يشكل الغياب مادة للقهر الإنساني النازف, ويزيد هذا الغياب الجرح المقيم إذ كان الموت قد خطف شاباً في ريعان عطائه, فالكاتب والصحفي الفلسطيني حسام أبو حامد خطفه الموت في الدوحة العاصمة ال قطر ية, وهو كان قد غادر سوريا زمن النظام الساقط نتيجة لطلب أمني, وجاءت قصص حسام في مجموعته "أحوال ليست شخصية, قصص المدن المتعبة", لتعبر عن حال الإنسان السوري زمن حكم الولد الصغير, ويظهر في القصص كيف يغيب الاستبداد السياسي في الأدب, وكيفية انعكاس العلاقات الاجتماعية والسياسية في القصص, وارتباط الجوهري في الحياة وتحقيقه في العمل الأدبي, وارتباط أبو حامد بالواقع والتاريخ, ونظرته الواقعية في جعل الكتابة مرآة لهذا الواقع والفعل فيه.
التمرد في القصص:
يبدأ التمرد في قصص الراحل حسام أبو حامد "أحوال ليست شخصية, قصص المدن المتعبة" الصادرة عن مؤسسة "ميسلون للثقافة والترجمة والنشر", في شهر نيسان من العام2026, من قصة "موت شخصي", إذ يتمرد ياسين على قانون الخدمة العسكرية بعد وفاة أخيه حيث يبقى وحيد أبيه العاجز الذي يسير على كرسي متحرك, فيقوم برشوة موظف الأحوال المدنية الذي يصدر له وثيقة موته عن طريق أبو عوني, لكن الموت يتمرد على قرار ياسين وأبيه "أبي حسن" الذي فقد ابنه الأول أثناء الخدمة الإلزامية في الجيش, ويأخذ ياسين ميتاً.
فالتمرد في قصة موت شخصي لا يكون شخصياً رغم تواطؤ السمسار أبو عوني وموظف الأحوال المدنية, لكنه يصل إلى أعلى مستوياته عندما تتواطأ الطبيعة والحياة وتأخذ حياة ياسين ويموت خارج الفعل الإنساني.
أما التمرد في قصة المريض (54) من أن هذا المريض خارج النظام الموضوع في المشفى والمجتمع الطبي, وعلى العاملين في المجالين إعادته إلى السياق العام وفق المواصفات المطلوبة, وهذا يظهر في "التقرير الأول: هندسة النوم وخرائط الحلم", وهذا المريض خارج إطار النوم, وهذا ما ينجز أفعالاً خاصة من قبل فريق العمل حتى يعود إلى نظام النوم المعمول به, والتقرير الثاني الذي يتحدث (عن اقتصاد اللقمة, والثالث عن النضج الإداري, والرابع عن المسؤولية الجماعية, والخامس عن الطهارة الغريزية, والسادس عن قياس الولاء, والسابع عن عافية الظل), تشرح كيفية التمرد، وكيف تعمل الأنظمة على عودة المريض إلى النسق العام في الانضباط بحيث يكون (54) في سياق الحالة العامة المطلوب ضبط إيقاعها.
بينما يوظف الكاتب أبو حامد الصراع في المدينة بقصة "جسر البخور", ومحاولات الانتصار من طرفي الصراع عبر الاستعانة، بما كان محرماً في السابق, "العدو" الذي يصبح صديقاً لأحد أطراف النزاع, وذلك في خرق تاريخي يحصل لأول مرة في البلاد, وتصبح عملية العودة للحياة الطبيعية في المدينة أمراً شبه مستحيل, ولا تبقى رائحة البخور على الجسر, ومعرفة رغبة العدو الخارجي في الهيمنة والسيطرة على المدينة عبر أدوات محلية, وهذا التمرد الجديد على ما كان قائماً في عدم الاستعانة بالعدو على أبناء (المدينة, البلد).
وفي قصة (مقابر انتقالية) يظهر التمرد من العنوان, فكلمة مقابر تعني الاستقرار في المكان وعدم التحرك للموتى الموجودين في المقابر, أما كلمة انتقالية تعني أن المقابر قابلة للحركة, والانتقال من مكان إلى آخر, وهذا نقيض الواقع الحياتي, لكن في زمن الديكتاتوريات وتشغيل الناس وفق آلية بقاء النظام في السلطة التي تتطلب قتل كل من يعارض هذه السلطة, يصبح نقل مقابر المعارضين الموتى جزءاً من عمل الديكتاتورية لإخفاء جثامين شهداء المعارضة الذين ضحوا بحياتهم من أجل الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية لكل سكان المدينة وسوريا.
