Menu

البحث عن شكل جديد في الحكي.. قراءة في مجموعة (ضحك ولعب) للكاتبين أيمن الحسن وانتصار بعلة

د. ثائر يوسف عودة

بوابة الهدف

يبدو أنّ غرام الكاتب/ الكاتبة بأغاني عبد الحليم حافظ وفيروز هو ما دفعهما إلى عنونة المجموعة التي بين أيدينا كلها بهذا العنوان "ضحك ولعب" بوصفها عتبة دخول أو استراتيجية موازية لاستراتيجية المحتوى، بعيداً عن التقصّي قليلاً أو كثيراً فيمن كتب هذه القصة أو تلك منهما، وبعيداً عن المراوغة التي خدعا بها القارئ في تصدير المجموعة بقولهما: "لن نحدد ما كتب كل واحد منا، آملَين أن تحظى مجموعتنا المشتركة برضاكم". وحسناً فعلا كيلا تتجه أي قراءة إلى المقارنة بين الكاتبين وأيهما أجاد أكثر من الآخر.

نعود إلى العنونة التي هي المحور الأساس لهذه القراءة هنا، والتي تدفعنا إلى ملاحظتَين، أولاهما: لا نجد قصة بعينها داخل المجموعة تحمل هذا العنوان (ربما هذه ميزة مخالفة للسائد تُحسَب للكاتبين)، والملاحظة الأخرى: لم يكمل العنوانُ أغنيةَ عبد الحليم، بل اكتفى بقسمين منها (ضحك ولعب) وترك القسمَين الآخرين (جد-حب) ليتربعا داخل المجموعة، ولا أدري ما الأسباب التي دفعت بالكاتبين كي يقررا إلغاء حضورهما في العنوان الخارجي؟! فبدا عنواناً ناقصاً أو مخالفاً للعناوين الداخلية. وإذا ما تجاوزنا- مؤقتاً- هاتين الملاحظتَين القابعتين على ضفاف النصوص، وذهبنا إلى النظر في كلّ قسم من الأقسام الأربعة بشيء من التفصيل، نقول:

القسم الأول: ضحك

احتوى هذا القسم على أربع قصص متفاوتة الأسلوب والطول، إلا أنّ اللافت الأكبر أنّ حضور "الضحك" مفقود في كل قصص هذا القسم، فلا ضحك أو سخرية أو "ضحك كالبكا" في أيّ منها، فالقصة الأولى (مزار مبروك) قد تحمل سخرية/ مفارقة، خاصة أن الكاتب حضّر القارئ- على طريقة شعوذات الشيخ مبروك- بإدراج عبارة من شارلي شابلن (بلا سخرية، يومُك ضائع). لكنّ هذا التحضير/ الشعوذة لم تفلح، وبقيت حكاية الشيخ المبروك/ صاحب المعجزات الوهمية مكرورة ومعادة كثيراً في القصة والرواية العربيتَين، مما أفقدها طزاجة السخرية/ المفارقة، بالإضافة إلى الخاتمة/ القفلة المتوقعة غير الصادمة التي ذهبت بالحكاية بعيداً عن الدهشة.

وفي قصة الضحك الثانية (نقطة علّام) ثمة محاولة لبناء شخصية حيّة من لحم ودم، عبّرت بلغة رشيقة منذ الاستهلال (عندما دخل إبريقُ الشاي الكبير إلى جواره دزينة كؤوس...) بالإضافة إلى ذاك الالتباس الجميل في اسم الشخصية (علّام) وهو اسم ذو دلالة وخاصة في اللعب على العلامات (دراجة شرطي المرور أبو عماد) لتنتهي بقفلة محكمة فيها مفارقة على الرغم من الجملة الفائضة الأخيرة التي أعاقت تدفقها قليلاً (ولم تعد الدراجة النارية تترقبه في صدر حارتنا المغلقة) وكان يكفي قوله (كيف سيعرف علّام مكان بيتي بعد أن تقاعد جارنا أبو عماد). ومع ذلك فإنّ هذه القصة تترك أثراً لدى المتلقي تدفعه إلى نوع من التأمل والتأويل (وهذا ما أبحث عنه في أية قصة أو عمل أدبي أقرؤه).

القصة الثالثة (حبيبتي نوسة) لا تحمل أي ضحك مجاني أو موظف. وتقول أشياء معادة ومكرورة.

