في الجغرافيا السياسية لا تُصنع الفرص من الفراغ بل من الاختناقات، وحين يتعطل مضيق هرمز، الذي يعبره نحو عشرين مليون برميل يومياً، وتتحول ضفاف باب المندب إلى منطقة تهديد دائم، يبدأ العالم بالنظر إلى الخرائط بعين مختلفة، إذ أعادت الحرب المرتبطة بإيران والاضطراب في مضيق هرمز وأمن البحر الأحمر رسم الخارطة الجيوسياسية وطرق نقل الطاقة والإمدادات ضمن معايير تخضع للأمن في الإقليم، فمضيق هرمز لم يعد ممراً مضموناً، وفي الجنوب يبقى باب المندب ساحة مفتوحة على تهديدات متعددة أهمها إمكانية فرض حالة من القيود الكاملة أو الجزئية، وأمام هذا الانكشاف يعود سؤال هام إلى الواجهة: هل يمكن لسوريا، بموقعها بين الخليج و العراق والبحر المتوسط وتركيا، أن تتحول من دولة خارجة من الحرب إلى ممر بديل؟
الدور السوري بين الواقع والتحديات
بدأ الدور السوري يتشكل فعلياً على الأرض في ظل تصاعد الأزمات والاختناقات و وجود حظر في مضيق هرمز، برزت سوريا كممر مؤقت تم استثماره على سبيل المثال من العراق بتوقيع اتفاقية لنقل شحنات النفط الخام عبر الموانئ السورية إلى مناطق مختلفة من خلال آلاف الشاحنات يومياً، فضلاً عن تطور هذا التعاون إلى العمل بمسار معاكس أيضاً بالبدء بنقل مادة البنزين من الموانئ السورية إلى العراق في حين بلغت الشحنة الأولى نحو 33 ألف طن، إضافة لمذكرة تفاهم للعمل على إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس، الذي تبلغ طاقته الاسمية نحو 700 ألف برميل يومياً من خلال تحالف شركات دولية.
غير أن الفجوة بين الطموح والواقع كبيرة فالمقارنة بين مليوني برميل وعشرين مليوناً تكفي لإدراك أن سوريا جزء من الحل لا بديل كامل لهرمز، وتنبّه القراءات التحليلية إلى أن الأنابيب المستخدمة في الظروف العادية لا تستطيع فجأة تقديم طاقتها الاسمية الكاملة في الأزمات، والخلاصة أن الدور السوري اليوم هو دور «صمام تخفيف» في أزمة ممتدة، وليس بنية بديلة مكتملة.
هل يزداد الاعتماد على دمشق؟
الجواب مرهون بشكل التصعيد، ويمكن تصور ثلاثة مسارات:
الأول- يكمن في التعطل الجزئي المزمن، إذ تتحول سوريا إلى ممر تكميلي دائم للعراق، وتتوسع النقليات البرية تدريجياً في حين سعي العراق إلى مواصلة بناء بدائل برية عبر سوريا وتركيا حتى لو أعيد فتح هرمز، وهذا مؤشر على أن الدافع بات استراتيجياً وليس ظرفياً.
الثاني- يكمن في التصعيد الشامل، إذ ترتفع قيمة سوريا ومخاطرها معاً، فخطوط الالتفاف الخليجية نفسها لم تسلم من الاستهداف، وخط شرق–غرب السعودي تعرض لهجوم صاروخي. والمفارقة أن ممرات الالتفاف غير مأمونة هي الأخرى، إذ بات مضيق باب المندب أحد النقاط التي يمكن أن تشتعل بعد سيطرة الحوثيين الإشراف عليها.
المسار الثالث- التهدئة: إذا هدأت الجبهات، فالخطر أن يتراجع الزخم وسيميل منتجو الخليج إلى توسيع بدائلهم السيادية، من الفجيرة إلى ينبع، فهي أقل تعقيداً سياسياً من عبور الأراضي الأخرى، والمشروع الإماراتي الذي يسير بسرعة نحو الاكتمال بحلول 2027 مثال على ذلك.
الدور الخليجي والتركي
تتقاطع في الملف حسابات ثلاث: خليجية تريد المنافذ، وتركية تريد أن تكون عقدة العبور، وسورية تريد الشرعية والإيرادات.
