Menu

مجزرة صبرا وشاتيلا وعلاقتها بأيديولوجيا الإبادة

محمد العبد الله

مدخل

لم تكن مذبحة صبرا وشاتيلا الممتدة على أكثر من أربعين ساعة، من السادسة مساء يوم الخميس 16 / أيلول - سبتمبر ولغاية الساعة الواحدة ظهر يوم السبت الثامن عشر منه عام 1982 حدثاً استثنائياً في المسار الذي سارت فيه الحركة الصهيونية، الابنة الشرعية للاستعمار الغربي الكولونيالي. اليوم، بعد مضي أكثر من مئة سنة من عمر المشروع الاستعماري في وطننا، فلسطين، يُتابع العالم، المجازر والتدمير الشامل لكل مرافق الحياة، والاقتلاع والتهجير لأصحاب الأرض، انطلاقاً من أيديولوجيا/ الأفكار "الدينية" التي يستند عليها، وينطلق منها، ذلك التوحش "التحريم / HRM-herem الذي يعني بالتطبيق العملي والميداني كل ذبح وحرق وتدمير وإفناء وجودي منذور للرب". هذا "التحريم" الذي أحاله الرب نفسه إلى عمل مقدس وسما به في توراة الكتاب المنسوب إليه في مقام العبادات. كما أشار الدكتور "منير العكش" في الكتاب الأول "اليهود والعنف" من الثلاثية التي حملت عنواناً "كيف يصبح الدين شراً" .

إن ما جرى في مخيمي صبرا وشاتيلا، هو حلقة في مسلسل القتل والاقتلاع الذي قامت به عصابات اليهود الصهاينة على امتداد عدة عقود – ومازالت – قبل تأسيس "المستعمرة/ الثكنة" وبعدها.

" إن ما يجري في غزة اليوم من مذابح لا تختلف عن مذابح الإسبان في العالم الجديد" كما يقول الدكتور منير العكش في كتابه "اليهود والعنف". أما الباحث والمؤرخ "أحمد الدبش" في كتابه " فلسطين في العقل الأمريكي / 1492 – 1948 / الصادر عام 2021، فقد فضح أيديولوجيا الاستعمار الغربي، قائلاً: (منذ القرن السادس عشر، أنشأ الأوروبيون مستعمرات استيطانية في مناطق مثل الأمريكيتين، أستراليا، ونيوزيلندا، وغيرها. وخلال هذه العمليات الاستعمارية، قام المستوطنون البيض بتشريد السكان الأصليين أو القضاء عليهم. إنها، مذبحة من نوع متطور، يستولي فيها الغزاة على هوية أهل الأرض، وخصوصياتهم، وحقيقة انتمائهم إليها، على مدى آلاف السنين، فقد كان خطاب المحتلين البيض يتألف من إسقاط قصص "الكتاب المقدس" على تجربتهم، من خلال الادعاء بأنهم يسيرون في طريق، "شعب الله المختار"، ومن عالم الخيال "الكتابي"، استقوا إرثهم الدموي).

المجزرة

"رائحة الموت النفاذة لا يشمها الأنف فقط. إنها تتحول وتتجول في المشهد والرؤيا إلى حالة تشارك الحواس جميعها في عيشها.

… من لم يزرْ مخيمي صبرا وشاتيلا بعد المجزرة لا يعيش هذه الحالة".

صحيفة "النداء” اللبنانية 22 أيلول/ سبتمبر 1982

الجثث المنتشرة في الأزقة، بطون النساء التي بُقرت بالحراب، الدم مع الأشلاء الممزوجة بالمياه الآسنة والطين والقاذورات، هي المشاهد التي رآها العالم بعد ساعات من انتهاء المجزرة. وقد تفاوتت أرقام عدد الشهداء في هذه المذبحة، باختلاف مصادر البحث والتقصي في تقديرها. البعض تحدث عن أعداد تتراوح بين 3500 _ 5000، لكن أكثر التقديرات قرباً من الواقع، أكدت أن أعداد الضحايا لا تقل عن 3500، بعد أن عملت الجرافات خلال المجزرة على طمر وإخفاء المئات من جثثهم تحت الأنقاض، أو دفنهم في حفر جماعية.

