Menu

"يجب تحويل السابع من أكتوبر إلى مشروع وطني يحمي حقوق شعبنا وتضحياته"

حوارفي الذكرى الثالثة للطوفان: بوابة الهدف تحاور عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية محمود الراس

مهند فوزي أبو شمالة

خاص_بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

تحلُّ اليوم الذكرى الثالثة لمعركة "طوفان الأقصى"، والقضية الفلسطينية تقف عند أخطر وأدق منعطفاتها التاريخية والسياسية؛ محطّة أحدثت زلزالاً استراتيجياً أعاد تشكيل توازنات الصراع العربي–الصهيوني، وأسقطت أوهام السلام ومسارات التطبيع الهشة التي أريد منها خنق الحقوق الوطنية التاريخية لشعبنا ووضعها أدراج النسيان.

وخلال هذه السنوات، واصلت غزة كتابة تاريخ نضالي استثنائي بالدم والصمود، متصدية لمشروع إبادة وتدمير شامل يهدف إلى تصفية الوجود الفلسطيني وتهجير أهله وإعادة رسم خارطة القطاع الميدانية والسياسية. وفي قلب هذه المواجهة الضارية والمستمرة، تقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في خطوط الاشتباك الأولى، ميدانياً وسياسياً وشعبياً، متحملة مسؤولياتها الوطنية في التصدي للعدوان، وإسناد الصمود الشعبي، وصياغة الموقف الوطني الصلب في مواجهة كل المخططات والمشاريع التي تحاول الالتفاف على تضحيات الشعب الفلسطيني أو فرض ترتيبات لـ "اليوم التالي" من خارج الإرادة الوطنية.

في هذا الحوار الخاص مع "بوابة الهدف الإخبارية"، يضعنا الرفيق القائد محمود الراس، عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومسؤول فرعها في قطاع غزة، أمام قراءة سياسية وفكرية استراتيجية لمآلات المعركة، ورؤية الجبهة لحماية تضحيات شعبنا، وصياغة المستقبل السياسي الفلسطيني في مواجهة مشروع الإبادة والتوسع الصهيوني.

نص الحوار الصحفي الكامل:

المحور الأول: معركة "طوفان الأقصى" في ذكرى انطلاقها.. قراءة في التحول الاستراتيجي

1. تمر علينا الذكرى لتسجل نقطة تحول مفصلية في تاريخ الصراع العربي-الصهيوني؛ كيف تقرؤون اليوم الآثار الاستراتيجية والتاريخية التي أحدثتها معركة "طوفان الأقصى"؟

نحن أمام محطة انتقالية أعادت الصراع لسيرورته الأولى ولطبيعتها الأساسية كصراع على الوجود والكينونة والهوية، وأسقطت الكثير من الوقائع التي حاول الاحتلال وحلفاؤه تكريسها خلال العقود الماضية. ومن المهم ألا نقرأ السابع من أكتوبر باعتباره حدثاً منفصلاً عن السياق الذي سبقه، وكأنه بداية للصراع؛ فالصراع الفلسطيني الصهيوني ممتد منذ أكثر من قرن، وشعبنا خاض خلاله أشكالاً متعددة من المقاومة والنضال دفاعاً عن أرضه وحقوقه ووجوده. فالعدو الصهيوني، منذ أن وطأت أقدام أول مستوطن أرض فلسطين، سعى إلى حسم الصراع لصالح مشروعه الاستعماري الاستيطاني الإحلالي، مستنداً إلى دعم قوى الاستعمار القديم، ولاحقاً إلى قوى الإمبريالية المتوحشة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، وإلى شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية التي تعاملت مع فلسطين باعتبارها جزءاً من صراع أوسع على المنطقة وموقعها ومستقبلها، وليس باعتبارها قضية شعب له حقوقه الوطنية والتاريخية.

