تحولت حرب الإبادة التي شنها جيش الاحتلال "الإسرائيلي" على قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، على مدى ثلاث سنوات، من مواجهة عسكرية إلى اختبار واسع للسياسة الدولية، ولأداء الإعلام، وقدرة المجتمعات على مساءلة حكوماتها ومؤسساتها، وحدود التضامن الشعبي في مواجهة المصالح السياسية والاقتصادية.
في الوقت الراهن، تصل صور غزة وشهادات الفلسطينيين مباشرة إلى جمهور عالمي واسع، مدفوعة بحجم الحرب والدمار، والتغطية الصحفية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وانخراط جيل جديد في النقاش حول فلسطين.
معركة الوعي وكسر احتكار الرواية
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والباحث في الشؤون "الإسرائيلية" محمد هلسة أنّ السابع من أكتوبر دفع "إسرائيل" إلى ترسيخ رواية "حق الدفاع عن النفس" لتبرير الحرب على غزة، قبل أن تتراجع فاعليتها تدريجيًا مع اتساع الخسائر والدمار، وتتحول القضية الفلسطينية من ملف إقليمي إلى قضية حاضرة بقوة في النقاش العالمي.
ويبين هلسة في حديثه لـ "بوابة الهدف" أنّ التحولات التكنولوجية وانتشار الإنترنت وصعود جيل "زد" أسهمت في فتح مساحة جديدة لمعركة الوعي، إذ أصبح الفلسطيني في غزة شاهدًا ومنتجًا للصورة والمعلومة والرواية، فيما أتاحت الهواتف وشبكات التواصل الاجتماعي نقل الأحداث بصورة مباشرة ومتواصلة، ووصول الرواية الفلسطينية إلى قطاعات واسعة من الجمهور العالمي.
ويؤكد هلسة أنّ هذا التحول لا يعني هيمنة الرواية الفلسطينية أو انعكاس التغير الشعبي بصورة كاملة على سياسات الحكومات، لكنه كسر إلى حد كبير احتكار المؤسسات السياسية والإعلامية الكبرى لتحديد إطار النقاش حول فلسطين.
كلفة متصاعدة.. حراك ومقاطعة يلاحقان "إسرائيل"
ومع اتساع التحول في المواقف الشعبية تجاه الحرب، انتقل التضامن مع فلسطين من التظاهرات إلى المقاطعة والحركات الطلابية والنقابية والفعاليات الثقافية والأكاديمية، في محاولة لتحويل التعاطف إلى ضغط مؤسسي، وسط قيود متزايدة على هذا الحراك في عدد من الدول الغربية.
في هذا السياق، ترى الكاتبة الفلسطينية بيسان عدوان أنّ "تقييم أثر حركات المقاطعة يحتاج إلى قدر من الدقة؛ إذ يصعب القول إنها حاصرت الاقتصاد الإسرائيلي ككل، فيما لا يزال قياس تأثيرها الاقتصادي الشامل بحاجة إلى مزيد من الوقت"، مشيرةً إلى أنّ المقاطعة انتقلت في حالات عديدة من الهامش إلى المؤسسات والنقابات والجامعات والفعاليات الثقافية، لتصبح قضية سياسية ومؤسساتية أكثر حضورًا.
وتوضح عدوان في حديثها مع "بوابة الهدف" أنّ "حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات"BDS" أعلنت تحقيق حملاتها خلال عام 2026 انسحابات ومقاطعات في قطاعات ثقافية ومؤسساتية متعددة"، مشددة على أنّ هذه المعطيات تمثّل تقييم الحركة لأدائها، ولا تشكّل قياسًا مستقلًا لحجم الضرر الاقتصادي الذي لحق بـ"إسرائيل".
وترى الكاتبة أنّ الأثر الأوضح للمقاطعة يتمثّل في رفع كلفة التعامل مع "إسرائيل"، خصوصًا في المجال الثقافي: "فعندما تضطر مؤسسة إلى تفسير علاقتها بالكيان، أو يعيد فنان أو كاتب التفكير في مشاركته بفعالية أو مهرجان، تصبح المقاطعة مؤثرة في البيئة الثقافية حتى من دون إحداث ضرر اقتصادي شامل".