فتركيا الأكثر طموحاً في التصور لا سيما بعد إعادة طرح مشروع "البحار الأربعة" الاستراتيجي المتمثل بشبكة أنابيب وسكك تربط الخليج وآسيا الوسطى بالمتوسط عبر تركيا وسوريا، إلى جانب أفكار لربط الحقول السورية بخط العراق–تركيا ومشروع ربط كهربائي مع السعودية، غير أن الرسالة التركية نفسها تشترط استقرار سوريا ووحدة أراضيها، وهذا اعتراف ضمني بأن الطموح يسبق الواقع.
أما بالنسبة ل قطر الأكثر حضوراً على الأرض فالغاز الأذربيجاني يصل إلى شمال سوريا بتمويل قطري منذ صيف العام الماضي، وثمة إمدادات مخططة نحو حمص، وشراكات في مجال الكهرباء تتجاوز قيمتها سبعة مليارات دولار، هذا ما يمكن تسميته "استثماراً في الاستقرار" قبل أن يكون استثماراً في الممر.
أما السعودية والإمارات فتتحركان بمنطق مزدوج: تملكان بدائل سيادية تخفف حاجتهما إلى دمشق، في الوقت ذاته لا ترغبان في الإبقاء على هوامش الفراغ الذي يمكن استغلالها من الغير، ودعمهما لسوريا يظل سياسياً بقدر ما هو اقتصادي، فهو رهان على إعادة دمج البلاد في الفضاء العربي.
التحديات السياسية والاقتصادية واللوجستية
تبدو المشاريع مقنعة على الخريطة، لكن الطريق إلى التنفيذ تعترضه أربعة قيود متداخلة، لا يكفي حل أحدها دون البقية:
أولاً- القيد الأمني: يعبر المسار مناطق ما زالت تنشط فيها خلايا تنظيم الدولة "داعش"، وتمتد على جانبه الآخر في تهديدات تتعلق بإيران، فضلاً عن حقول ألغام وبنية تحتية مدمرة، وأي خط أنابيب يمتد مئات الكيلومترات يحتاج إلى حماية دائمة، وهي كلفة تغيب في العادة عن دراسات الجدوى المتفائلة، لكنها تحدد في النهاية مدى قابلية المشروع للتأمين والتمويل.
ثانياً- القيد السياسي: رغبة دمشق شرط لازم لكنها غير كافي، فنجاح فكرة الممرات البديلة تتطلب توافقاً، وسيطرة سورية فعلية على امتداد المسار، وقبولاً من قوى إقليمية ترى في صعود سوريا ممراً للطاقة إعادة توزيع للنفوذ على حسابها.
ثالثاً- القيد الاقتصادي: النقل البري بالشاحنات حل اضطراري باهظ الكلفة ولا يصلح لدور دائم، أما الأنابيب الطويلة العابرة للحدود، فهي التزام جيوسياسي طويل الأمد بعلاوة مخاطر مرتفعة.
رابعاً-القيد اللوجستي والتنافسي: والذي يتعلق بالمرافق والبنى التحتية وشبكة الطرق التي تحتاج إلى تأهيل وساعه، ثم إن سوريا لا تنفرد بالساحة فثمة مشاريع منافسة تتجاوزها، من مسار كركوك–أرضروم إلى خط يمتد من جنوب إيران إلى تركيا بمعزل عن الأراضي العربية، مما يخضع بدوره لعامل المنافسة والصراع.
القراءة المتوازنة تقتضي القول أن سوريا تكسب اليوم من منطق الضرورة، إذ دفعت الحرب الجميع إلى البحث عن منافذ جديدة، لكن تحويل هذا المنطق إلى دور دائم يتطلب أربعة شروط: أمن مستدام، وإطار قانوني وتعاقدي يحمي المستثمر والمرور، وتمويلاً خليجياً–تركياً–دولياً بضمانات، وتنسيقاً عراقياً–سورياً يتجاوز الاعتبارات الفئوية.
كما أن الممرات البديلة أشبه ببوليصة تأمين استراتيجية، قيمتها لا تُقاس بحجم ما تنقله في الأيام العادية، بل بما تمنحه من مرونة حين تنغلق الممرات الأخرى، وإذا أحسنت دمشق وشركاؤها إدارة هذا لمسار مع الرغبة مع اشتراط دعم سياسي حقيقي، فقد تنتقل سوريا من ساحة صراع على الطاقة إلى عقدة في شبكتها، شرط ألا يُنظر إلى الأنابيب على أنها بديل عن الاستقرار، فالأنابيب نتيجة له.