القصة الرابعة والأخيرة في هذا القسم (بين ضحك وجد)، لا ضحك فيها (أبداً) على الرغم من استهلالها الجميل وإشراقاتها اللغوية غير القليلة (في الدير اعتاد استجداء ابتسامة من الجدران الخرس)، بل على العكس فيها إشارات غير قليلة للمأساة (وجع المسافات/ الألم واللوعة/ الحزن العميق) هي قصة ملتبسة عن العشق والفقد تركل الضحك والسخرية وتعلن ضمناً إنني يجب أن أكون في القسم الأخير (حب).

القسم الثاني: لعب

لم أفهم أين هو اللعب أو ماهيته؟! لأن القصص الخمس في هذا القسم ترصد موضوعات/ ثيمات/ حالات/ مرايا متعددة؛ اجتماعية وسياسية وإنسانية بالطبع، بدءاً من عقابيل السيجارة والتدخين على الصحة في قصة (وأنت تستطيع)، إلى العلاقة الحميمية مع النباتات (كائنات ذكية) وأنسنة الناي في (سيرة شخصية) إلى اللوحة الأخيرة (شجرة خضراء) التي كانت أقل قوة تأثيرٍ من سابقاتها في الانزياح. ويعاود السؤال سؤالي: أين اللعب هنا؟!!

القسم الثالث: جد

وفّى هذا القسم بالدلالات المطلوبة منه؛ في قصصه الخمس أو الست، لأن الكاتب نسي أن يضع قصة (خبز وهند) في الفهرس الأخير، وهي من القصص المكتملة تكثيفاً ومفارقة موجعة. أما القصة التي تليها (بفارق يوم) فأعدها درّة المجموعة، وكان يمكن أن تُسمّى المجموعة كلها باسمها؛ فمنذ استهلالها الحركي الرشيق (لحظة فرح، إذ يرفعون الكيس الأسود عن رأسك....) إلى التفاصيل الموجعة حد القهر داخل معتقل النساء، ومقاومة الشخصية الرئيسة (حياة) إلى (عرّافة حي ساروجة) إلى .... وإلى .... وإلى الخاتمة المفتوحة الدلالات (منذ ذلك اليوم والأهالي في حي ساروجة يرَون ليلاً ملاكاً يرفرف عالياً بجناحيه...).

إلى الحالة الإنسانية الموجعة في قصة (تستحقين) فعلى الرغم من عنوانها غير الموحي - وما أكثر العناوين غير الموحية - إلا أنّ الحالة الموجعة (المعاناة مع مرض السرطان) والاعتناء بتفاصيل إنسانية مؤثرة تركت أثراً أو آثاراً لدى المتلقي، والحال ذاته في بناء قصة (ابتسامة ظافرة) التي وإن جنحت بمحرق الحكاية قليلاً مما دفعني إلى القول لا معنى بأن تحدث هذه الحادثة في بيت لحم أو بيت سحم لأنه لا خصوصية للمكان، إلا أن القاص عاد بي وبالمحرق إلى سكته بعد أن تشعّبت ذراه وتعددت، وكأن القاص يريد أن يحكي عن فلسطين كلها من ثورة 36 إلى الانتفاضة وربما الطوفان... وهنا خطر على بالي خاطر فيما يتعلق بالقصة الأولى في المجموعة (أبو جناحين) ولماذا كانت خارج الأقسام الأربعة وكان يمكن للقاص أن يركّب لها جناحاً ويجعلها تطير لتستقر في هذا القسم بعد قصة (ابتسامة ظافرة) أو قبلها أو لا تجد لها مكاناً فتطير خارج سرب الحكايات نهائياً.

في القصة التالية (وشاح العنفوان) التبس عليّ خطابها وحالتها، ربما بسبب التشتت الذي سببته العناوين الجانبية المتكاثرة، فضاع بطل الحكاية (أبو جولان) في الزحمة.

أما آخر قصة في هذا القسم (سوق للجوع) فإنها مليئة بالدلالات المكثفة ابتداء من اسم الشخصية الرئيسة فيها (بكرا) وتدحرُجِ السرد ليلتقط حالات موجعة من زحام البشر الجوعى في سوق الوطن (باعة فقراء جوالين- لص - فتاة ريفية تبيع على الرصيف - كهل في طقم – أبو أربع عيون - امرأة منقبة - قطط) لتنتهي القصة بإشراقة لغوية مكثفة الدلالة (فجأة شُرّعت الأبواب وخرج الناس أفواجاً إلى الضوء... وبانت عينا بكرا تهزجان بالأمل) رغم زخ الرصاص على الناس. لقد كان عنوان هذا القسم (جد) مناسب ومتّسق مع حكاياته.

