Menu

من الخيمة إلى الخيمة نتعلم ...

أحمد عويدات

لا ضير إن كانت عودة أطفال غزة إلى التعليم جلوساً على مقاعد الدراسة، أو افتراشاً للأرض، أو وقوفاً في صفٍ بلا سقفٍ أو جدران تحت أشعة الشمس الحارقة، أو تحت المطر وفي البرد، لا ضير إن كانت البيئة الصفية أو المدرسية قد اختلفت بكل أشكالها ومضامينها وأدواتها وأساسياتها من المعلم والزملاء والمقاعد والوسائل التعليمية، والجدران المزدانة باللوحات الجدارية، إلى باحات المدارس التي لم تعد سوى مساحات ضيقة بين خيامٍ توزّعت هنا وهناك لتشكّل مدرسةً ميدانيةً أنشأتها وزارة التربية والتعليم في القطاع كإجراءٍ طارئ لاستئناف العملية التعليمية التعلّمية هناك. لا ضير في ذلك أبداً؛ لأن إرادة الحياة أقوى بكثير.

بالأمس القريب عاد نحو نصف مليون طفل إلى الدراسة بعد انقطاع قرابة ثلاث سنوات ليبزغ فجرٌ جديدٌ في حياة أطفال غزة، رغم تواصل عمليات القصف والغارات والاغتيالات، واستمرار سياسة التجويع والتعطيش ومنع إدخال المساعدات وخاصة الطبية منها. عاد الأطفال بأحلام جديدة، بعد طيّ سنواتٍ من المآسي والمعاناة المتواصلة. عاد الأطفال يحملون حلم المستقبل الذي وعدوا به آباءهم وأمهاتهم الشهداء، عادوا يحملون ما تبقى من حقائبهم المدرسية المهترئة، أو تلك المصنوعة من أكياس المؤن، أو من لفافة قماش ليضعوا فيها ما تيسر لهم من كتبٍ ممزقة ودفاتر بالية، وربما أقلامٍ فقدت صلاحيتها. عادوا وبعضهم حفاة وشبه عراة، إلا من ثيابٍ رثة وممزقة. عاد أطفال غزة، بعدما نفضوا عنهم غبار ركام منازلهم، وجففوا دموعهم على فقد أحبائهم، عادوا وكلهم إصرار وعزيمة ولدت من رحم صمودهم الأسطوري، ليقولوا للعالم اللا مسؤول والمتفرج والصامت على جرائم الإبادة: "على هذه الأرض، هناك أطفالٌ يستحقون الحياة"، هذه الأرض ستنبتُ أجيالاً يصنعون أملاً جديداً واعداً في وجه آلة القتل والإبادة والتهجير والتجهيل.

إن في استئناف العملية التعليمية التعلمية مشهد من مشاهد صمود شعبنا وإصراره على مواجهة التحديات والعقبات التي تعرقل حياته وتهدد مستقبله، إنه صرخة مدوّية لتصل إلى أرجاء العالم؛ معلنةً الوقوف بوجه كل إجراءات الاحتلال التي تهدف إلى تجهيل شعبنا وقتل وعيه الوطني، وطمس هويته، ومنعه من ممارسة دوره الإنساني في إسعاد البشرية وتقدمها، والمشاركة في بناء صرح الحضارة الإنسانية.