في الكتاب الموسوعي "صبرا وشاتيلا – أيلول 1982" الذي أصدرته المناضلة، المؤرخة، والباحثة المتميزة، الراحلة "بيان نويهض الحوت"، الذي يُعتبر أحد أهم الدراسات التوثيقية، بالأرقام والشهادات عن المذبحة، نقرأ: المنهج الإحصائي بدوره يؤكد ما أثبته منهج التأريخ الشفهي. بلغ عدد ضحايا المجزرة بالأسماء الموثقة 906 ضحية، وبلغ عدد المخطوفين والمفقودين 484 مخطوفاً ومفقوداً (أما مصادر الأسماء المنشورة في ملحق لوائح الأسماء فهي سبعة عشر مصدراً)، وما كان ممكناً التوصل إلى جميع الأسماء، في ظل التعتيم الكلي على المجزرة، وخاصة في الثمانينات، ولذلك، فالأعداد التقديرية كما أثبتناها من خلال مقاربات وبراهين متعددة، بلغ حدها الأدنى 3500 ضحية. إن الدراسة الميدانية التي أجريناها في ربيع 1984، شملت 430 ضحية و100 مخطوف، وقد تمكنا من معرفة المكان والزمان بالنسبة إلى كل ضحية أو مخطوف، ما ساهم في معرفة النسب في كل من الأيام الثلاثة. اتضح أن نسبة الضحايا كانت الأعلى في اليوم الأول، على الرغم من ساعات الليل الأولى المعدودة، فبلغت النسبة 56،51 %، ثم تدنت هذه النسبة في اليوم التالي إلى 29،77%، إلى 13،72% في اليوم الثالث".

إن توقيت المذبحة لم يكن وليد ذلك الحدث المفصلي والاستثنائي الذي شهده لبنان _ قبل المجزرة بـ 48 ساعة تقريباً _ بعد ظهر يوم 14 أيلول / سبتمبر 1982، حين وقع انفجار عنيف في مقر ميليشيا القوات اللبنانية (التابعة لـحزب الكتائب) في بيروت الشرقية أودى بحياة قائدها بشير الجميّل، الذي كان البرلمان اللبناني قد انتخبه في 23 آب 1982 رئيساً للجمهورية. إن العبوة المتفجرة لم تدمر المبنى فقط، بل، أدت إلى تصدعات عميقة، ظهرت ارتداداتها المباشرة على الدولة والمجتمع والقوى السياسية اللبنانية والفلسطينية.

في صبيحة اليوم التالي قام جيش الغزو الصهيوني باقتحام بيروت الغربية، بهدف الحفاظ على الأمن في المدينة، وعلى الفور، بدأ بتطويق المخيمات الفلسطينية وإقفال المعابر المؤدية إليها ومنع سكانها من المغادرة. صباح الخميس 16 أيلول / سبتمبر، في الساعات القليلة التي سبقت المذبحة، قصفت قوات الغزاة أطراف المنطقة المحددة للاقتحام، وسدت كل مخارجها بعد انسحاب قوات المقاومة الفلسطينية، تنفيذاً للاتفاق المُوقع مع المبعوث الأمريكي" فيليب حبيب"، الذي تضمن "التطمينات المعطاة بشأن حماية المدنيين"!. وقد قامت تلك القوات طول ساعات ليلتي المجزرة، بإضاءة "ساحة العمليات" للقتلة، وتوفير كل ما يلزم لتتمكن الوحوش من صيد فريستها، بعيداً عن التواجد الرسمي في ساحة الموت، حتى يتم نفي أي اتهام، وهذا ما عبر عنه رئيس حكومة العدو "مناحيم بيغن" أمام أعضاء الكنيست في أيلول/ سبتمبر 1982: "أشخاص غير يهود ذبحوا أشخاصاً غير يهود، ففي أيّ شيء يعنينا ذلك؟".

إن طبيعة التنسيق وتوزيع الأدوار بين القوى الأساسية التي شاركت بالمجزرة (جيش الغزو الصهيوني، حزب الكتائب/ القوات اللبنانية بقيادة إيلي حبيقة، ميليشيات سعد حداد، المسماة جيش لبنان الجنوبي) تؤكد بما لا يدع مجالاً للتخمين والشك، بأن غرفة عمليات مشتركة لتلك القوى العسكرية والفاشية المجرمة، هي التي وضعت الخطط ورسمت الخرائط وحددت ساعة الصفر.