القسم الرابع: حب

ربما يكون هذا القسم أجمل أقسام المجموعة؛ لأنه يدق باب المشاعر الإنسانية الأنبل بين رجل وامرأة، ولأن اللغة فيه رقّت ودقّت كثيراً، ففرض الموضوع أسلوبه ولغته، وبعيداً عن (ق ق ج) التي استهلّ بها القاص هذا القسم (خاتم فيروز- حكم الهوى) ولا معنى لهما في ظني، ولم يدرجهما الكاتب في الفهرس، وهذه عادة انتبهت لها لاحقاً بأنه يستهل كلّ قسم ب (ق ق ج) ولا تدخل في الفهرس الأخير ولا أدري ما السبب؟

فإن القصة الأولى (أثر زنبقة) تفتح أسئلة تأملية لدى المتلقي عن عاشقَين في زمن عشق (ربطة خبز وأوقية جبن) وهي أسئلة أبعد من السؤال الذي ألقاه بطل القصة وأعمق حين شاهد البائعة الصغيرة في الشارع (فار دمي، وثار طعم الوجع في فمي: كيف تذبل زنبقة بلادي هكذا على الطريق؟).

في حكاية الحب الثانية (ناطور فيلته) يرتفع منسوب الحب والخذلان إلى أعلى مستوياته، وبين استرجاع ماضي الحب الجميل، وحاضر الألم ووجعه، يتوِّج الموت مستقبل حكاية العاشقَين، على اختلاف ذاك التتويج (موت بهجت- هرم فاديا).

في حكاية الحب الثالثة (على درب الأشواك) المستعار عنوانها –ربما- من أغنية عبد الحليم (مشيت على الأشواك) ندخل مباشرة في استهلال جميل يحكي حكاية (أمّ) تخاف الموت قبل عودة بناتها المهاجرات/ المنفيات/ المغتربات وقد وعدْنها بمفاجأة في عيد ميلادها، فتكتب وتكتب عن الحب والحرب التي أخذت بناتها خارج البلد - عن العاشق المجنون الذي تزوجها بعد قصة حب جنونية تصل حد الموت... تكتب عن الوحدة والغربة (والعمر أولا د فرّوا من القبلة على رأي درويش) إلا ان النهاية خففت من دهشة هذه الحالة العالية من الحب ووجعه، فجاءت متوقعة عادية، حضرت البنات وحضر الاحتفالُ والمفاجأةُ وهي (طباعة كتابات والدتهن في كتاب). وتساءلتُ بعد الحوار الذي دار بين الموت/ الذئب والباب: ماذا لو انتهت الحكاية هنا وتركت الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام القارئ؟؟ (يقترب الذئب من الباب المفتوح، يسأله: أين الجدة؟ - في الداخل. – وحدها؟ - نعم. – لأدخل إذن).

لكن الكاتب يغلق الباب أمام القارئ الباحث عن التأمل والتأويل، ويتابع (في اليوم التالي بدت شاعرة الجوري الأبيض..... وتنتهي النهاية بقوله: منذ ذلك اليوم لم تعد تخاف الذئب، فانسلّ هارباً تحت جنح الليل.. وبزغ النهار)؟؟؟؟

في آخر حكايات هذا القسم (قمر وقمر) حكاية حب لطيفة بين قمرين (قمر السماء) وحبيب البطلة عاصي (قمر الأرض) وتتكئ الحكاية أكثر من اللازم على أغاني فيروز والأخوين عاصي ومنصور المتعلقة بالقمر وأحواله، مما أفقد – في رأيي – توتر إيقاع صراع الحب بين القمرين وخاصة في الحوارات الطويلة المتكئة على أغنيات القمر الفيروزية، وربما ما أنقذ الحكاية من أثرها الخافت لدى المتلقي تلك الخاتمة التي تمهّد لحكايات أخرى في قادمات الأيام: (هل أعجبتكم قصتي مع الصديقين عاصي والقمر؟ إذن إلى لقاء قريب في أغنية أخرى وقصة جديدة). فردّدتُ بيني وبين القصص: كم أرجو أن تأتي بقصص جديدة تنشد أغانيها الخاصة متكئة على مزاميرها الخاصة وحسب.

لا ريب أن التجريب والبحث عن شكل جديد للحكي هو السمة المميّزة لهذه الحكايات التي بين أيدينا، ويبقى للقارئ أن يحكم على هذه المحاولة وهذا السعي الذي يفارق المألوف في الحكي. وينظر نظريتَين في هذه (الإقحامات) الغنائية التي كثُرت في ثنايا السرد، النظرة الأولى قد تراها تأسيساً لشكل سردي جديد، والأخرى قد تراها معوّقات تعيق تدفق الحكي. وبين النظرتَين يندفع الجدل حول الحكايات فلا تبقى خاملة التلقي دون أن تثير غباراً أو ربما زوابع حولها.