يتعرض المشهد الفلسطيني لواقع ومرحلة بالغة التعقيد والخطورة ويتسم بتأرجح ما بين المواجهة الحتمية التي لا بد منها مع الاحتلال الإسرائيلي للتصدي لما يخطط له من سياسة سيف التهويد للضفة الغربية واستمرار العدوان والاحتلال لقطاع غزة أو القبول بالأمر الواقع أمام إطلاق عنان المستوطنين والبؤر الاستيطانية التي بدأت تأكل جغرافية الضفة وتغير معالمها وخريطتها وجعل من المستحيل قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة والعمل على تمرير تشريعات ومشاريع ما يسمى مجلس السلام وفرضها على قطاع غزة بما يتوافق مع المصالح الأمنية للاحتلال.
وعليه تؤكد المعطيات والأحداث أن الضفة الغربية باتت تشهد حملة تصعيدية وحشية ممنهجة من الأعمال العدوانية لقوات الاحتلال وعصابات المستوطنين التي تقوم على التهويد وعربدة المستوطنين وتفكيك وهدم البنية التحتية وتدمير كل ما هو قائم في الضفة وقطع أوصال المدن والقرى بالحواجز المكهربة والبؤر الاستيطانية ومصادرة الأراضي وحصر الفلسطينيين وجعل تحركهم مقيداً بصورة متزايدة وصارمة حتى أصبح مقصوراً على من يحصلون على تصريح ولا سيما كبار السن والعمال ومنع أحياناً التحرك بذريعة الأمن مما جعل حياة الفلسطينيين مرتهنة لسلطات الاحتلال في جميع المجالات وغدت من القيود الدائمة مثل معسكرات الاعتقال الجماعي في الهواء الطلق وهذا ما يؤجج مشاعر الغضب والإحباط الشامل لدى الفلسطينيين والذي يؤدي بدوره إلى جعل الضفة الغربية على صفيح ساخن ينذر بانتفاضة شعبية وشاملة تعيد رسم خريطة المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية وخصوصاً مع استمرار الحصار والاحتلال والعدوان لقطاع غزة إضافة لهيمنة ما يسمى مجلس السلام ومشاريعه واشتراطاته ونزع سلاح المقاومة بما يتوافق مع مصالح الاحتلال الأمنية وغض الطرف عن وضع الحياة شبه معدومة المعالم نتيجة مواصلة القصف الإسرائيلي واستهداف المدنيين وعرقلة دخول المساعدات ناهيك عن معاناة سكان غزة من لهيب الصيف وحرقة الشمس على الخيم وحالة التشرد ومنعهم حتى من شربة الماء وتعطيل قرار مجلس الأمن رقم /٢٨٠٣/ لوقف الحرب مما جعل منه حبراً على ورق غير ملزم لسلطات الاحتلال .
والسؤال الذي يطرح نفسه. هنا لماذا وماذا وراء هذا التصعيد الذي، يسعى له الائتلاف الحكومي اليميني المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو في هذه المرحلة لا شك هو الهروب إلى الأمام كون الكيان الاسرائيلي يعيش ظرفاً من القلق والاضطراب السياسي والاقتصادي إذ تشير المتابعات والتحليلات السياسية أن الائتلاف الحكومي يمر بحالة خوف من السقوط المدوي والمحتمل لمعسكره في انتخابات الكنيست المقررة قي /٢٧ من شهر تشرين الأول من هذا العام/وسط تراجع شعبيته وربما فقدان الحصول على الأغلبية البرلمانية لتشكيل الحكومة ويعود سبب ذلك إلى مأزق الحروب المستمر على جبهات الاستنزاف الممتدة من غزة ولبنان وصولاً ل إيران وسط غياب الأفق الاستراتيجي وتحقيق النصر المطلق أمام هذا المأزق يلجأ الائتلاف إلى التعاون مع المستوطنين لخلق انفجار شامل في الضفة قبل مرحلة الانتخابات بهدف خلط الأوراق وتصعيد الأجندات الاستيطانية التهويدية باستثمارات سياسية داخلية لصالح الانتخابات من هنا منحت الحكومة الإسرائيلية المتطرفة وزراء مثل/ سموتيرتيش وبن غفير/ تفويضاً مطلقاً لهندسة الضفة الغربية إدارياً وقانونياً بهدف تسريع شرعنة البؤر الاستيطانية الرعوية وما يسمى شبيبة التل وضخ الأموال وتحويل المستوطنين إلى قوة عسكرية منظمة تفرض سياسة الأمر الواقع على القرى والبلدات الفلسطينية ومحاولة السيطرة على المسجد الأقصى وبناء ما يسمى الهيكل المزعوم بغية كسب أصوات التطرف اليميني والتيارات الدنية المتطرفة والشارع الإسرائيلي كما كشفت تقارير عن محاولات الاحتلال تنفيذ عملية ممنهجة لطمس معالم آثار حرب الإبادة الجماعية بحق سكان القطاع عبر تشغيل نحو ٤٠٠ آلية و١٠٠ شاحنة يومياً لنقل الركام إلى خارج القطاع بهدف تبييض صفحة الحكومة الإسرائيلية وإتلاف الأدلة الجنائية ورفات آلاف المفقودين تحت الأنقاض وبالتالي لعرقلة مسار العدالة الدولية وتعطيل مهام المحكمة الجنائية الدولية التي مطلوب منها الآن التحرك والتحقيق العاجل في هذه الممارسات الإسرائيلية وإيقافها.
وأخيراً يمكن القول إن سلطات الاحتلال لن تستطيع بكل جرائمها وعنجهيتها وممارساتها العدوانية لن تستطيع تمرير مشاريعها وكسر إرادة الشعب الفلسطيني وصموده ومقاومته للاحتلال فهو صاحب الأرض ومن حقه القانوني والتاريخي أن يتطلع إلى التحرر وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها مدينة القدس المحتلة.