في وثيقة للموساد منشورة على موقع مونت كارلو الدولية في 12 / 9 / 2022 كَشْفٌ لبعض جوانب علاقة "إسرائيل" بالمليشيات اليمينية/ الانعزالية خلال حرب لبنان، وللاجتماعات المتبادلة بين الطرفين _ زيارات متكررة من أرييل شارون لمنزل بيار الجميل. على صعيد الدعم العسكري تتناول الوثيقة بالتفصيل عدد المرات التي تم خلالها نقل أسلحة من الكيان إلى لبنان "شحنات تم تحميلها على طوافات من النوع الذي كان يحمل كميات من الأسلحة. كنا نصل في ليلة معينة مع شحنتين وفي المرحلة الثالثة قمنا بتحسين النقل أكثر. كنا موردين، أبحرنا ذهاباً وإيابا ً، نقلنا 6 آلاف بندقية من طراز M16 وألف رصاصة لكل بندقية و40 مدفع هاون عيار 120 ملم و300 قذيفة لكل منها و100 مدفع هاون عيار 81 ملم مع 200 قذيفة لكل منها".

وتشير الوثيقة، إلى أن "مجزرة صبرا وشاتيلا كانت الأحدث في سلسلة المجازر والإعدامات والاختطاف والإخفاء وبتر الأطراف والإساءة إلى الجثث التي ارتكبتها الميليشيات المسيحية. يجب أن تكشف هذه القضية السرية والتمكن من مناقشتها واستخلاص النتائج العامة لها".

الشهادات

أبدأ بما كتبه المناضل السياسي، الشاعر والكاتب الفرنسي "جان جينيه/ الولادة 1910– الوفاة 1986" الذي كان من أوائل الأجانب الذين دخلوا ساحة الجريمة، لتكون شهادة واقعية من قلب الحدث. عاد "جينيه" إلى بيروت في 12 أيلول/سبتمبر 1982 بعد مغادرة المقاتلين الفلسطينيين بالبواخر، وبعد رفع الحصار عن بيروت، وقبل أيام قليلة من احتلالها من جيش الغزو، وارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا. مقاله "أربع ساعات في شاتيلا" كان أول ما كُتب عن الجريمة، لينشر لاحقاً بعد سنتين من المجزرة، كتابه "أسير عاشق"، الذي يسرد فيه تجربته مع الفدائيين في الأردن وبيروت.

بعد رؤيته الأعداد الكبيرة من جثث الضحايا، والأطراف المبتورة، والأشلاء المتناثرة، قال "إن الصورة الشمسية لا تلتقط الذباب ولا رائحة الموت البيضاء والكثيفة، إنَّها لا تقول لنا القفزات التي يتحتم القيام بها عندما ننتقل من جثة إلى أخرى". لكن سؤالاً آخر ظل يحيره: "كم يلزم من الأمتار لتكفين مثل هذا العدد الكبير من الموتى؟ وكم من الصلوات؟". أما السؤال الذي لازمه وهو يشاهد آثار التعذيب على عشرات الجثث التي رآها، كان: "من هو؟ إنني أراه ولا أراه. إنه يفقأ عيني، ولن يكون له أبداً شكلٌ آخر سوى الشكل الذي ترسمه وِضعية أجساد الموتى، وإشاراتهم الخشنة، وهم ملقَون تحت الشمس، تنهبهم أسراب الذباب".

بدورها أصدرت طبيبة الجراحة العظمية "آنغ سوي شاي" التي عملت طبيبة متطوعة في "مستشفى غزة"، كتابها باللغة الإنكليزية بعنوان "من بيروت إلى القدس " عام 1989، قدمت من خلاله شهادتها عن المجزرة التي نفذها جنود الغزو مع أدواتهم المحلية القذرة، في قتل المدنيين من الأطفال وكبار السن، واغتصاب النساء. تحدثت "أنّ النساء كنّ عاريات لأنهن تعرّضن للاغتصاب قبل قتلهن. والناس الذين قُتلوا، كانوا قد تعرّضوا لتعذيب شديد قبل القتل الرخيص، إذ كانت وجوههم مشوّهة"، لتضيف "كانت الأجساد ملقاة في الدم الذي ما زال لونه أحمر".

البحث في الجذور

إن التطهير العرقي كان أحد المداميك الأولى التي قامت عليها "الأيديولوجيا الإبادية" التي أسست لفكرة الأرض الموعودة "إسرائيل" من خلال طرد كل أهل الأرض الموعودة واغتصابها، كما تشمل بالإضافة للقتل، تخريباً وتدميراً عمرانياً وثقافياً يؤدي إلى محو ذكرهم من على وجه الأرض.

