بصورة مفاجئة من دون مقدمات أو إشارات، وسط جلبة الحرب الأمريكية الإسرائيلية من جهة، والإيرانية من جهة أخرى، تم التوقيع على اتفاق ثلاثي دفاعي مشترك في مكة المكرمة من المملكة العربية السعودية وما تمثله من موقع ديني مهم للأمتين الإسلامية والعربية وتركيا العضو البارز في حلف الناتو، وثاني أكبر جيش بعد الولايات المتحدة الأمريكية، والباكستان المسجلة على قوائم النادي النووي وذلك يوم الجمعة 7 آب / أغسطس 2026م في قصر الصفا.
شعرت هذه الدول الثلاث الموقعة على اتفاق مكة الدفاعي، بخيبة الامل من التلاعب والخداع الصهيو- أمريكي في منطقة الشرق الأوسط، حيث رأت، أن هدف واشنطن من استمرار الأزمة أو الحرب يستهدفها ويستنزفها اقتصادياً وأمنياً، على اعتبار أن الولايات المتحدة أقل ضرراً من إغلاق مضيق هرمز والتقلبات في أولويات الحرب بحجة انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. وفي نفس السياق تسعى «إسرائيل» نتنياهو إلى استمرار الحرب وإسقاط النظام الإيراني والتمهيد لاستهداف تركية الصاعدة والمهددة للكيان سواءً في سوريا أو وقوفها معنوياً مع القضية الفلسطينية.
إن نتائج الحرب الدائرة وتحولها من العسكرة إلى العقوبات الاقتصادية الخانقة، سواءً للولايات المتحدة التي تعلن مع مطلع كل نهار بانها انتصرت، أو صمود إيران بوجه الحملة العسكرية أو مقدرتها على الالتفاف على العقوبات كعادتها المعهودة؛ ذلك وضع المنطقة برمتها أمام مخاطر محدقة، وبالتالي فهمت المملكة العربية السعودية ومعها تركيا والباكستان أن حالة «اللاحرب» و «اللاسلم» قد تؤثر تأثيراً خطيراً، لأن واشنطن ستضغط على دول الخليج العربي وتحميلهم الكلفة الاقتصادية الهائلة بحجة حمايتهم، وبالتالي تصبح المنطقة رهينة الابتزاز الأمريكي الفاضح، وفي حالة صمود إيران بوجه الضغوط، يعني ذلك الاعتراف بها قوة مهيمنة على مضيق هرمز، وبالتالي باستطاعتها فرض الرسوم على مرور السفن التجارية، وهذا لن يرضي دول الخليج المتشاطئة، وحتى سلطنة عمان التي حاولت إيران أن تهيمن على قرارها السيادي وإجبارها بالتخلي عن حقوقها.
يمكن ملاحظة عدم الحسم مع إيران وتمييع الحلول وتحديد مواعيد للاستجابة الأمريكية، ومن ثم التراجع عن التهديدات التي طالت الحضارة الإيرانية في بدايات الحرب، ثم سقوط النظام. لتستقر الأمور عند فتح المضيق أمام الملاحة الدولية، وحتمية منع إيران امتلاك سلاح نووي، وتمسك طهران بالمضيق الذي أعطاها القوة أكثر مما لو امتلكت السلاح النووي الذي قد يجر عليها تحالف ضروري ومتسارع ومن عدة جبهات داخلية وخارجية تسرع في انهيار النظام، لأن البرنامج النووي يحتاج إلى أمور فنية كبيرة ليس باستطاعة طهران تشغيله أو إدارته.