وواقع الحال هذا ولتعزيز طموح أطفالنا ومواصلة صمودهم الاستثنائي، الذي حاز على تقدير شرفاء العالم، لا بد من توفير الحماية الدولية لهم من استمرار الاعتداءات وعمليات القتل والإبادة، ولا بد من البدء بإعادة الإعمار وبناء ما تهدم وما تضرّر من المدارس والجامعات، والتي بلغت نسبة التدمير فيها نحو 90%، والعمل على تجهيز المدارس بالمستلزمات والأدوات الأساسية للعملية التعليمية، وإعادة ترميم البنى التحتية، كما يُطلب من الجهات المعنية والمسؤولة العمل على خلق بيئة صفية جاذبة نوعاً ما، والبدء بإعادة تأهيل المعلمين، خاصة حديثي التعيين، وتدريبهم على أساليب وتقنيات التعليم، وتأمين الرزم التعليمية والوسائط والوسائل التعليمية، والقرطاسية المدرسية والأثاث المدرسي الذي يفتقد حتى إلى السبورة، والطباشير والأقلام. وكذلك إحياء برامج الدعم النفسي والاجتماعي، وتذليل الصعوبات اللوجستية التي تعترض استئناف العملية التعليمية التعلّمية، وتعويض النقص في أعداد المعلمين الذين استشهدوا. والأهم من ذلك وضع استراتيجية تعليمية تتوافق مع الواقع الحالي وشح الإمكانيات، والواقع الأمني المفقود واستدراك الفاقد التعليمي للغالبية العظمى من طلابنا، والتركيز على المهارات والكفايات الأساسية، والاعتماد على تعلّم الطلبة والتطبيقات العملية الحياتية، والتركيز على الفهم وليس على الحفظ والتلقين والحشو المعلوماتي. ومن الضروري وضع برامج مناسبة لذوي الاحتياجات الخاصة، والعمل على بناء الشخصية المتوازنة للأطفال، والتدريب على حل المشكلات، واتخاذ القرارات والتفكير الإبداعي والناقد.

من جهة أخرى، يُطلب من الجهات المعنية والمسؤولة التوجه إلى المجتمع الدولي؛ لحثه على القيام بمسؤولياته بتأمين الدعم والحماية للأطفال الفلسطينيين، وتمكين الأونروا من القيام بدورها في خدمة العملية التعليمية في قطاع غزة، وليس إحالة خدماتها إلى وزارة التربية والتعليم في القطاع، والتي تفتقد إلى الإمكانيات الحقيقية. وكل هذا يبدأ أولاً بفتح المعابر، وتدفق المساعدات، وبتحمل المجتمع الدولي والهيئات والمنظمات الدولية مسؤولياتها.

إن كل ما تم في سياق عودة أطفال غزة إلى المدارس وإلى خيم التعليم، إنما هو الاستجابة الطارئة للتعليم الفلسطيني، الذي يشكل ركيزة أساسية لمستقبل الأجيال الفلسطينية. إن العالم اليوم مطالب بالوقوف في مواجهة السياسة العدوانية الإسرائيلية المستمرة القائمة على الإبادة والتجويع والتهجير والتجهيل؛ بهدف القضاء على وجود الشعب الفلسطيني، وإخراجه من التاريخ والجغرافيا.

إن شعباً حاز الكثير من أبنائه على جوائز عالمية في مجالات علمية وأكاديمية في السنوات الأخيرة، وخرّج أكثر من 350 طبيباً وطبيبة العام الفائت، وعشرات الأطباء هذا العام، بظروفٍ استثنائية بالغة الصعوبة والتعقيد من الحرب والدمار والحصار والتجويع، وجعل من الخيمة قاعة لمناقشة وتحكيم رسائل الماجستير؛ لقادر أن يصنع الفارق مع هذه التحديات والعقبات التي يضعها الاحتلال أمام مستقبل شعبنا.

اليوم وبعد افتضاح النهج العدواني الإجرامي لقادة الاحتلال الإسرائيلي وكذب سرديته القائمة على التزوير والاحتيال؛ بات العالم مسؤولاً أخلاقياً وإنسانياً عن تمكين أطفال فلسطين من العودة الآمنة إلى مدارس يمارس الأطفال فيها حقوقهم في التعلّم، كما نص عليه إعلان حقوق الطفل أسوةً بباقي أطفال العالم.

عودة أطفالنا إلى خيم التعلّم، هي عودة إلى الحياة.