بكل صفاقة وفجاجة لم يتردد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تكرار هرطقاته بتغيير اسم مضيق هرمز إلى "مضيق ترامب"، وحين قاده جهله لوضع هرمز ضمن خريطة الخليج العربي، شطب دولتين من الخريطة هما قطر والبحرين!! والأخيرة تضرب جذورها في عمق التاريخ الممتد حتى سنة الفين قبل الميلاد عندما شيدت حضارة دلمون فـ"تايلوس" ثم أوال قبل أن تستقر باسم البحرين التي يعرفها العالم اليوم. لكن ترامب وهو يفتري حتى على من يعتبرهم حلفاء، يركبه هاجس جو بايدن ويهذي به، فراح يتندر عليه أمام الرئيس الصيني في ردهات البيت الأبيض نهاية سبتمبر / أيلول الماضي، بوضع ختم بايدن الالكتروني بدلا من صورته كرئيس سابق للولايات المتحدة الامريكية.
هكذا يتصرف رئيس أقوى دولة في العالم معبرا عن ماهيته التي لم تعد تُستَوعب حتى من داخل إدارته، لذلك انبرى بعض أعضائها لتبرير التصرفات غير المقبولة وغير اللائقة بتغليفها وتفسيرها بما يغطي على الهفوات الكثيرة التي يقوم بها زعيم البيت الأبيض. لا شك أن قضية المضيق تقض مضجع ترامب وتجعله يخرج عن طوره في المواجهة مع إيران بعد سبعة أشهر من العدوان الأمريكي الصهيوني، حتى بات من الصعب التنبؤ بما يفكر فيه ويقدم عليه وسط التصريحات المتناقضة. هذا الهاجس الذي يقلق قاطن البيت الأبيض ليس جديدا في حروب المضائق، فقد سبقت الإمبراطورية البيزنطية ترامب بقرون في معركة المضيق وتُعرف أيضا باسم "وقعة المجاز" التي دارت رحاها في العام 965 بين اسطول الإمبراطورية البيزنطية والدولة الفاطمية في مضيق مسينا الواقع بين جزيرة صقلية وشبه الجزيرة الإيطالية. انتهت المعركة بهزيمة الامبراطور البيزنطي نقفور الثاني على ايدي الدولة الفاطمية، بفشله في استعادة صقلية من حكم الفاطميين.
ليس مضيق هرمز فقط ما يقلق الولايات المتحدة، بل أن هناك العديد من المضائق التي وضعتها أمريكا في عمق استراتيجيتها من اجل إبقاء سيطرتها على رأس النظام العالمي وقيادته. ففي ديسمبر/كانون أول، 2020، أي بعد شهر من فوز جو بايدن على ترامب في الانتخابات الرئاسية وقبل تسلمه مقاليد الرئاسة، أصدرت وزارة الدفاع الامريكية "البنتاغون" استراتيجية بحرية تؤكد إصرار واشنطن على إحكام السيطرة على مضائق العالم. ركزت الاستراتيجية التي تعرف باسم "الميزة في البحر: السيادة من خلال القوة البحرية المتكاملة لجميع المجالات" والمعدة بتعاون كل من القوات البحرية ومشاة البحرية (المارينز) وخفر السواحل، على مواجهة النفوذ المتنامي للصين وروسيا، وقد صنفت الاستراتيجية الصين بأنها أكبر تهديد استراتيجي طويل الأمد "نظرًا لعدوانيتها المتزايدة وسعيها للسيطرة على الممرات المائية الدولية وإعادة تشكيل النظام العالمي لصالحها"، وفق ما جاء في الاستراتيجية وأبرزها أربع نقاط، الأولى حماية الممرات المائية والمضائق الحيوية، إذ شددت الإستراتيجية على التزام الولايات المتحدة وحلفائها بالدفاع عن حرية الملاحة في نقاط الاختناق والمضائق البحرية الدولية الرئيسة (مثل مضيق ملقا، وبحر الصين الجنوبي) لضمان التدفق الحر للتجارة العالمية ومنع الصين من فرض سيطرتها المطلقة عليها. والثانية استهداف ما أسمته الوثيقة بـ"التحركات العدوانية" لبكين، فقد انتقدت الاستراتيجية السلوك الصيني المتمثل في عسكرة الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي. والثالثة استخدام قوات شبه عسكرية للضغط على الدول المجاورة واحتكار الموارد البحرية وطرق الشحن. والرابعة تبنّي نهج أكثر حزمًا وقبولًا للمخاطر بحيث وجهت الإستراتيجية القوات الأمريكية المنتشرة في الخطوط الأمامية بضرورة أن تكون أكثر حزمًا وتنافسية في العمليات اليومية، وقبول مستويات أعلى من المخاطر التشغيلية لكشف "الأنشطة الخبيثة للصين" وردعها دون الانجرار إلى صراع عسكري مباشر، ودمج القوات البحرية الثلاث، وهي المرة الأولى التي جرى فيها دمج قدرات خفر السواحل مع القوات البحرية الهجومية ومشاة البحرية لخلق قوة بحرية مرنة قادرة على كبح طموحات "التوسع الصيني".
