- اليقينُ راسخٌ بأن الهزائم ليست دائماً تلك التي نلمس كارثية نتائجها بالعين المجرّدة، فثمة هزائمُ أكثر خفاءً وفجاعة، سيما التي تبدأ حين تتسلل اللغةُ إلى وعينا بملامح بريئة وزخارف وادعة، لتعيد ترتيب العالم داخلنا خلسة، فالكلمات ليست مجرد أصواتٍ نعبّر بها عن المعنى، بل هي بواباتٌ خفيةٌ يُستدخلُ منها التصور الكامل للتاريخ والحق والإنسان، ولهذا السبب سُلبت الأممُ المهزومةُ أسماءَها قبل أن تُسلب خرائطها وتُشوه مكانيتها، وربما لأنني فلسطينيُّ الحرفِ في الشعر والقصة، تبدو علاقتي بالكلمات أقل براءة مما ينبغي، والكلمات في فمي تشعر بالثقل : ثقل المنافي وثقل الدم وثقل التاريخ الذي لا يرحم من يتلاعب بأسمائه، فتراني هنا لا أكتب لأنتقد مصطلحاً أكاديمياً بل لأحمي الاسم من التلاشي، فلا يمكنني النظر إلى المفردات كأدواتٍ للتعبير وحسب، ذاك أن اللغة في التجربة الفلسطينية لم تكن يوماً ترفاً ثقافياً بل جبهةً من جبهات البقاء، ولهذا يساورني قلقٌ عميقٌ يشاطرني الكثيرون فيه كلما مررنا بكلماتٍ محمّلةً بعوالم لا تشبهُ حقيقة ما عشناه مهما بدت أنيقةً وعصريةً في ثوبها الجديد .
- لم تكن فلسطين في معركتها الوجودية تواجه جيشاً بعتاده فحسب، بل تموضعت للضرورة في قلب مواجهةٍ مع آلةٍ هائلةٍ لإعادة تعريفها أمام العالم، فمنذ النكبة لم يتوقف الاحتلال عن محاولة انتزاع الفلسطيني من موقعه بوصفه صاحب أرضٍ وذاكرة إلى كائنٍ لغويٍ هشٍ يُصنف كـ (لاجئ) أو (حالة إنسانية) ثم لاحقاً كـ (طرفٍ في نزاع) في محاولةٍ لغويةٍ خبيثةٍ لاختزال مأساة اقتلاع شعبٍ من أرضه بقوة السلاح وكأنه مجرد سوء تفاهمٍ بين حكايتين .
- إذاً فاللغة في هذا السياق لم تكن شأناً ثانوياً , فالأم الفلسطينية مثلاً تحفظ اسم القرية كما يُحفَظ الدعاء، واللاجئ يخبئ مفتاح بيته كحارسٍ للمعنى الأخير للعالم، والقصيدةُ الفلسطينية تُكتب لكي تحمي الحقيقة من السقوط في يد العدو، ولكن ما يثير المخاوف اليوم ليس فقط لغة الخصم، بل ذلك (التسلل الناعم) لمصطلحي (السردية الفلسطينية) و(الرواية الفلسطينية) إلى خطابنا، فهذان المصطلحان المجلوبان من فضاءات (ما بعد الحداثة) التي تُعامل الحقيقة كبناءٍ لغويٍ تأويليٍ لا كواقعٍ صلب، يسحبان القضية من ميدانها الأصيل من (أرضٍ سُرقت وشعبٍ أُبيد) إلى ميدانٍ أكاديميٍ باردٍ لا يعترف باليقين، وهنا حين تتحول فلسطين إلى (سردية) يبدأ تصدعٌ عميقٌ في المعنى، فنحن نتحول من أصحاب حق تاريخي إلى أطراف في منافسةٍ سردية، وبذلك يُستبدل فعل الاقتلاع المادي الوحشي بـ (وجهة نظر) قابلة للنقاش، ونقع في فخ (الروايتين المتنازعتين) الذي يمسح الفارق الأخلاقي الصارخ بين الجلاد والضحية، ويجعل من البلاغة والقدرة على الإقناع - لا دماء الشهداء وقوة الحق - مقياساً للحقيقة .
- أؤكد وبكل وضوح أنني لا أُقلل أبداً هنا من قيمة الشهادة الفلسطينية أو الحكاية الشفوية، فهي جزء أصيل من مقاومة المحو، لكنَّ الفرق جوهريٌ بين أن (نحكي) فلسطين، وبين أن نختزلها إلى سردية قابلة للتأويل، لأن فلسطين لم تكن في يوم من الأيام مجرد نص أو سرد، بل إنها تجربة وجودية كاملة قوامها أرض وشعب ومفاتيح معلقةٌ على جدران المنافي، وأسماء قرىً ما زالت تنبض في أفواه الأمهات أكثر مما هي حيةٌ على الخرائط، والفلسطيني بكينونته لا يملك رواية فحسب، بل يملك تاريخاً ضارباً في الجذور ووثيقة ملكيةٍ ودماً لم يجفَّ إلى هذه اللحظة .
