وأن يصبح نوم الناس في سياراتهم مشهدًا عابرًا، وأن تصبح الأم التي تبحث عن مكان لقضاء حاجة طفلها جزءًا من صورة الطريق، وأن يصبح الخوف من اعتداء مستوطن على سيارة فلسطينية احتمالًا طبيعيًّا من احتمالات السفر. حين يصبح غير الطبيعي عاديًّا، تكون السيطرة قد دخلت إلى أعمق نقطة في الحياة: إلى قدرة الإنسان على التعايش مع ما لا ينبغي أن يكون طبيعيًّا.

وما يحدث عند الحواجز ليس مجرد إضاعة للوقت. الوقت نفسه يصبح أداة للسيطرة. يمكن أن تخسر ساعة، أو ثلاث ساعات، أو يومًا كاملًا، لكن الخسارة الأكبر هي أنك لا تعرف مسبقًا كم ستخسر. ولذلك لا تستطيع أن تخطط لحياتك كما يفعل الناس في الطرق العادية. لا تستطيع أن تقول سأصل في الثامنة، أو سأعود في السادسة، لأن هناك دائمًا حاجزًا يمكن أن يعيد كتابة جدول يومك كله. وهذا يعني أن السيطرة لا تقع فقط على المكان، بل على الزمن أيضًا.

ربما لهذا لا يكفي أن نقول إن الحواجز تعطل الحركة. إنها تعيد ترتيب الحياة نفسها. تجعل الطريق جزءًا من القلق اليومي، وتجعل الوقت الفلسطيني قابلًا للمصادرة، وتجعل مدينة مثل القدس، التي يفترض أن تكون في متناول من يعيش في رام الله، مرتبطة بسلسلة من القرارات العسكرية التي قد تجعل الوصول إليها رحلة لا تطاق. وفي النهاية لا يعود الاحتلال موجودًا فقط عند حدود المكان، بل يصبح موجودًا داخل الطريق، داخل السيارة، داخل الساعة، وحتى داخل السؤال البسيط.. متى نصل؟

القدس لا تحتاج إلى أن تكون بعيدة حتى تصبح بعيدة. يكفي أن يوضع بين رام الله والقدس حاجز، ثم حاجز آخر، ثم إغلاق، ثم طابور، ثم ساعات من الانتظار، حتى تصبح المسافة شيئًا آخر. تصبح القدس قريبة على الخريطة، بعيدة في الطريق، أثقل في الوصول، وأكثر حضورًا في الذاكرة من أن تكون مدينة يمكن الذهاب إليها ببساطة. ويصبح الرجوع منها رحلة أخرى لا تقل قسوة عن رحلة الوصول إليها.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا.. ماذا يعني أن تصبح الطريق إلى القدس نفسها جزءًا من المعاناة؟ ماذا يعني أن يحتاج الفلسطيني إلى كل هذا الوقت كي يصل إلى مدينة قريبة، وأن يحتاج إلى مزيد من الوقت كي يعود منها، وأن يصبح الطريق البديل أكثر طولًا وخوفًا، وأن تتحول الحواجز إلى نقاط تتحكم في اليوم كله؟ وهل اعتدنا هذا العذاب إلى درجة أننا لم نعد نرى في الحاجز إلا طابور سيارات، بينما هو في الحقيقة جزء من نظام يجعل حركة الفلسطيني ووقته وحياته كلها قابلة للتوقف بقرار من يقف على الحاجز؟.