جاءت هذه الاستراتيجية قبل ست سنوات من العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران والذي بدأ في الثامن والعشرين من فبراير 2026، الامر الذي يؤكد حقيقة السياسة الامريكية تجاه السيطرة على العالم وحركة التجارة العالمية من خلال إحكام قبضتها على المضائق والممرات المائية الدولية، وشعورها بأن الخطر الصيني الذي ينافسها في الاقتصاد والنفوذ في مختلف دول العالم أصبح واقعا يسبب صداعا دائما للإدارات الامريكية المتعاقبة وجدد التأكيد عليه الرئيس السابق جو بايدن لزعماء الحزبين الجمهوري والديمقراطي مع بدء دورته الرئاسية، حين استدعاهم وقال لهم: "إن لم نتحرك سيأكل الصينيون غذاؤنا".
خنق العالم
السيطرة على المضائق ليست وليدة الحرب على إيران، بل هي هواجس ومخاوف قديمة من صحوة التنين الصيني وروسيا، وهي نتاج تبعات ما بعد الحرب الباردة واستقرار الأمور في قبضة القطب الواحد، امريكا. ففي أوج الحرب الباردة، تقدم الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي السوفيتي (آنذاك) ليونيد بريجنيف في ديسمبر /كانون الأول 1980 أمام البرلمان الهندي، بمبادرة لتحويل منطقة الخليج العربي إلى بحيرة سلام، أطلق عليها عالميا "رفع الأيدي عن الخليج"، في محاولة لتخفيف حدة التوتر بين المعسكرين الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، خصوصا بعد اجتياح الجيش الأحمر لأفغانستان في ديسمبر 1979، وبعد عدة أشهر من اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (سبتمبر/ أيلول 1980) التي دامت ثمان سنوات عجاف. تتكون مبادرة بريجنيف من خمسة عناصر:
(1) حظر القواعد العسكرية والأسلحة الاستراتيجية، من خلال عدم إنشاء قواعد عسكرية أجنبية في منطقة الخليج العربي والجزر المتاخمة لها، وعدم نشر أسلحة الدمار الشامل أو الأسلحة النووية.
(2) الامتناع عن استخدام القوة عبر التعهد بعدم استخدامها أو التهديد باستخدامها ضد دول منطقة الخليج، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية بأي شكل.
(3) احترام سياسة عدم الانحياز، باحترام الوضع القانوني والسياسي لدول الخليج التي اختارت نهج "عدم الانحياز"، وعدم جرّها إلى أي تكتلات أو أحلاف عسكرية تضم قوى نووية.
(4) احترام السيادة على الثروات الطبيعية من خلال الاعتراف بالحق السيادي الكامل لدول هذه المنطقة في السيطرة على مواردها وثرواتها الطبيعية.
(5) ضمان حرية التجارة والملاحة وعدم وضع أي عوائق أو تهديدات أمام خطوط التجارة والملاحة البحرية العادية والتبادل الاقتصادي، بما يضمن تدفق النفط وإبقاء الممرات المائية آمنة للجميع.
وقد جاءت هذه المبادرة السوفيتية كرد فعل مباشر على عقيدة كارتر الأمريكية التي أعلنتها واشنطن مطلع عام 1980 لحماية مصالحها في الخليج بالقوة وزيادة القواعد العسكرية في بلدانه عقب اجتياح أفغانستان.
تدرك الولايات المتحدة أهمية المضائق والممرات الدولية في الهيمنة على حركة الملاحة والتجارة الدولية وانسياب سلاسل الامداد بين الدول، وتعمل على فرض السيطرة وتمرير القطع الحربية بين بحر ومحيط استعراضا للقوة وبحثا عن مناطق جديدة للاستحواذ عليها، ذلك أن أكثر من 80 بالمئة من التجارة العالمية تمر عبر المحيطات والبحار مما يضاعف من أهميتها. وتبرز 10 مضائق في العالم يمكن لها التحكم في حركة التجارة والسيطرة، اهمها مضيق هرمز في الخليج العربي وهو يشاطئ كل من إيران وعُمان وتعبر منه أكثر من 20 بالمئة من الانتاج النفطي العالمي للأسواق العالمية إضافة لشحنات الغاز، ومضيق باب المندب الذي يعتبر شريانا للتجارة العالمية وتمر عبره نحو 10 بالمئة من حركة التجارة البحرية العالمية بما يصل الى 700 مليار دولار سنويا، ومضيق البوسفور في تركيا كمعبر استراتيجي بين البحر الأسود والبحر المتوسط وتعبره عشرات آلاف السفن سنويا، ومضيق ملقا في جنوب شرق آسيا باعتباره واحدا من أكبر شرايين التجارة البحرية في العالم وقد مرت منه في 2025 اكثر من 100 ألف سفينة معظمها سفن تجارية وهو مضيق تعتمد عليه الصين واليابان وكوريا الجنوبية اعتمادا كبيرا في عملية التصدير، وقناة السويس التي يخطط الكيان الصهيوني لضربها بقناة بن غوريون المخطط لها ان تُشيّد مستقبلا، وقناة بنما التي تربط بين المحيطين الأطلسي والهادي، ومضيق تايوان الذي تحول الى بؤرة توتر بين الصين والولايات المتحدة مع تحقيق بكين قفزات كبيرة على المستوى الاقتصادي، وأخيرا بحر الصين الجنوبي ذي الأهمية الاستراتيجية المتعاظمة التي قادت إلى ازدياد الصراع فيه وحوله بوقوعه بين ست دول هي الصين وفيتنام والفلبين وتايوان وماليزيا وبروناي، وتبلغ مساحته 3.5 مليون كيلومتر مربع. وتكمن اهمية هذا البحر أنه يستحوذ على 35 بالمئة من تجارة الشحن البحري العالمي بقيمة تصل الى أكثر من 3.3 تريليون دولار، كما تعتمد عليه الصين في وارداتها بنسبة تصل إلى 80 بالمئة وتعبره نحو 40 بالمئة من اجمالي التجارة الصينية.