لكن في قصة "البيت ذو الباب الأزرق" يتخذ التمرد منحى (اجتماعياً, طائفياً) خطيراً, حيث السيدة ليلى المدرسة تتزوج "غيث" من طائفة خارج طائفتها, وبعد فترة طويلة تخطف ليلى, وتعود إلى بيتها وزوجها وابنها, وتعيش فترة مع كلمات أبناء الحي عن فعل الخطيفة, وما فعل الخاطفون بليلى حيث يسأل غيث في مكان عمله, فيكون الرد بقتل الضحية ليلى.
التمرد على المجتمع يبدأ من زواج أبناء طوائف مختلفة, ويكون الانتقام ليس بالقتل من قبل أبناء طائفة الزوجة, وإنما بالخطف لجعل الضحية ليلى في موقع متهم من المجتمع المحلي, ويرد الزوج بالقتل لمجاراة عقلية المجتمع في حين كان يتطلب الرد حماية ليلى من اتهامات المجتمع.
أن التمرد في القصص لا يقف عند حدود التمرد الاجتماعي, وإنما يتجه نحو التمرد السياسي والطائفي بحيث يصبح التمرد سمة من سمات قصص "أحوال ليست شخصية, قصص المدن المتعة".
السياسة من خارج الصندوق:
تظهر السياسة والمواقف التي تأخذها شخصيات القصص التي كتبها الراحل حسام أبو حامد, وفي قصة "علامة فارقة" نجد شخصية جعفر منذ قدم امتحانات الثانوية العامة, وأعطي درجة صفر في الرياضيات نتيجة وجود براز ذبابة على ورقة امتحان الرياضيات، وأعادها بفرع أدبي ودرس كلية العلوم السياسية بناء على نصيحة خاله الذي يعمل في وزارة الخارجية ووعده بالوظيفة بها, لكن مع تخرج جعفر في كلية العلوم السياسية, خرج خاله من وزارة الخارجية بعد تعديل وزاري تغير فيه وزير الخارجية, ليتقدم جعفر إلى مسابقة تدريس في وزارة التربية, ويعين مدرساً لمادة التربية القومية, ويعتقل بسبب ما نقله تلميذه عبودة إلى أبيه "يدعي أن العدو دولة ديمقراطية في واحة من الاستبداد, دولة مسالمة".
ويعبر أبو حامد عن شوق جعفر في الزنزانة إلى "ندى, وأمه وأبيه, لسريره, وأصدقائه", وحين أفرجوا عنه, أعادوا إليه محفظته خالية إلا من بطاقة الهوية.
لكن يوم الإفراج صادف احتفالات بواحدة من مغامرات القائد، ملأت المسيرات "الطوعية" الشوارع والساحات, فشاهده طلابه الذين ألقوا صور القائد ولافتات تمجيده أرضاً, فرفعه أحدهم فوق الأكتاف "يعيش الأستاذ جعفر", ورد الجميع, يعيش.. يعيش.. يعيش", عندها أدرك جعفر أن الطريق إلى المنزل هذه المرة ستكون أبعد مما تخيل.
هذه القصة توضح كيفية تحول الشخصية من إنسان عادي لا يهتم بالسياسة إلى شخصية يدفعها الظرف الموضوعي ويحولها إلى شخصية سياسية من خارج الصندوق السياسي التقليدي.
أما قصة "رياح كانون" تعرض لعملية سقوط صور القائد في فصل الشتاء في مياه طينية آسنة, لتبدأ عملية تحقيق وحصار طويلة لحي مع أكثر من شخصية أمنية لأن سكان الحي صدقوا أن القائد سقط, ليتبين أن صور القائد هي التي سقطت, وليس القائد, فيعتقل العميد أبو غازي "سامي وعدنان", ولم يصل إلى نتيجة من وراء ذلك؟!, فعزل, وجاء العميد الجديد أبو طلال, وهددهم بتسليم الفاعل خلال (72)ساعة، وإلا يستمر حصار الحي في الوقت الذي يمر أبو نبيل يحمل عصفوراً مربوطاً بخيط, لكن العصفور يطير منه ويصيح (طار.. طار), ما يوحي لمختار الحي بالتضحية في أبو نبيل مقابل فك الحصار, فيكون ذلك, ويخرج سامي وعدنان من السجن.