اعتبر الكيان الصهيوني، اتفاق مكة الثلاثي الدفاعي، تحالفاً ضده، واستباقاً للنيات الخبيثة، واستهداف تركيا بعد إيران، الأمر الذي أدى إلى تراجع حدة التهديدات لتركيا، وتغليب لغة الدبلوماسية على العسكرية، وذلك لأن علاقات أنقرة بواشنطن بأفضل حال، بينما رأته واشنطن أي (الاتفاق) أداة ردع سياسية واحتواء إقليمي لإيران، حيث بالإمكان استثماره في الوقت الحالي مع طهران، وبالطبع لا يخلو الأمر من الشكوك التي ربما تؤجل لوقت آخر، وهو إشارة قوية لعدم الاطمئنان للمظلة الأمريكية في العرف الاستراتيجي. الكيان الصهيوني ومحاولات ما يسمى رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو الضغط على ترامب لشن هجمات ساحقة ماحقة على المنشآت النووية، والعمل على انهيار الدولة بالكامل، إلا أن التحالف الجديد يعكس الحالة الزئبقية كما أسلفنا لسلوك واشنطن المتردد بالحسم خشية ذهاب الصين وروسيا إلى تحالف الضرورة بوجه الأطماع الصهيو- أمريكية، وربما يعلنان على عجل عن تحالف دفاعي مشترك قد يصعب على واشنطن التصدي له، وبالتالي الأفضل أن تراوغ وتخادع بالأزمة إلى وقت يستنزف الانتظار الروسي – الصيني اقتصادياً، وإقناعهما بالتخلي عن طهران والاستفادة من النفط الإيراني الرخيص.
تعتقد الإدارة الصهيونية إن أي تحالف في المنطقة، و«إسرائيل» ليس فيه هو تحالف ضدها بالضرورة، وبالتالي لابد من العمل بجهد لإفشاله في مهده، لذلك جاءت الهجمات الصهيونية على مطار أبو الظهور في مدينة إدلب السورية الثلاثاء آب/ أغسطس 18/8/2026 كبالون اختبار للقوات التركية التي تتهمها بإنشاء قواعد عسكرية أو مساعدة الجيش العربي السوري في استعادة قدراته العسكرية الجوية.
سيظل التحالف الثلاثي الدفاعي الجديد بخطر طالما الأزمة الأمريكية – الإيرانية لم تحسم بعد، وهناك مؤشرات تقول، الذهاب إلى اتفاق مع طهران بات وشيكاً بالرغم من التعيينات الجديدة للقيادة، يعني ذلك أن واشنطن قد تقبل بفتح مضيق هرمز لقاء فك الحصار عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن بعض الأموال المجمدة، وأكثر ما يخشاه التحالف العضوي الصهيو- أمريكي هو اتساع التحالف وانضمام بعض الدول إليه وخصوصاً جمهورية مصر العربية.
إن هذا التحول الجيو- سياسي العميق، ينسف تابو من تابوهات الفكر الاستعماري الذي يعتاش على الانقسامات والاختلافات بين الدول والكيانات وحتى الداخل من كل دولة، في الوقت الذي كانت تنتظر واشنطن من سياسة تخويف المنطقة من الأطماع الإيرانية، وضرورة الوقوف معها وتزويدهم بأعتى أنواع السلاح للقيام بأعمال عسكرية بالنيابة عنها، تفاجأت بالإعلان العظيم مما شكل لديها الارتباك والفوضى بالرغم من محاولتها واستعراضها بأنها توافق على مثل هذه التحركات السياسية، حيث بالإمكان الاستفادة بتوجيه بوصلة الاتفاق مع الأغراض الصهيو- أمريكية.
ما يقلق الكيان الصهيوني، خشيته من تراجع النفوذ الاستراتيجي الأمريكي لصالح قوى إسلامية إقليمية مستقلة بقرارها بعيداً عن التوجيه الامريكي المباشر، هواجس يمكن أن تضاف لحالة الردع وفقدان الهيمنة وتراجع التفوق التكنولوجي والعسكري، وانتقال الخبرات العسكرية والدفاعية وتكاملها بين الدول الثلاث، مما يضيق الفجوة العسكرية الاستراتيجية.