في ذات الاتجاه، يأتي الكتاب الصادر أواخر عام 2009 تحت اسم "توراة/ عقيدة الملك"، 230 صفحة لحاخامين يقيمان في مستعمرة "يتسهار" المجاورة لمدينة نابلس، هما يتسحاق شبيرا رئيس مدرسة "يوسف ما زال حياً" اليهودية، وزميله الحاخام يوسي إيليتسور. وقد اعتمدا فيه على ما ورد في التوراة، ولم يقف الكتاب على هذا الأمر ولكنه تطرق أيضاً "لقتل الأطفال وحتى الرضع، حيث يسمح بقتل الأطفال في حال اشتركوا أو كان لهم أي ضلع في تعريض اليهود للخطر، ولو كان هؤلاء الأطفال والرضع يعيشون في بيت يسبب الأذى لليهود بعد أن يكبروا يسمح بقتلهم وهم رضع".

وقد جاء تصريح كبير الحاخامات الأسبق، ورئيس حزب شاس الديني، السابق "عافوديا يوسف" أن الرب قد ندم لأنه خلَق العرب، ووصف العرب بأنهم: أنجاس، وأنهم أسوأ من الثعابين، إنهم أفاعٍ سامة والموت لهم أفضل من الحياة". في شهر آب/ أغسطس 2004 قال مجدداً في خطبة بثتها الفضائيات "الإسرائيلية" إن "اليهودي عندما يقتل مسلماً فكأنما قتل ثعباناً أو دودة ولا أحد يستطيع أن ينكر أن كلاّ من الثعبان أو الدودة خطر على البشر، لهذا فإن التخلص من المسلمين مثل التخلص من الديدان أمر طبيعي أن يحدث". وقد ظهر بعدها على القناة الثانية في التلفزيون "الإسرائيلي" وأعاد كلامه مع تأصيله من وجهة النظر اليهودية، زاعماً "أن الدين اليهودي يحث على التخلص من كل من يسكن فلسطين، وأنه جاء في التلمود "إذا دخلت المدينة وملكتها فاحرص على أن تجعل نساءها سبايا لك ورجالها عبيداً لك أو قتلى مع أطفالهم".

في الأشهر الأولى لحرب الإبادة "آذار/ مارس 2024" المستمرة حتى الآن على قطاع غزة التي يقوم بها جيش المذابح والاقتلاع الصهيوني، دعا الحاخام "إلياهو مالي" رئيس إحدى المدارس الدينية العسكرية (إلى قتل كل من وصفهم بـ "المخربين" لأن أحكام الشريعة اليهودية في زمن الحرب تعني عدم إبقاء أي شخص على قيد الحياة، لأن النساء والأطفال في غزة يُشكلون خطراً مستقبلياً أو جزءاً من المعركة).

في كتابه القيّم "اليهودية والعنف" يشير الدكتور "منير العكش" بـ (أن ّ نصوص "الكتاب المقدس"، هي، مشروع إبادة للآخر، ولا يمكن أن يتحقّق إلا على أنقاض هذا الآخر. فـ "النصوص التوراتية" التي نسجت منها الذهنية اليهودية، وتمحورت حول فكرة إسرائيل" الأرض الموعودة" تضعنا أمام أيديولوجية إبادة جماعية لا تتحقق إلا بالعنف المميت) مضيفاً (وبالتالي، تصبح عنصرية الصهيونية مجرد مظهر واحد من مظاهر أيديولوجيتها الإبادية، وسلاح واحد من أسلحتها). تعريف الصهيونية (الكل) بالعنصرية (الجزء) تشويه وتضليل إن لم يكن مساومة مع الشيطان. الصهيونية لا تبلغ أهدافها بالفصل العنصري، وأيديولوجيتها لا تتحقق إلا باستكمال كل عناصر الإبادة، احتلال أرض الغير، استبدال شعب بشعب، وثقافة بثقافة، وتاريخ بتاريخ. أما الزعم بأن الصهيونية حركة تحرر وطني فلا يختلف عن الزعم بأن النازية ثورة أخلاقية أو مذهب في فلسفة الأخلاق. لهذا تبقى "الأيديولوجية الإبادية" أصدق تعريف للصهيونية ولكل فكرة "إسرائيل" قديماً وحديثاً).

خاتمة

منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى الآن، يتعرض الشعب الفلسطيني لمجازر دموية، وسياسية متلاحقة، بهدف اقتلاعه من أرضه، واستعمار وطنه، وإحلال آخرين مكانه. وما تراه البشرية منذ سنوات في فلسطين المحتلة، وفي "قطاع غزة" تحديداً، تأكيد وتجسيد على الأرض، بالصوت والصورة والبث المباشر، باللحم والأشلاء، لمئات الآلاف من الشهداء والجرحى، ضحايا أيديولوجيا الإبادة اليهودية/ الصهيونية.

------------------------------------