هو الشاعر اليمني عبد الله البردوني، المولود في محافظة ذمار، قرية بردون، جنوب العاصمة صنعاء، والتي منها اكتسب لقبه "البردوني". ولد عام 1929 لأُسرة ريفية بسيطة وفقيرة. فعاش طفولة قاسية، وإضافةً لضيق حال أسرته، أصيب بمرض الجدري وهو في الخامسة من عمره؛ وعولج أثناءها عند شيخ القرية كما هو شائع آنذاك، مما أدى إلى فقدان بصره.
شأنه شأن سلفه الشاعر العربي بالعصر العباسي "المعري"، ولُقب على أثر ذلك بـ "معري اليمن".
ورغم انطفاء نور عيني هذا الطفل، عوّضه الله سبحانه بنور قلبه وبصيرته، فأصر على تلقي العلم متحدياً أسرته وانتقاماً لما أصابه. انتقل إلى مركز مدينة ذمار، باكراً، فأبدى اهتمامه بالشعر، فغدا شاعراً وناقداً ومدرساً. رفضاً للجهل والظلم الذي قاسى منه شاعرنا في طفولته وشبابه، وحكم الأنظمة التي عاصرها، طغى على أغلب قصائده الحس الثوري الوطني والقومي.
وشاعراً ساخراً من واقعه المؤلم، ولا تخلو شخصيته من خفة الظل، وتجلّى ذلك في قصائده اللاذعة والتي لا تخلو من السخرية.
كانت أولى قصائده اللاذعة ضد الحاكم بأمر الله "أحمد بن يحيى" (1891-1962) وكان ذلك عام 1953، بتهمة تأييد ما سميت بـ "ثورة الدستور"، وإطلاق سراحه، ليعود مرة أخرى معتقلاً عام 1956، واعتقل مجدداً بسبب خطبة ثورية ألقاها أول أيام عيد الفطر عام 1960، حيث بدأ خطبته بقول الله تعالى في سورة الغاشية: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}، وأضاف في خطبته: "خطاب اليوم يدور حول الحكم الفردي في بلادنا العزيزة، فلقد أصبحنا عبيداً لا حق لنا في حياة حرة سعيدة". بعد هذا الخطاب الحماسي قامت حركة عصيان مدني في شهر أبريل عام 1960 في كل من (ذي قار وضبان وأنس). وعانى في سجنه أشد أنواع العذاب، ولم يشفع له وضعه الصحي كونه كفيف البصر من أن يعامل معاملة حسنة. وقال حينها الحاكم بأمر الله أحمد بن يحيى: "أقطع لسان هذا الأعمى أو يصمت للأبد". لم تنل سنوات الاعتقال وضربات السجان من عزيمة هذا الشاعر، بل زاد تمسكاً بمواقفه وتحديه للأُسرة الحاكمة، فكتب قصيدة يهجو بها الإمام أحمد وألقاها أمامه بمناسبة عيد الجلوس، وهي بعنوان (عيد الجلوس)، وهذه بعض أبياته:
يا عيد حدث شعبك الظامي متى
يروى؟ وهل يروى وأين المورد؟
حدث ففي فمك الضحوك بشارة
وطنية، وعلى جبينك موعد
فيم السكوت ونصف شعبك ها هنا
…
ومن خفة ظل روح هذا الشاعر وسخرية كلماته النابعة من حياة الفقر التي عاشها، كتب للص دخل بيته قصيدة جميلة مضحكة بعنوان (لص في منزل شاعر) عام 1966:
شكراً دخلت بلا إثارة
وبلا طفور أو غرارة
ماذا وجدت سوى الفراغ
وهرة تشتم فأرة
يا لص عفواً إن رجعت
بدون ربح أو خسارة
لم تلق إلا خيبة
ونسيت صندوق السجارة
شكراً أتنوي أن تشرفنا
بتكرار الزيارة
ومن أجمل قصائد المدح في القرن العشرين كتبها البردوني في مدح الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، بعنوان (بشرى النبوءة)، ومن أبياتها:
بشرى من الغيب ألقت في فم الغار
بشرى النبوة طافت كالشذى سحراً
وحياً وأفضت إلى الدنيا بأسرار
وأعلنت في الربى ميلاد أنوار
...