والأهم من ذلك، يعتبر الاتفاق بديلاً استراتيجياً عن المسار الإبراهيمي، وفرصة بالذهاب بعيداً بالمملكة العربية السعودية عن مسار التطبيع والانخراط في محور إقليمي تقوده «إسرائيل»، وربما ينسف فكرة رؤية السعودية 2030 والازدهار الاقتصادي برؤية أمريكية خالصة، وأعتقد أن الولايات المتحدة فقدت زمام المبادرة واختلطت عليها الأمور، وهي في حالة ارتباك سياسي، وأعتقد أيضاً دخلت مرحلة الخوف والتوجس، والتفكير في فضاء الخوف أخطر منه من حالة السلم وبالتالي على الولايات المتحدة أن تصحح مساراتها وتصدق في أزماتها أي أن تحسم في حالة القدرة على الحسم، وتتراجع وتبرر سبب التراجع، لأن الداخل الأمريكي وزحف التقدميين لا يرحم.
صحيح أن واشنطن ما تزال تحتفظ بقدرتها العسكرية الهائلة، والأرقام الفلكية تتحدث عن نفسها، إلا أنها إمبراطورية كحال الإمبراطوريات البائدة تخشى من فوضى الأولويات، فالفوهرر «هتلر» وقياس القوة العسكرية التي كانت عليها وقتذاك، قوة لا تقهر، لكنها هزمت عند بوابة الأولويات أو البداية التي تفتح عليه البوابات، وأعتقد جازماً أن اليهود هم من أشاروا عليه بمهاجمة المد الشيوعي السوفيتي الذي قضى على جيشه في غابات القوقاز جوعاً وقتلاً وتشريداً.
رسائل كبيرة ومعان خطيرة، من الاتفاق الدفاعي الثلاثي المشترك للعالم، حقيقة أن واشنطن لم تعد المظلة الآمنة، وبالتالي على العالم التحرك بسرعة لتحالفات أكثر وأكبر بوجه الإمبريالية الصهيو- أمريكية التي تجاوزت العادات والتقاليد وقفزت فوق القانون الدولي واستباحت المجالس الدولية خدمة لأهدافها، وتشجيعها المخزي للكيان الصهيوني بالتوسع والاعتداء على دول الجوار، واستمرار الإبادة الجماعية للشعب العربي الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، لذلك أعتقد جازماً تحركات الكيان الصهيوني بالتوسع والاحتلال هو إشارة فهمتها بتراجع وضعف واشنطن بعد التحول السياسي البريطاني الفرنسي من القضية الفلسطينية والاستعداء الظاهر لـ «إسرائيل».
على كل حال حتى لا نفرط بالتفاؤل أكثر، أمام واشنطن تحديات قريبة وبعيدة، والأجدر منها أن تتخلص من القريبة حتى تتفرغ للبعيدة، والأزمة مع إيران تحتاج للصدق، أي إعلان حرب على غرار الحرب على العراق، حيث مُنع مسؤوليه من السفر، وحتى المندوب بالأمم المتحدة توقف عن عمله بقرار أمريكي، بينما النظام الإيراني يسافر مسؤوليه في كل الاتجاهات من قائد الحرس الثوري إلى رئيس البرلمان، والغريب أن جنازة الخامنئي وصلت للعراق مع مشيعيه!!
ثمة تحديات تهدد التحالف الثلاثي الدفاعي المشترك، فالسعودية بين فكي كماشة، الفك الأول الفصائل المؤيدة لإيران في العراق، والثاني جماعة أنصار الله اليمينية (الحوثي) في الجنوب وتهديدها لإغلاق باب المندب، والصواريخ الإيرانية الباليستية. الباكستان عدوتها الهند جاهزة ومتربصة ومتحالفة مع «إسرائيل» والولايات المتحدة وتنتظر الأوامر.. تركيا و«إسرائيل» وما بينهما ما صنع الحداد.
لا بد من تكامل أمني على نطاق واسع، وانتقال تدريجي من سياسة تعاون الضرورة إلى تكامل «المصير المشترك» لحماية السيادة ومواجهة التحديات الطارئة، وتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي عبر بناء قواعد توازن قوى ينصهر فيها القرار الأمني بجهود دول المنطقة نفسها.

