Menu

المفاوضات مع الكيان الصهيوني: لهاث خلف السراب

علي زيدان

منذ أن تم الاتفاق على وقف إطلاق النار في غزة، والذي تم التوصل إليه في مؤتمر شرم الشيخ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، لم تتوقف حرب الإبادة ضد المدنيين العُزل في كافة أنحاء قطاع غزة. بل على العكس تصاعدت الأعمال الحربية بعنف مبالغ فيه، بالرغم من الرعاية الأمريكية والمصرية وال قطر ية، ودول أخرى. لقد واصل جيش الاحتلال الصهيوني اعتداءاته المتكررة وإطلاق النيران من الدبابات والطائرات والسفن الحربية على السكان العُزل، وما تبقى من منشآت مدنية ومراكز صحية، ومنازل ومراكز الإيواء، ضارباً بعرض الحائط الاتفاقيات التي لم يجف حبرها بعد. لم نسمع صوت الرعاة الدوليين، ولا الشركاء العرب يدينون ذلك العنف الصهيوني بالرغم من انخراط فصائل المقاومة الفلسطينية بالمفاوضات والتزامها ببنود الاتفاق. الخروقات التي يُمارسها الكيان الصهيوني يومياً، شملت بالإضافة إلى الأعمال الحربية، التحكم بفتح المعابر ومرور شاحنات المواد الغذائية والأدوية والوقود والمياه، ناهيك عن توفير مراكز إيواء تليق بالسكان المدنيين. لا شك أن استمرار العدوان فاقم من الظروف الصعبة وزاد من حدة الأزمة الإنسانية الخانقة. وتجدر الإشارة إلى أن عدد الشهداء في قطاع غزة تجاوز 1500 منذ بدء سريان الاتفاق. وما زال قطاع غزة يعاني من تدهور القطاع الصحي وانتشار الأمراض مع خروج الكثير من المراكز الصحية عن الخدمة بسبب النقص الحاد في الوقود والمواد الطبية الأساسية. في ظل هذه الأوضاع المتردية ماذا قدمت الدول الراعية للاتفاق؟ وماذا قدمت المفاوضات العقيمة مع الكيان الصهيوني سوى سراب لا ينتهي. فالحكومات العربية المشاركة بتغطية المفاوضات والاتفاق، والتي لها علاقات تطبيعية مميزة مع الكيان الصهيوني، لم تقدم غير المزيد من الضغوط على فصائل المقاومة من أجل تقديم المزيد من التنازلات، والالتزام بمفاوضات عبثية لا طائل منها، وتمنع المقاومة من حقها في الاحتفاظ بسلاحها، من أجل المقاومة والدفاع عن شعبها، بينما تسمح للكيان الصهيوني بمواصلة عدوانه وتحقيق ما لم يستطع تحقيقه في ميادين القتال.

ذات السيناريو يتكرر في لبنان، حيث التزمت الحكومة اللبنانية بعقد المفاوضات مع الكيان الصهيوني برعاية أمريكية وتشجيع ذات الأنظمة العربية. ماذا كانت النتائج؟ تزايدت الغارات الحربية المدمرة على معظم المدن والقرى في الجنوب اللبناني، تحت ذرائع وتبريرات يومية متجددة مقابل صمت مطبق من الرعاة الأمريكيين والمشجعين العرب. أما المفاوض اللبناني بات لا يملك سوى مطاردة الأوهام، وتقديم المزيد من التنازلات، والتمسك بخيار المفاوضات كأولوية قصوى دون أن يحقق أدنى المتطلبات: على الأقل، أن يلتزم الكيان الصهيوني ببنود الاتفاق الذي وقع عليه، مثل المناطق التجريبية، وعدم قصف المنشآت المدنية، وغير ذلك. والجدير ذكره أن الأعمال الحربية المستمرة أدت إلى وقوع آلاف الضحايا وتدمير منشآت البنى التحتية، وتفجير منازل السكان المُهجرين خارج مناطقهم، بينما تمدد الاحتلال داخل الجنوب اللبناني، وزاد من رقعة الأراضي المحتلة شمال الليطاني، وذلك أكثر من ما لم يستطع تحقيقه أثناء القتال. بينما المفاوضات تدور في حلقات مفرغة، فإن الذرائع دائماً موجودة وعليها توافق ضمني من كافة الأطراف: سحب سلاح المقاومة، باعتباره سلاح غير شرعي. مرة من جنوب الليطاني. ومرة أخرى من شماله، وأيضاُ من كافة الأراضي اللبنانية.