وخلال العقود الماضية، تراكمت السياسات والممارسات التي استهدفت فرض الاستسلام على شعبنا، ومقايضة الحقوق الوطنية بالحقوق الإنسانية والمعيشية (أو ما أسموه السلام الاقتصادي)، فيما واصل الاحتلال الاستيطان والضم والتهويد وفرض الوقائع على الأرض. وقبل السابع من أكتوبر، كان الاحتلال قد أغلق مختلف المسارات السياسية، واستمر في حصار شعبنا وخنقه، وارتكاب المجازر، والاعتداء على المقدسات، وتصعيد الاعتقالات، وانتهاك حقوق الأسرى، وصولاً إلى احتجاز جثامين الأسرى الذين ارتقوا نتيجة الإهمال الطبي وسياسات القتل والإعدام الممنهج. كما لم يتردد في التنصل من الاتفاقات والالتزامات القائمة، بما فيها تلك المجحفة أصلاً بحق شعبنا، كلما تعارضت مع مصالحه وسياساته.

وفي موازاة ذلك، شهدنا تراجعاً متواصلاً في الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، ومحاولات لإعادة تعريف الصراع وتجاوزه من خلال مشاريع مثل "صفقة القرن" واتفاقات "أبراهام" والإرهاب الديني بحق المقدسات الفلسطينية الإسلامية والمسيحية، بالتزامن مع إطلاق يد الاحتلال لتوسيع الاستيطان والضم والتهويد فيما تبقى من أراضي الضفة و القدس المحتلة. وهكذا وجد شعبنا نفسه أمام واقع يجري فيه التعامل مع حقوقه الوطنية بصلف مرتكز لقرارات الشرعية الدولية باعتبارها حقوقاً قابلة للمساومة، فيما يُطلب منه التعايش مع الاحتلال وقبول الأمر الواقع.

في هذا السياق، جاء السابع من أكتوبر كمعركة من معارك شعبنا وكمحطة نضالية في مواجهة الاحتلال، وليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وجاءت في سياق تاريخ طويل من المقاومة والنضال الفلسطيني. ومن هذه الزاوية، لا يمكن فصلها عن حالة الانسداد السياسي التي وصلت حدود فرض الشروط على المصالحة الفلسطينية/الفلسطينية، والاستمرار في الاحتلال والحصار والاستيطان والعدوان، وعن إغلاق الأفق أمام أي معالجة حقيقية لجذور الصراع.

لقد أعادت حرب الإبادة القضية الفلسطينية إلى واجهة المشهد، وأكدت أن كل محاولات تهميشها أو تصفيتها أو تجاوزها من خلال التطبيع والترتيبات الإقليمية والاقتصادية والأمنية لم تستطع إنهاء الصراع، أمام الطبيعة الإجرامية للعدو وحكوماته الفاشية المتعاقبة. والأهم أنها أعادت الصراع إلى طبيعته الأساسية باعتباره صراعاً على الأرض والحقوق والوجود، بعدما حاول الاحتلال وحلفاؤه لسنوات طويلة اختزاله في قضايا أمنية وإدارية ومعيشية وإبقائه في إطار إدارة الأزمة بدلاً من معالجة جذورها.

وهنا لا بد من التوقف عند مسؤولية الاحتلال وشركائه عن إنتاج البيئة التي سبقت السابع من أكتوبر. فالسياسات التي اتُبعت تجاه شعبنا، من الحصار والاستيطان والضم والتهويد والعدوان المتواصل والتنكر للحقوق الوطنية، إلى جانب الدعم السياسي والعسكري الذي وفرته قوى دولية للاحتلال، أسهمت في إغلاق المسارات السياسية ودفع الصراع إلى الانفجار. وهذا لا يلغي طبيعة ما جرى في السابع من أكتوبر ولا يختزل تعقيداته، لكنه يضعه في سياقه التاريخي والسياسي الصحيح، بعيداً عن الرواية التي تحاول تقديمه كحدث منفصل عن عقود الاحتلال والقمع والتنكر لحقوق شعبنا.