وفيما يتعلق بالتضييق على الاحتجاجات، تبين عدوان أنّ هذه السياسات رفعت كلفة التضامن من دون إنهاء الحراك المؤيد لفلسطين، مشيرةً إلى "توثيق منظمة العفو الدولية قيودًا متزايدة على الاحتجاج في دول أوروبية، بينها النمسا وألمانيا وبريطانيا، ومنها توقيف أكثر من 160 شخصًا خلال احتجاج مؤيد لفلسطين في بريطانيا في سبتمبر/أيلول ...، ارتبطت غالبية الحالات بإظهار الدعم لمنظمة Palestine Action"ً المحظورة".
وتضيف الكاتبة: "إنّ استمرار الاحتجاجات، إلى جانب الخلافات داخل الجامعات والفعاليات الثقافية، يعكس انتقال التضامن من الشارع إلى المؤسسات، كما أنّ التحول الأهم يتمثّل في تحوّل المواقف تجاه غزة إلى كلفة مؤسساتية داخل الجامعات وأماكن العمل والمهرجانات ووسائل الإعلام"، مشيرة إلى الضغوط التي واجهتها مؤسسات إعلامية، ومنها هيئة الإذاعة البريطانية "BBC" ، في سياق تغطيتها للحرب.
وترى عدوان أنّ غزة أسهمت كذلك في كسر احتكار المؤسسات السياسية والإعلامية الكبرى للرواية، بعدما أصبحت صور الحرب وشهادات الفلسطينيين والصحفيين تصل مباشرة إلى الجمهور العالمي عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
وتؤكد الكاتبة أنّ هذا التحول نتج عن تداخل الحرب والدمار والخسائر البشرية مع التغطية الصحفية والحملات السياسية والحقوقية والمحتوى المباشر من غزة، إلى جانب انخراط جيل "زد" في النقاش حول فلسطين.
وتخلص عدوان إلى أنّ "التحول الأهم يتمثّل في انتقال الفلسطيني من موقع المتلقي أو الموضوع الذي تتحدث عنه المؤسسات من الخارج إلى موقع الشاهد والمنتج للصورة والمعلومة والرواية، وهو ما أعاد تشكيل مساحة النقاش حول فلسطين، رغم بقاء تحويل هذا الوعي الشعبي إلى تأثير سياسي ومؤسساتي مباشر تحديًا قائمًا".
فلسطين توسّع ساحات الحراك
هذا التحول في الرأي العام تزامن مع انتقال التضامن مع فلسطين إلى ساحات أكثر ارتباطًا بالمؤسسات والسياسات العامة، من الجامعات والاتحادات الطلابية إلى المجال القانوني والحقوقي.
وفي هذا السياق، يرى الناشط السياسي الفلسطيني المقيم في فرنسا رامي شعث أنّ الحرب على غزة وسّعت ساحات المعركة حول القضية الفلسطينية، لتشمل الإعلام والجامعات والفضاء العام والمحاكم الدولية، بالتزامن مع اتساع الحراك الشعبي والحقوقي ومحاولات تقييد بعض الأصوات المتضامنة مع فلسطين في دول غربية.
ويشير شعث، انطلاقًا من تجربته الشخصية، إلى أنّ التضييق شمل ملاحقة ناشطين ومتضامنين في العديد من الدول الأوروبية والولايات الأمريكية، معتبرًا أنّ ذلك يطرح أسئلة حول حدود حرية التعبير والتجمّع والاحتجاج ومدى تطبيقها المعايير نفسها على مختلف القضايا.
ملاحقات وتضييقات على المتضامنين
ويستحضر شعث في حديثه مع "بوابة الهدف" تجربته مع الاعتقال والترحيل من مصر إلى فرنسا، إلى جانب القضايا والملاحقات التي واجهها لاحقًا على خلفية مواقفه، معتبرًا أنّ هذه التجارب تكشف، من وجهة نظره، عن فجوة بين المبادئ المعلنة لحرية التعبير وممارستها عندما تتصل بالقضية الفلسطينية.
