في الفترة الممتدة من 6 إلى 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، تستضيف القدس مؤتمر "المحافظة القومية" (NatCon 2026)، بمشاركة نخبة من الشخصيات السياسية من "إسرائيل" والولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا. والصورة التي نشرها المنظمون لا تحتاج إلى تعليق طويل؛ فهي تختصر المشهد بكل دلالاته.
فإلى جانب الرئيس البولندي السابق أندجي دودا، يظهر في الصورة كل من: وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، وزير الخارجية الإسرائيلي السابق جدعون ساعر، الوزير الإسرائيلي عميحاي شيكلي، ونائبا رئيس الوزراء الأسترالي السابق سيباستيان غوركا، وجون أندرسون،. ويصنّفهم الموقع الرسمي جميعاً ضمن "المتحدثين الرئيسيين". لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي يعنيه أن يقف رئيس جمهورية بولندا السابق على هذه المنصة تحديدا؟
أندجي دودا ليس سياسياً عابراً. شغل أعلى منصب في الدولة البولندية من 2015 حتى 2025، أي عشر سنوات كاملة. لذلك، فإن ظهوره في مؤتمر سياسي دولي لا يمكن فصله عن وزنه الرمزي كرئيس سابق لدولة أوروبية كبرى.
والأمر لا يتوقف عند الشخص، بل عند المكان والاسم معاً. فهذا مؤتمر "المحافظة القومية"، ويقول منظموه صراحة إنه يهدف إلى تعزيز الروابط بين الحركات القومية المحافظة في الغرب، وبناء تعاون بينها على أساس ما يسمّونه "قيماً ومصالح مشتركة.
وفي 7 أكتوبر، يظهر اسم دودا في الجلسة العامة الثالثة بعنوان "معنى 7 أكتوبر"، إلى جانب عميحاي شيكلي، وسيباستيان غوركا، وجون أندرسون، وآخرين. وبحسب البرنامج الرسمي، فإن مداخلة دودا تحمل عنوان: "التآزر. الأمن. النجاح: مبادرة البحار الثلاثة كرؤية قومية لأوروبا الشرقية". أما سموتريتش فيظهر أيضاً متحدثاً رئيسياً، بينما يشارك ساعر في مأدبة المؤتمر. أي أن الحدث يجمع، في برنامج واحد، أبرز وجوه السياسة الإسرائيلية مع شخصيات محافظة وقومية من أوروبا وأمريكا وأستراليا.
بالنسبة لي، كفلسطيني وكمواطن بولندي، هذا المشهد مؤلم إلى حدّ الغضب. أنا لا أناقش حق دودا في التعبير عن آرائه. ولا أزعم أن كل مشارك في المؤتمر يتبنى بالضرورة كل موقف يتبناه الآخرون. لكن السياسة ليست كلمات معلّقة في الفراغ؛ إنها أفعال لها زمان ومكان وسياق.
عندما يجتمع سموتريتش وساعر وشيكلي وغوركا وأندرسون ودودا في مؤتمر سياسي في القدس، وفي وقت لا تزال فيه قضية غزة و فلسطين في قلب واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية والقانونية في العالم، فمن الطبيعي أن تُطرح أسئلة جدية حول الرسالة التي تحملها هذه المشاركة.
أنا فلسطيني، لكنني أيضاً بولندي.
وأعرف جيداً معنى أن تكون بولندا بلداً حمل في تاريخه ذاكرة الاحتلال والحرب والنضال من أجل الحرية والسيادة. ولهذا أسأل: كيف يمكن لشخص مثّل جمهورية بولندا عشر سنوات أن يقف اليوم على منصة سياسية في القدس، إلى جانب شخصيات إسرائيلية تتبنى مواقف شديدة الجدل بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بينما يعيش الفلسطينيون آثار الحرب والدمار والنزوح والمعاناة؟
هل أصبح الألم الفلسطيني أمراً يمكن تجاوزه عندما تتقاطع المصالح والتحالفات؟
هل أصبحت غزة مجرد عنوان في المؤتمرات، بينما يستمر شعب كامل في دفع الثمن؟
أندجي دودا، أنت لم تكن سياسياً عادياً. كنت رئيس جمهورية بولندا. ولذلك فإن مشاركتك تحمل وزناً سياسياً ورمزياً أكبر من مشاركة أي شخص آخر.
بالنسبة لي، المسألة ليست صورة في مؤتمر. إنها صورة تختصر سؤالاً أكبر:
ما القيم التي تريد بولندا أن تمثّلها أمام العالم؟
أنا لا أطلب من بولندا أن تتبنى الموقف الفلسطيني لمجرد أنني فلسطيني. لكنني أطالب بأن تبقى حقوق الإنسان، وكرامة المدنيين، والعدالة، مبادئ ثابتة لا تتغير حسب هوية الضحية، ولا حسب المكان والظروف السياسية.
ولهذا أقول بصراحة: رؤية الرئيس السابق لجمهورية بولندا، أندجي دودا، على هذه المنصة، لا تمنحني شعوراً بالفخر. بل تمنحني شعوراً عميقاً بالألم والغضب.
لقد عانى الشعب البولندي طويلاً من الاحتلال والقمع وفقدان الحرية. وكان من الطبيعي أن أتمنى أن تكون ذاكرة بولندا التاريخية سبباً للتعاطف مع كل شعب محروم من الحرية والكرامة، لا سبباً للصمت أمام معاناته.
أندجي دودا، الرئيس السابق لجمهورية بولندا، هل كان ضرورياً أن تكون هناك؟
هذا السؤال سيبقى.
وسيكتب التاريخ يوماً كيف تصرفت الدول والشخصيات السياسية عندما كانت غزة تنزف، وكيف اختار كلٌّ منهم أن يستخدم نفوذه ومكانته.
وعندما يأتي ذلك اليوم، سيبقى السؤال:
أين كانت بولندا؟ وأين كان ممثلوها السابقون؟ وفي أي جانب من التاريخ اختاروا أن يقفوا؟
بالنسبة لي، هذه ليست لحظة فخر.
إنها لحظة عار وخزي.