وفي المقابل، جاءت حرب الإبادة الواسعة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة لتكشف بصورة أكثر وضوحاً طبيعة الاحتلال وحجم الانحياز الدولي له، ولتضع العالم أمام حقيقة أن ما يجري ليس مجرد جولة عسكرية عابرة، وإنما مواجهة مفتوحة حول مستقبل شعب وأرض وحقوق. ونحن في الجبهة لا نقرأ نتائج السابع من أكتوبر بمعزل عن الكلفة الهائلة التي دفعها شعبنا، من الشهداء والجرحى والمفقودين والأسرى والنازحين، ومن التدمير الواسع الذي طال البيوت والمؤسسات والبنية التحتية ومقومات الحياة في قطاع غزة. ولا يمكن أن نقرأ السابع من أكتوبر بمعزل عن السياق التاريخي للصراع العربي الصهيوني، والبيئة السياسية والأمنية والاقتصادية والدولية التي حاولت فرض الاستسلام على شعبنا عبر محاولة فرض قرارات أحادية الجانب من قبل حلفاء العدو وشركائه الميدانيين والسياسيين في العالم.

وعلى المستوى الإقليمي والدولي، أحدثت حرب الإبادة تحولاً واضحاً في موقع القضية الفلسطينية. فقد عادت فلسطين إلى مركز الاهتمام السياسي والشعبي العالمي، وبرزت في قطاعات واسعة من المجتمعات، خصوصاً بين الشباب والحراكات الشعبية، مساحة أكبر للتضامن مع الشعب الفلسطيني وحقوقه، ولطرح أسئلة جدية حول سياسات الاحتلال والدعم الذي يحظى به. كما تراجعت قدرة الاحتلال على احتكار الرواية وتقديم نفسه بوصفه الطرف الذي يملك وحده تعريف طبيعة الصراع. لكن هذا التحول في الرأي العام لا يكفي وحده، والتحدي يتمثل في تحويله إلى ضغط سياسي وقانوني ودولي مستمر، وإلى مواقف عملية تحمي حقوق شعبنا وتواجه سياسات الاحتلال.

كما أظهر السابع من أكتوبر، رغم الكلفة الهائلة، أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يلغي قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود والمقاومة، وأن محاولة فرض واقع جديد بالقوة لا تنهي الصراع ولا تلغي حقوق الشعب الفلسطيني. وفي الوقت نفسه، كشفت التجربة أن استمرار المواجهة بهذه الكلفة يفرض على القوى الفلسطينية مسؤولية أكبر في حماية المجتمع وتعزيز صموده، وفي تطوير أدوات العمل الوطني والسياسي واستنهاض الحالة الوطنية والشعبية، وعدم السماح بتحويل التضحيات الكبيرة إلى استنزاف مفتوح من دون أفق وطني واضح.

لذلك، فإن الأثر الاستراتيجي للسابع من أكتوبر لا يكمن فقط فيما حدث في ذلك اليوم، وإنما في التحولات التي أحدثها، وفي الأسئلة التي أعاد طرحها حول مستقبل الصراع، ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وشكل العلاقة مع الإقليم والمجتمع الدولي. لقد تغيرت الكثير من المعادلات، ولم يعد ممكناً التعامل مع الواقع وكأن شيئاً لم يحدث أو العودة ببساطة إلى الصيغ التي سبقت هذه المرحلة.

لكننا في الجبهة نرى أن هذا التحول لا يتحقق تلقائياً، وإنما يتوقف على قدرة الشعب الفلسطيني وقواه السياسية على استخلاص دروس المرحلة، وحماية وحدة شعبنا وأرضنا وقضيتنا، وبناء رؤية وطنية مشتركة، ومنع الاحتلال أو أي قوى خارجية من توظيف نتائج الحرب لإعادة صياغة الوعي الجمعي والمشهد الفلسطيني بما يخدم مصالحها.

ومن هنا، فإن المهمة الأساسية في المرحلة المقبلة هي تحويل ما حمله السابع من أكتوبر من أحداث ووقائع إلى مشروع وطني فلسطيني يحمي حقوق شعبنا وتضحياته، ويعيد بناء النظام السياسي على قاعدة الشراكة الوطنية، ويواجه محاولات الوصاية أو فرض الترتيبات الخارجية، ويضع حداً لحالة الانقسام والتفرد، ويعيد بناء منظمة التحرير ومؤسساتها على أساس التمثيل الوطني الشامل؛ فالمطلوب ليس العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر، ولا إعادة إنتاج المعادلات التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة، وإنما الإشادة بتضحيات المقاومين الأبطال، واستخلاص دروسها وبناء مرحلة وطنية جديدة أكثر قدرة على حماية شعبنا وحقوقه ومواجهة المشروع الصهيوني.