وفي المقابل، يرى شعث أنّ "الجامعات الغربية أصبحت إحدى أبرز ساحات الحراك المؤيد لفلسطين، مع انتشار الاعتصامات والمخيمات والاحتجاجات، إلى جانب مطالب بمراجعة العلاقات الأكاديمية والاستثمارات المرتبطة بـإسرائيل".
ويشدد شعث على أنّ التحدي لا يكمن في اتساع التعاطف مع الفلسطينيين فقط، وإنما في تحويله إلى فعل سياسي وحقوقي مستمر، عبر الضغط على الحكومات، ودعم المبادرات الحقوقية، ومساءلة المؤسسات، والحفاظ على حضور القضية الفلسطينية في النقاش العام.
تحول في الشارع الأمريكي.. تنامي التعاطف مع الفلسطينيين
وتظهر إحدى أبرز مؤشرات التحول في الرأي العام الأمريكي؛ إذ أظهر استطلاع "غالوب" في فبراير/شباط 2026 تعاطف 41% من الأمريكيين مع الفلسطينيين مقابل 36% مع "الإسرائيليين"، مقارنة بـ 33% مقابل 46% عام 2025. كما ارتفعت نسبة المؤيدين لإقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى 57%، وهي من أعلى النسب المسجلة منذ 2003.
ولا يعني ذلك تحولًا في السياسة الأمريكية الرسمية، لكنه يعكس تغيرًا لافتًا في المزاج الشعبي تجاه القضية الفلسطينية.
"جبهات الإسناد".. اتساع المواجهة وارتفاع الكلفة الإقليمية
ومع اتساع حضور القضية الفلسطينية دوليًا، امتدت الحرب إلى ساحات إقليمية أخرى عبر ما عُرف بـ"جبهات الإسناد"، التي ربطت القتال في غزة بمواجهات في لبنان و اليمن والعراق، ووسّعت نطاق الحرب ورفعت الكلفة العسكرية والأمنية على الكيان الصهيوني.
ففي لبنان، دخل حزب الله في مواجهة مع "إسرائيل" إسنادًا لغزة كلّفته خسارة الصف الأول من قادته وفي مقدمتهم أمينه العام السيد حسن نصر الله ونائبه السيد هاشم صفي الدين، لكنها في المقابل دفعت إلى هجرة المستوطنين من مستوطنات شمال فلسطين المحتلة.
وعلى مدى جولتين من الحرب المفتوحة والنزيف المستمر في الجنوب وضاحية بيروت والبقاع، بينما نفّذ أنصار الله في اليمن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة واستهدفوا حركة الملاحة في البحر الأحمر، في حين استهدفت فصائل عراقية مواقع أمريكية و"إسرائيلية".
وفرضت هذه الجبهات على "إسرائيل" وحلفائها التعامل مع ساحات متعددة في وقت واحد، وربطت الحرب في غزة بتوازنات إقليمية أوسع. وفي المقابل، تكبدت هذه الجبهات خسائر بشرية ومادية كبيرة، بينها شهداء وإصابات وأضرار في البنية والمنشآت التابعة لها، خصوصًا في لبنان.
الكلفة الأكبر داخل غزة.. دمار واسع وخسائر بشرية هائلة
وبينما اتسعت الحرب إقليميًا، بقيت كلفتها الأكبر داخل غزة، حيث طال الدمار المنازل والمدارس والمستشفيات والمنشآت الاقتصادية والبنية التحتية، وأعاد تشكيل الحياة اليومية للسكان.
وبحسب تقييم أممي في يونيو/حزيران 2026، تضررت نحو 201 ألف منشأة، بينها أكثر من 134 ألفًا مدمرة، فيما تجاوزت الوحدات السكنية المتضررة 328 ألفًا، كما قدرت الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بـ71.4 مليار دولار، بينما تجاوز عدد الشهداء 74 ألفًا والجرحى 175 ألفًا وفق بيانات وزارة الصحة في غزة مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026.