وهكذا تتضح المفارقات الفاضحة وازدواجية المعايير التي يمارسها المجتمع الدولي من انحياز دائم للرواية الصهيونية. تتعرض فصائل المقاومة في فلسطين ولبنان إلى ضغوط دولية وإقليمية متصاعدة، لنزع سلاحها وتصنيفه خارجاً عن الشرعية، من دون تقديم الحد الأدنى من الضمانات التي تساهم في عودة الاستقرار وعودة النازحين وإعادة الإعمار، أو الالتزام بوقف التوسع أو الانسحاب، أو تفكيك الاستيطان. على العكس من ذلك، تواصل الحكومة الصهيونية حربها في غزة، وتوسيع عملياتها الحربية في الضفة الغربية وجنوب لبنان وتدمير البنى التحتية المدنية وتهجير السكان والتطهير العرقي. لا شك، أن المطالبة بنزع سلاح المقاومة في ظل هذه الظروف وغياب أي ضمانات أمنية أو سياسية، يُظهر النوايا المبيتة خلف هذه السياسات والمفاوضات التي تُديرها الإدارة الأمريكية من أجل حماية الكيان الصهيوني وتثبيت وجوده وشرعيته على حساب السكان المدنيين العزل. ويبدو واضحاً أن تجريد المقاومة في فلسطين ولبنان من سلاحها، وإلغاء حقها بالمقاومة والدفاع عن النفس، يعني تجريد حركة المقاومة من أوراق القوة الوحيدة المتبقية لديها في مواجهة الاحتلال والعدوان، بالرغم من اختلال ميزان القوى. وهذا يعني بوضوح الاستسلام ورفع الرايات البيضاء، والموافقة على الإبادة المستمرة للسكان.

إذن إلى أين أدّت هذه المفاوضات العبثية مع الكيان الصهيوني؟ لقد بينت العقود الماضية أن هذا الكيان المعتدي لا يلتزم بنتائج المفاوضات التي يشارك فيها، ولا يحترم الاتفاقيات التي يوقع عليها. بينما الطرف العربي يجري خلف سراب لا ينتهي وسلام مزعوم لا يأتي. وكما هو واضح فالمفاوضات تحتاج إلى مفاوضات كي تستمر، والاتفاق يحتاج إلى اتفاق آخر لتوضيح الاتفاق الذي سبقه. وهكذا تستمر الدوامة في حلقة مفرغة، بمشاركة وموافقة الإدارة الأمريكية. بينما الأنظمة العربية تمارس دور الوسيط الذي يقوم بنقل الوعود والتهديدات إلى قوى المقاومة من أجل الانصياع والرضوخ ورفع الراية البيضاء.

لقد ظل مسار المفاوضات، على الأقل منذ مشروع روجرز للسلام، عام 1970، الذي سعى إلى وقف حرب الاستنزاف وتسوية سلمية للصراع العربي الصهيوني من خلال تطبيق قرارات مجلس الأمن (وأهمها القرار 242)، هو العنوان الدائم الذي يُقدم للشعوب العربية بوصفه الطريق الوحيد الممكن لإنهاء الصراع المزمن، وحل القضية الفلسطينية. ذهب روجرز ومشروعه، واختفت من الواجهة جميع القرارات الأممية، وتم التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، وانعقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وتم التوقيع على اتفاقيات أوسلو عام 1993، ووادي عربة عام 1994، وانعقدت مفاوضات كامب ديفيد الثانية عام 2000، والمبادرة العربية للسلام التي أطلقتها القمة العربية في بيروت عام 2002، وخارطة الطريق عام 2003، وصولاً إلى مؤتمر أنابوليس عام 2007، والاتفاقيات الإبراهيمية عام 2020، ومفاوضات شرم الشيخ عام 2025، وصولاً حتى المفاوضات الحالية (2026) في واشنطن وروما. تاريخ طويل من المفاوضات العقيمة. فماذا جرى أو تحقق حتى الآن. يتكرر المشهد ذاته: جولات تفاوضية، تصريحات متفائلة، صور مصافحات وضحكات وقُبلات، مآدب غداء وعشاء فاخرة؛ ثم تجميد للمفاوضات، أو انهيار عملية المفاوضات، وهكذا دورة مستمرة بلا توقف. كالتائه في الصحراء، يرى المياه تلمع في الأفق، فيجري نحوها ولا يجد إلا السراب. غير أن النظام العربي الرسمي، بما في ذلك سلطة أوسلو في رام الله، ظلوا متمسكين، بالمفاوضات مع الكيان الصهيوني بوصفها الخيار الاستراتيجي الوحيد. لكن عمليات الإبادة والتطهير العرقي في أنحاء فلسطين وجنوب لبنان لم تتوقف بالرغم من كل اللقاءات وجولات المباحثات، والمبادرات. وعليه، يُمكن القول إن هذا المسار الطويل لم يُجدِ نفعاً، ولم يؤدِ إلى تحقيق السلام أو العدالة للشعب الفلسطيني. فالمفاوضات صارت مثل النفخ في الرماد، تهدف إلى إضاعة الوقت وإطالته بهدف تصفية القضية الفلسطينية تدريجياً، وتحقيق الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، بالإضافة إلى الإبادة السياسية والقضاء كلياً على المشروع الوطني الفلسطيني بالحرية والاستقلال.

