Menu

"توتة الدار" بين "الكنفاني" و"كاريدي"

غرز الدين جازي

بوابة الهدف - نشر في عدد مجلة الهدف (1561)

"من يَتجذّر في شجرة التوت، وحده يمكنه التحليق حراً" هكذا أطلقها الشاعر محمود درويش، أيقونة فلسطينية تقرع الجدران.

"توتة الدار"، شجرة التوت الفلسطينية، أيقونة التراث الفلسطيني بجذورها وأوراقها وثمرتها، هي امتداد الأرض حيث تتغلغل جذورها00 أوراق الحياء الذي يغطي السوأة. الثمرة اليانعة بطعمها وقيمتها الغذائية00 الفيء الذي يُستظل به اتقاء الشمس00 وهي فسحة اللقاءات حيث السمر وحفلات الأهازيج الشعبية والطرب، والتلاحم الأسري الدافئ.

عميقة المكانة، متجذّرة الرمز ثقافياً واجتماعياً في ذاكرة البيت الفلسطيني سيما الريف منه، وهي الركن الأساسي من الحياة اليومية والذاكرة الفلسطينية والذكريات الجميلة.

تشمخ بعزّتها في "الحاكورة"، حديقة البيت الخلفية، ليشكل ظلها الوارف في صيف فلسطين ملاذاً جامعاً لأفراد العائلة، والجارات، والعجائز، لتناول القهوة وتبادل الأحاديث، وتدبير شؤون المؤونة المنزلية لحفظ مؤونة الشتاء، وللصبايا فسحة أنيقة لأعمال التطريز التراثي الفلاحي والسمر.

سقوط ورقة التوت، وعمقها التاريخي الدلالي منذ قيام سيدنا آدم بأكل التفاحة من الشجرة التي نهاه عنها، وانكشاف سوأته وسوأة حواء، أخذا يغطيان عورتيهما بورق من أوراق أشجار الجنة، حيث رسخ في ذهن البشر أن هذه الأوراق هي أوراق التوت، فإن سقطت ستُكشف سوءاتنا وتظهر عورتنا التي لا سبيل لسترها إلا التحرير والعودة0

كلّ ما سبق من دلالات ورمزية لشجرة التوت، سيما تجذّرها في الأرض، تحوّلَ في الأدب والوعي الفلسطيني إلى رمز للتمسك بالأرض والهوية ومقاومة الاقتلاع.

توتة الدار بين الكنفاني وكاريدي:

تتجلى رمزية شجرة التوت لدى غسان كنفاني، وباولا كاريدي بالتقاطها من زاويتي رؤية تضيء كلاً منها خلجات وجدانه التحرري، ومن منظور فلسطيني محض خطّه "الكنفاني"، إلى منظور تحرري عالمي تناولته "كاريدي"، ومن شوارع القدس ، إلى حاكورة الدار، فأظهرا كلاهما أيقونة التجذّر في الأصالة والتاريخ والأرض.

"توتة الدار" لدى باولا كاريدي 

يقول الكاتب جعفر العلوني في مجلة العربي الجديد 16 آب 2025: "في كتاب باولا كاريدي، "شجرة توت في القدس"، تُمسك الكاتبة والصحافية الإيطالية باولا كاريدي بخيط غير مألوف لتروي حكاية فلسطين والاحتلال ليس عبر شهادات البشر، بل عبر أصوات الأشجار، من التوت البرّي، إلى الزيتون والبرتقال، لتغدو الطبيعة حافظة للذاكرة ومرآة للصراع" 

استلهمت "كاريدي" فكرة الكتاب كما تقول في مقدمتها، من شجرة توت في شارع بمدينة القدس كانت تمرّ بها كل يوم إلى أن غابت بعد أن اقتُلعت فجأة، وفي لحظة غياب شجرة التوت هذه عن "كاريدي" تبينت أن الاستماع لأصوات الطبيعة هو من الضرورة التي تحفظ الهوية والتاريخ وتقاوم طمسهما، وبذلك جعلت شجرة التوت شاهدة حيّة على انكسارات الاحتلال ومقاومة الذاكرة، فهي ليست مجرد كائن نباتي، بل ذاكرة تختزن جذورها كل الأحداث التي مرّت على فلسطين من النكبة إلى حروب التهجير، فتحولت شجرة التوت المقدسية إلى تأريخ صادق في تثبيت الحق الفلسطيني بأرضه، وجسداً حياً يتنفس ويتألم ويقاوم ويكتب سيرة أرض مغتَصَبة 0