أن الحاجة الموضوعية التي يقع فيها الحي من حصار واعتقالات دفعت بالمختار وبعض رجال الحي لتحميل سقوط صور القائد إلى ( بهلول, أبله الحي, الذي يعيش على البركة), وهذا فعل أمني مخادع بعيداً عن الأخلاق لكنه سياسة تقليدية واضحة.
وتحكي قصة "مربع الظل", كيفية وصول "الحركة الظلية" للسلطة في العاصمة, ويختلف رجال الحركة في "نوع الظل وأبعاده " مثل "الظل المسطح" و"الظل الباهت" الذي يتلاشى عند الظهيرة, وعلقت الحركة ملصقات سياسية "ظلك أمانة" و"ظلالنا تاريخنا", وانتشرت صور القائد "نور الدين الظاهر"، وأجرت السلطة الظلية انتخابات.
وينقل الكاتب أبو حامد أن شخصية نبراس من أهل "الظلال ثلاثية الأبعاد "تختاره السلطة عضواً في لجنة انتخابات الظل في مركز اقتراع مختلط, وتنافست قوى معارضة "ذات ظلال ثلاثية بسيطة", ورجال الحركة متعددي الظلال, واستنفز أهل الظلال المسطحة بسبب المعركة الانتخابية, وكانت النتيجة انتصار ظلال الكسوف في الانتخابات.
وفي قصة "صمت وطني" التي تقوم على تأليف لجنة من أجل كتابة وتلحين نشيد وطني جديد, تذهب هذه اللجنة إلى الشقيقين المؤلفين للنشيد السابق حيث تطلب منهما العمل على نشيد جديد، ويحاول الشقيقان مع اللجنة الإبقاء على النشيد القديم, لكن اللجنة ترفض ذلك, وفي اليوم الوطني للبلاد لا تذيع أي نشيد ما يدفع الشقيقين إلى الدفع بما اشتغلا عليه, واللجنة تقاسم الشقيقين مالياً على تعبهما في التأليف والتلحين, ويزور البلاد رئيس ضيف وأثناء البث على منصة الشرف عندما وصل الرئيس الضيف "عزف نشيد بلد الرئيس الضيف. وما إن بدأت الفرقة بعزف النشيد الوطني لبلاد المضيف حتى انقطع الصوت مدة كافية لتفويت تلك اللحظات التي وصفها الإعلام الرسمي بـ (التاريخية).
إن السياسة من خارج الصندوق تتجلى في إبداع أبو حامد حكاية مشابهة للواقع السوري أيام حكم آل الأسد وحزب البعث السلطوي, واستخدام الملصقات لنشر سياسة الحزب وسلطة آل الأسد "القائد نور الدين الظاهر" وصور الأسدين في شوارع سوريا, بينما في قصة "صمت وطني" نجد الاعتقال للأخوين بسبب عدم الانصياع لطلبات اللجنة, وآلية عملها, والسلبطة من قبل اللجنة على جهد الشقيقين, فرغم جهدهما تقوم اللجنة والأجهزة بالدفع بهما إلى السجن عبر دورية الاعتقال. في هذه القصص نجد صياغة للواقع السياسي والحياتي بأسلوب خارج البناء التقليدي للقصة بدفع الخيال لإيجاد بنية موازية (للسياسي والحياتي والواقعي) في عالم القصة التي تريد إيصال رسائل من خلالها إلى القراء لهذه القصص, فالسياسة في "مربع الظل" توازي وتشابه واقع الحياة السورية زمن الأسدين على مستوى تعاطي السلطة (حزب البعث, والأجهزة الأمنية, واللجان الانتخابية للانتخابات العامة), والتعبير الرسمي في استقبال الرئيس الضيف بالصمت, والرد في اعتقال الأخوين.
أخيراً قصص "أحوال ليست شخصية, قصص المدن المتعبة" سردت حكايات الإنسان السوري خارج إطار الرواية الرسمية لحياة الإنسان السوري في زمن الديكتاتورية والاستبداد على كافة المستويات ما بين (الاجتماعي, الطبقي, التعليمي, الواقعي, والسياسي) كاشفة عن بنية سردية منسجمة ومفارقة عندما تحتاج شخصياتها ذلك.
تحية لروح الراحل حسام أبو حامد على إبداعه القصصي الذي يستحق القراءة والاحتفاء بالإبداع وبه ككاتب قصصي وسياسي.