- لقد أدرك المحتل مبكراً أن معركة اللغة لا تقل ضراوة عن معركة الأرض، ونحن حين نستخدم أدواته المعرفية فإننا نعينه في وضع قضيتنا داخل (قوسين) لنصبح مجرد نسخة أخرى من الحكاية، والشاعرُ والكاتب والباحث منا يلتقطُ برودة هذه المفاهيم المستوردة، لأنه يدرك أن بعض الكلمات مهما برقت فهي تحملُ في طياتها نصلَ المحو حين تُنزع من سياقها الدامي وتُلقى فوق شعبٍ لا يزال ينزف ويتعرض في كل ٱن لعملية إبادة جماعية ممنهجة .
- منتهى العبرة هي نظرة عميقة إلى تجارب حركات التحرر الوطني في العالم، حيث الشعوب التي انتزعت حريتها لم تكن يوماً رهينة لـسرديات أو روايات تقبل المقايضة أو المنافسة في أسواق الإعلام الغربي، ففي تجارب التحرر في فيتنام و أفريقيا وأمريكا اللاتينية، كان الحق يُنتزع كحقيقة مادية لا تقبل التفسير، ولم يكن نضال تلك الشعوب يوماً محاولة لإقناع الجلاد بصوابية حكايتها، بل كان إثباتاً لحقها في الوجود الذي لا يحتاج إلى لغة وسيطة للوقوف على تفاصيله، فهم لم يمنحوا الاستعمار ترف القبول بمنطق الروايتين، بل فرضوا الحقيقة كأمرٍ واقعٍ تُنهي وجوده على أراضيها، لا كحكايةٍ تنتظر الموافقة أو التعاطف .
- وأمام هذا الانزياح الخطير لا يكفينا أن نرفع صوتنا بالرفض فقط، بل نحن مدعوون جميعاً إلى تبني لغة تحررية أصيلة، لغة لا تعتذر ولا تستجدي الاعتراف، والبديل لا يكمن في ابتكار مصطلحاتٍ جديدة بقدر ما يكمن في استعادة مفرداتنا التي امتلكت دلالاتها من عمق التجربة لا من رفوف الأكاديميا الباردة، فلنعمل على استعادة الحقيقة فما يجري في فلسطين ليس قضية للنقاش، بل هو واقع موثق بالدم والشهادة، ولنعتمد الذاكرة بدلاً من السردية، لأن الذاكرة هي مخزننا الذي لا يُخترق، فهي ملامح قرانا ومدننا التي نحفظها من أحاديث الآباء، والمفاتيح التي نخبئها، فالذاكرة هنا فعل ثوريٌ يتحدى محاولات طمس يحول دون ذوبان الفرد في سردية عامة قد تُشوه خصوصية معاناته، ولنفرض حضورنا في خطاب العالم ولنكن نحن الصوت الذي يقرر كيف نُعرّف وجودنا، لا أن ننتظر العالم ليمنحنا مساحة لـسرديات مقبولة في أروقته، ولنصرَّ على أن القضية هي مستعمر يقتل وصاحب أرض يقاوم، وما دون ذلك فهو مساس بقدسية هذه القضية وشرعيتها الإنسانية .
- إن معركتنا ليست في تحسين جودة (الرواية) أو رفع سوية (السرد) بل في استعادة المعنى الذي حاول المحو طمسه، إذ إننا لا نملك سردية لنعيد إنتاجها، نحن نملك قوافل من الشهداء وجثامين تحت الأنقاض وخرائط مسلوبة وبيوتاً صارت أطلالاً، فليتوقف هذا الترف اللغوي الذي يُنزل القضية من عراقة الحق إلى ابتذال التأويل، فالغالية فلسطين ليست نصاً نكتبه لننال إعجاب العالم، بل هي حقيقة تصرخ في وجه التاريخ، وكل من يصرّ على اختزالها في سردية يشارك بقصد أو بغيره في تجميل جدارِ السجن بكلمات لا تحرر أحداً ولا تجتث غاصباً ولا تعيدُ للمقتلع وطنه، فالحذار الحذار من التلاعب بالمصطلحات فالحقيقة أصلب من أن تُختزل في رواية تكون سياقاً في سردية، وليسود اليقين بيننا أن فلسطين ليست ما نرويه للعالم بل ما عجز الآخر ورغم كل شيء أن يمحوه منها .