ويوضّح الكاتب "العلوني" أن إحدى الأفكار الجوهرية التي طرحتها "كاريدي" في كتابها هو مفهوم "الاستعمار النباتي"، أي استخدام الزراعة والتشجير أداة لإعادة تشكيل هوية الأرض، فتُشير إلى أن مشاريع التشجير الإسرائيلية المقامة على أنقاض القرى الفلسطينية المدمّرة، لم يكن عملاً بيئياً بريئاً، بل وسيلة لطمس المعالم الطبيعية وإحلال مشهد جديد يخدم السردية الاستعمارية، وبالتالي فإن الصراع في فلسطين ليس سياسياً ودينياً فحسب، بل هو نزاع وجودي أيضاً متجذّر في الأرض وفي السيطرة على معالمها المادية ورمزيتها التاريخية.

القصف المتكرر وتجريف الأراضي، ومصادرة الجغرافيا لا تستهدف البشر وحجارتهم فقط، بل تطال الطبيعة والذاكرة والمكان، واقتلاع الشجر ليس مجرد تدمير بيئي، بل أداة استعمارية لطمس المعالم التي تربط الفلسطينيين بأرضهم ومنحها طابعاً غريباً يمحو التاريخ الفلسطيني.

إلا أن الوعي الفلسطيني، لم يكن غافلاً عن ذلك، فهو يعلم تماماً أن الهوية ليست مجرد راية أو خطاب، بل تراباً، وشجرة، وذاكرة مكانية، ومن هنا جاءت قيمة "توتة الدار الفلسطينية" رمزاً وأيقونة تحمل عمق المقاومة، ويختم الكاتب "العلوني" تأكيده أن كتاب "شجرة توت في القدس" ليس مجرد تأمل بيئي، بل هو عمل ثقافي وسياسي بامتياز يطرح سؤالاً جوهرياً:

"ماذا يحدث حين يُسلب المكان من نباته الأصلي؟".

"هل تفقد الأرض ذاكرتها؟"

لتأتي إجابة "كاريدي واضحة ناصعة: "الذاكرة تبقى، لكنها تصبح جرحاً مفتوحاً يظلّ يروي الحكاية لمن يصغي" 0

"توتة" الدار لدى غسان كنفاني

"الكنفاني"، كثّف رؤيته الوطنية لشجرة التوت، فهو يراها "توتة الدار"، حيث تمثّل جيلاً فلسطينياً يولد وفي كينونته وذاته مذاقها، فهو في قصته "ستة نسور وطفل"، من مجموعته القصصية "موت سرير رقم 12"، يتحدث عن فئات المجتمع الفلسطيني بمختلف شرائحه التي يجمعها في سيارة واحدة تمثّل رمزية فلسطين، تروح وتغدو في طريق وعرة تنقلهم من وإلى القرية جيئة وذهاباً.

يستقلّها مدرس موسيقى في إشارة "كنفانيّة" لما يمثّله المدرس من فئة المثقفين في المجتمع، وما تحمله الموسيقى من ترف روحي وذوق جمالي وبعد إنساني، مرهق من التنقل بين ثلاث قرىً ليؤدي دروسه فيها.

الجميع يرى التشكيل الصخري نسراً، وكل يراه من منظوره الخاص، ومن زاوية حياته الاجتماعية والعاطفية والأسروية، وحتى الوطنية، ويفسّر وجودها وتشكيلها الحجري تبعاً لحياته الشخصية وواقعه الذاتي، في تصور واضح وجلي لاختلاف زاوية الرؤية للحدث، يستقرؤه شخوص القصة التي رسمها الكنفاني بيتاً للفلسطيني بأسرته وعاداته وعشقه ونضاله السياسي، فتتعدد الرؤية المجتمعية الفلسطينية كما أوضحها الكنفاني:

الراوي "المدرس" يتحدث إلى زميل معه:

"الارتقاء، بزيادة الوعي".