وهتفت "مكة" الوسنى أناملها
وهزت الفجر إيذاناً بإسفار
فأقبل الفجر من خلف التلال وفي
عينيه أسرار عشاقٍ وسمار
...
مضى إلى الفتح لا بغياً ولا طمعاً
لكن حناناً وتطهيراً لأوزار
فأنزل الجور قبراً وابتنى زمناً
عدلاً ... تدبره أفكار أحرار
عُرف عن البردوني موقفه الشديد من الحكام العرب من خلال المآسي التي تعيشها الشعوب وضياع الحق العربي، فكتب قصيدة يهجوهم بها على غرار الشاعر العراقي مظفر النواب الذي كتب قصيدته المشهورة (قمم قمم)، اختار لها البردوني عنواناً أجمل، وعنوانها (اجتماع طارئ للحشرات)، مستهزئاً باجتماعاتهم وقممهم، يختار منها:
أعلنت "سلطانة القمل" اجتماعاً
رؤساء "البق" لبّوه سراعا
وإليها أقبل الأقطاب من
مملكات "السل" مثنى ورباعا
جاء شيخ الدود في حراسه
زارداً بحراً، ومعتماً شراعا
ملك "الذباب" وافى نافشاً
تاجه كي يملأ الجوّ التماعا
طار سلطان "البراغيث" على
نملة فازدادت الأضواء اتساعا
…
قرروا في الجلسة الأولى بأن
يصلوا ما مات بالأمس انقطاعا
أن يشيدوا الليل إيواناً، وأن
ينحروا الأيام باباً وصواعا
…
وأقاموا بعد هذا حفلة
أنفدوا فيها دم الليل اجتراعا
وأقروا: أن يسموا من نأى
عن وصاياهم "يعوقاً" أو "سواعا"
وبإعلان البيان اقتنعوا
غير أن الصمت لم يبد اقتناعا
وبهذا اختتموا أعمالهم
وابتدت سلطانة القمل الوداعا
عاش البردوني نكبة فلسطين عام 1948، مما ترك في داخله حزناً عميقاً وجرحاً غائراً عاش في صدره حتى آخر أيام حياته، فكتب لها مشجعاً الشعوب على النضال والجهاد لتحريرها من خلال قصيدته (يوم المعاد)، تجلت الروح القومية للبردوني من خلال أبياتها والتي يقول في مطلعها:
يا أخي يا ابن الفدى فيم التمادي
وفلسطين تنادي وتنادي؟
ضجت المعركة الحمراء.. فقم
نلتهب.. فالنور من نار الجهاد
ودعا داعي الفدى فلنحترق
في الوغى، أو يحترق فيها الأعادي
...
يا أخي يا ابن فلسطين التي
لم تزل تدعوك من خلف الحداد
عد إليها، لا تقل: لم يقترب
يوم عودي، قل: أنا "يوم المعاد"
عد ونصر العرب يحدوك وقل:
هذه قافلتي والنصر حادي
عد إليها رافع الرأس وقل:
هذه داري، هنا مائي وزادي
وهنا كرمي، هنا مزرعتي
وهنا آثار زرعي وحصادي
وهنا ناغيت أمي وأبي
وهنا أشعلت بالنور اعتقادي
هذه مدفأتي أعرفها
لم تزل فيها بقايا من رماد
صدر للشاعر عبد الله البردوني 12 ديواناً شعرياً من عام 1961 إلى عام 1994، منها: "أرض بلقيس"، و"رواغ المصابيح"، و"اليمن".
كتبت هذا المقال بذكرى مرور 27 عاماً على وفاة هذا الشاعر كفيف البصر، نيّر القلب والبصيرة، حيث توفي بتاريخ 30 أغسطس عام 1999، ودُفن بمقبرة (خزيمة) التابعة لمدينة صنعاء. ونقش محبو هذا الشاعر على شاهدة قبره قصيدته المشهورة (أحزان وإصرار)، حيث قال فيها:
شوطُنا فوق احتمال الاحتمال
فوق صبر الصبر، لكن لا انخذال
نغتلي، نبكي على من سقطوا
إنما نمضي لإتمام المجال
...
نحنُ هذي الأرض فيها نلتطي
وهي فينا عنفوان واقتتال
...
ثم ننسى الحزن بالحزن، ومن
يا ضياع الرّد – ينسينا السؤال؟