عملياً، أصبحت المفاوضات فرصة سياسية تمنح الكيان الصهيوني الوقت الكافي، والغطاء السياسي العربي والدولي، لإدارة الصراع، وتغيير الوقائع على الأرض، بما في ذلك توسيع الاستيطان وتقطيع أوصال المناطق المحتلة في الضفة الغربية و القدس ، دون أن يُقابل ذلك أي كلفة سياسية أو اقتصادية حقيقية. يتبين من خلال هذا التاريخ الطويل من المفاوضات الوهمية بوضوح تعنت الكيان الصهيوني وعدم التزامه بالاتفاقيات الموقعة والتفاهمات التي تم التوصل إليها برعاية أمريكية وغطاء عربي. وبدلاً من الانسحابات التدريجية وفقاً لاتفاقيات أوسلو (1993) وقرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بوقف الاستيطان (رقم 2334)، وقرار محكمة العدل الدولية عام 2004 بشأن جدار الفصل العنصري، نرى أن رقعة المستوطنات قد زادت عدة أضعاف وانتشرت المستوطنات في القدس وكافة أنحاء الضفة الغربية. لقد بلغ عدد المستوطنات والبؤر والمزارع الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس حتى اليوم (عام 2026)، 192 مستوطنة ونحو 400 بؤرة استيطانية، بينما بلغ عدد المستوطنين الصهاينة أكثر من 780 ألف نسمة. وعليه بات الاحتلال الصهيوني يسيطر على أكثر من 42% من مساحة الضفة الغربية، وما يقارب من 70% من المناطق المصنفة (ج) التي تخضع للسيطرة الأمنية والإدارية الصهيونية الكاملة وفق اتفاق أوسلو. لقد تغير الوضع على الأرض كلياً (جغرافياً وديموغرافياً)، بينما المفاوضات ظلت مستمرة بلا طائل. وقد أصبحت المستوطنات ومشاريع السكك الحديدية والطرق الالتفافية ومشاريع التوسع العمراني أدوات الاحتلال للسيطرة على مزيد من الأراضي وقطع التواصل الجغرافي بين القرى والمدن الفلسطينية، وفرض العوائق التي تمنع قيام دولة فلسطينية في المستقبل. وهكذا، تحولت المفاوضات، من وسيلة لإنهاء الاحتلال إلى وسيلة لإدارته وإطالة أمده.

بناء على ما سبق يتبين لنا أن التمسك بالمفاوضات كخيار وحيد هو ركض في الفراغ ولهاث خلف سراب لا ينتهي. وهنا يُمكن القول أيضاً إن السبب في ذلك لا يعود إلى فشل تقني، بل يعود إلى سوء تقدير سياسي وإيديولوجي، نتيجة لاختلال موازين القوى بين قوى المقاومة والكيان الصهيوني الذي يتمتع بحصانة أمريكية وقوة عسكرية ضخمة وقدرات اقتصادية هائلة، وتواطؤ عربي لا ريب فيه. هذه الحصانة جعلت الكيان الصهيوني فوق القانون الدولي، ولا يلتزم بتنفيذ القوانين والاتفاقيات. المشكلة هنا لا تكمن في اختلال موازين القوى، بل ربما بعدم وضوح الموقف السياسي والتمسك بالحقوق الوطنية المشروعة. لقد فاوض الفيتناميون الإدارة الأمريكية في باريس بينما حرب الإبادة البشعة لم تتوقف؛ لكن المفاوض الفيتنامي ظل متمسكاً بحقوقه وشروطه، وامتنع عن حضور المفاوضات عام 1973 لعدة أشهر حتى وقف القصف الأمريكي، وذلك بالرغم من الاختلال الكبير في ميزان القوى بين الطرفين. لكن ما لبث الأمريكي أن وافق على وقف إطلاق النار وتوقيع اتفاقية باريس عام 1973 التي أدت إلى انسحاب الجيوش الأمريكية وتحرير فيتنام وتوحيدها. والمفارقة الملفتة للنظر هنا، أن المفاوض الفيتنامي رفض قبول جائزة نوبل للسلام (1973) التي منحت له وللمفاوض الأمريكي. هذه عبرة لمن يعتبر.