انظر إلى هذه الصخرة، سوف تسمع قصصاً كثيرة عنها بالمستقبل، قصصاً تتعلق بنسر، أعتقد أن النسر كان صغيراً، يأتي كل يوم إلى هنا فيقف حتى المساء، ذلك لأن جناحيه الصغيرين لم يكن باستطاعتهما أن يحملاه إلى صخرة أعلى، وحين كبر قليلاً، وجد مكاناً أعلى 0

الفلاح العجوز: "التشبث بالأرض، والماضي والهوية"

الصخرةُ نسرٌ وُلِد عليها، لم تستطع أمه الطاعنة في السن أن تضع البيض على الجبل، فتركته هنا، وحينما فقس البيض ماتت الأم وبقيت ملقاة على تلك الصخرة، فكان يأتي كل صباح يحلّق بجناحيه الكبيرين ثم يحطّ بهدوء حتى المساء ليعود إلى الجبل، وعندما شعر بدنو أجله أصبح يقف بثبات حيث ماتت أمه وينتظر، مات.

النسر حيوان وفي

الفلاح الشاب:"الحب، والصراع الذكوري، وإخلاص الأنثى".

الصخرةُ أنثى نسر تقاتلَ عليها نسران فحلان قتلَ أحدهما الآخر، كانت تحب القتيل فدخلت في شجار مع الفائز وغلبته فسقط قتيلاً إلى جانب غريمه.. أخذت تبكيهما فوق الصخرة وكفّت عن الأكل إلى أن ماتت.

أنثى النسر حيوان متوحش، الحب يفعل ذلك كلّه.

الامرأة الكهلة: "الخيانة الذكورية".

كانا يأتيان هنا دائماً، النسر وأنثاه، يتناقران بهدوء، ويهرّان معاً، ثم بقيت وحدها على الصخرة، لم يكن معها، أغلب الظن أنه طار وراء واحدة أخرى، ربما وجد واحدة صغيرة فتركها، كل الرجال كذلك، والنسور أيضاً 

بقيت بعد هربه تأتي كل يوم، تقف، تنتظر، تزعق، حتى ماتت غماً بلا شك لو كان زوجها مكانها، هل فعل مثلها؟

السائق:

"المنافسة على العيش وفرص العمل".

النسر يقف هنا لأن عشّه كان هنا، ثم غيّر مكانه، لم تعد الصخرة مناسبة، فهرب بعشّه إلى الجبل

الزميل القديم:

"معترك الحياة السياسية وإرهاصاتها".

هذه الصخرة هي نسر يأتي إلى هنا لأنه يريد أن يأتي إلى هنا، ليس في الأمر أي لغز، كان يأتي فيقف ثم يعود إلى عشه، لقد قُتلَ، قبل أن تبني الشرطة المخفر، كان النسر يأتي كل يوم، وعندما بنوه واظب على الإتيان، إلا أن أحد أفراد الدورية أطلق الرصاص عليه من مسدسه لأنه كما يدّعي أزعجه بصوته وزعيقه، أصابته الرصاصة لكنها لم تقتله، حاول أن يطير إلا أنه لم يستطع فسقط في الوادي.

الطفل: "المستقبل الواعد".

الصخرة ليست نسراً، هي شجرة توت بريّة تنبت كلّ ربيع وتذبل في الصيف، أو تلتهمها الأرانب قبل أن تذبل

ابتسم الطفلُ مستمتعاً أنه شاهد معلّماً جاهلاً، وأكد باسطاً كفّيه الصغيرين:

"حينما ينضج التوت، آتي مع رفاقي لنسرقه، طعمه لذيذ جداً".

اختصر الطفل الحكاية الفلسطينية، حكاية "توتة الدار"، حكاية الحاكورة التي تغلغلت في الأدب والتراث الفلسطيني رمزاً عميقاً للذاكرة الجمعية، والارتباط بالأرض، والدفء العائلي، وشاهداً على كل تفاصيل الحياة اليومية والتحولات الوطنية، وارتدت أسماء قرىً كقرية "أم التوت" قرب جنين لتكون شاهداً على التاريخ والارتباط العميق بالأرض.

هي ذي تعدد بنية المجتمع الفلسطيني المتجذّر في شجرة التوت، في حاكورة الدار، تمتد جذورها عميقاً حيث التشبث بالأرض يصنعه الطفل، الجيل القادم، حيث لا ركوع ولا استسلام.