وتكمن أهمية بحر الصين الجنوبي أيضا في أن التقديرات تشير إلى أن قاعه يزخر بالثروات المعدنية وتقدر احتياطيات النفط والغاز الطبيعي فيه بنحو 30 مليار طن من النفط و190 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. لذلك تتدخل الولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي بطرق عدة ومنها تأليب الدول الواقعة في محيطه على بعضها البعض وتؤجج الصراع بينها وتحرك قطعها العسكرية نحوه لمواجهة "التمدد" الصيني الذي تخشاه واشنطن والعواصم الغربية، خصوصا وأن بكين تسير بثبات، وإن ببطء، في استكمال مشروع مبادرة الحزام والطريق، التي وصلت إلى مستويات قياسية من ناحية التمويل والاستثمار التي بلغت نحو 214 مليار دولار في 2025 مركزة بكثافة على مشروعات الطاقة الخضراء والغاز والبنية التحتية. وتراهن الصين على هذه المبادرة فوقعّت من اجلها 350 صفقة جديدة، واستحوذ قطاع الطاقة فيها على 43 بالمئة من اجمالي الاستثمارات في النفط والغاز والطاقة المتجددة كالرياح والطاقة الشمسية، وقد تمكنت الصين من ضم أكثر من 150 دولة ومنظمة عالمية لربط آسيا بأفريقيا وأوروبا عبر ممرات بحرية وبرية.
نهج عدواني
تضرب الولايات المتحدة الامريكية في عدة اتجاهات لمزيد من السيطرة والاستحواذ على المضائق والممرات الدولية وإخضاع الدول لها ومصادرة ثرواتها. فعلت ذلك حين سطت على 60 مليار برميل من النفط الفنزويلي بعد اختطاف الرئيس الشرعي للبلاد مادورو. وفي ظل استمرار الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، لم تغب عن ذهنية صانعي قرار العدوان العمل على احياء مشروع شق "قناة بن غوريون" بين إيلات والبحر الابيض المتوسط التي يتطلب انشائها، صهيونيا، إعادة احتلال قطاع غزة لتفادي العوائق الطبيعية التي يواجهها المشروع عبر طريق العقبة الصخري، بينما تشكل غزة جغرافية تُسهّل عملية الحفر. ومع ان قناة بن غوريون لا تزال في طور التخطيط والبحث عن الممولين، إلا أن تنفيذ هذا المشروع الشيطاني من شأنه أن يضرب عصفورين بحجر: الأول توفير البديل لقناة السويس وضرب أحد مرتكزات الاقتصاد المصري وحرمانها من عائدات تصل الى قرابة 10 مليارات دولار امريكي (2023)، والثاني تشييد مشروع منافس لمبادرة الحزام والطريق ومواجهة الصين في واحد من أهم مشاريعها على المستوى العالمي.
ليس فقط مضيق هرمز ولا باب المندب ولا مضيق ملقا ولا بحر الصين الجنوبي تؤرق الولايات المتحدة، بل أن كل مضائق وممرات العالم المائية تفعل الشيء نفسه لدى صناع القرار في واشنطن بهدف السيطرة عليها ووضعها تحت هيمنتها وتغذية الحروب البينية لتكسب صفقات السلاح من الجميع. هي تشعر بالخطر الصيني الذي يغزو العالم بسلعه وبضائعه وصفقاته الاقتصادية وتحول البلاد إلى مصنع للعالم بأسره، يحقق إنجازات ملموسة في علاقاته مع مختلف الدول في كل القارات، بينما تخسر واشنطن المنافسة الاقتصادية ببطء وتتعثر تحت وطأة الدين الفيدرالي الذي تجاوز الأربعين تريليون دولار يصعب سداده بدون مغامرات جديدة تسلب المزيد من ثروات الدول التي تقع فريسة تحت قبضة البيت الأبيض، بيد أن التاريخ لا يسير وفق الرغبة الامريكية وحدها، فهناك لاعبين جادين في تشييد عالم متعدد الأقطاب يعيد الاعتبار للقانون الدولي الإنساني وحقوق شعوب العالم.