2. على الصعيد الإقليمي والدولي، أعادت المعركة وضع القضية الفلسطينية كأولوية على أجندة العواصم العالمية وهشمت مسارات التطبيع الإقليمي؛ كيف ترون هذا التحول الاستراتيجي والتغير في الرأي العام العالمي والأممي؟

من أبرز نتائج حرب الإبادة أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، بعدما سعت قوى دولية وإقليمية إلى دفعها إلى هامش الأجندة السياسية، والتعامل معها باعتبارها قضية قابلة للحسم على حساب الحقوق الفلسطينية لصالح العدو الصهيوني.

لقد كشفت الحرب حجم التناقض بين الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان والديمقراطية والقانون الدولي، وبين الموقف العملي من حرب الإبادة في غزة. وفي الوقت نفسه، أظهرت الصور والمشاهد القادمة من غزة، والصمود الشعبي الفلسطيني، حجم التحول في الرأي العام العالمي، خصوصاً لدى قطاعات واسعة من الشباب والجامعات والنقابات والحراكات الشعبية في أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأفريقيا وغيرها.

وهذا التحول مهم، لكنه لا ينبغي أن يُفهم على أنه مجرد تحول إعلامي أو أخلاقي. إن أهميته السياسية تكمن في أنه أعاد بناء صورة الفلسطيني في الوعي العالمي باعتباره شعباً يناضل من أجل حريته وحقوقه، وليس مجرد ملف إنساني أو أمني، وهو ما كان ولا يزال بالإمكان البناء عليه ومراكمته، لو توفرت قيادة وطنية موحّدة تعمل على استثمار هذا الحراك وتوظيفه في جهد دبلوماسي وقانوني ودولي وسياسي منظم. أما مسار التطبيع، فقد كشفت الحرب محدوديته الاستراتيجية؛ لأن الاتفاقات الرسمية بين الحكومات لا تستطيع إلغاء القضية الفلسطينية ولا تغيير وعي الشعوب العربية. وقد أثبتت الأحداث أن أي ترتيبات إقليمية تتجاوز حقوق الشعب الفلسطيني ستبقى هشة وقابلة للانفجار.

لكن مسؤوليتنا الفلسطينية والعربية تتمثل في البناء على هذا التحول، وليس الاكتفاء به. المطلوب تحويل التضامن العالمي المتنامي إلى ضغط سياسي وقانوني واقتصادي مستمر على الاحتلال، وإلى حماية فعلية للحقوق الوطنية الفلسطينية، وليس مجرد بيانات تضامن أو مواقف رمزية.

3. أظهرت حرب الإبادة التلاحم الميداني بين الفصائل الفلسطينية وتكامل جبهات محور المقاومة؛ كيف أثرت هذه التجربة الميدانية المعمدة بالدم على إرساء معادلة جديدة للتصدي لمشروع الإبادة والتوسع الصهيوني؟

أحد أهم دروس المعركة هو أن الاحتلال واجه بيئة مقاومة أكثر تعقيداً وإصراراً على البقاء والصمود من عموم أبناء شعبنا وتكاملاً للجهد الشعبي مع قوى المقاومة وعناصرها عما اعتاد عليه، وأن قدرة أي طرف فلسطيني منفرد على مواجهة المشروع الصهيوني محدودة، بينما تتضاعف القدرة على الصمود والمواجهة عندما تتكامل القوى الفلسطينية ضمن رؤية وطنية مشتركة. وقد أثبتت تجربة الميدان أن وحدة المقاومة الفلسطينية، والتنسيق بين قواها، وتكامل ساحات المواجهة، فرضت على الاحتلال وحلفائه حسابات جديدة. وهذه التجربة، بكل ما رافقها من تضحيات وثغرات، أكدت أن المقاومة هي عنصر من عناصر حماية القرار الوطني ومنع فرض الوقائع بالقوة. لكننا نؤكد في الوقت نفسه أن المطلوب فلسطينياً هو الارتقاء من مستوى التلاحم الميداني إلى مستوى الوحدة السياسية والاستراتيجية؛ فالمقاومة بحاجة إلى توحيد الشكل النضالي في جبهة مقاومة موحدة تحدد تكتيكات المقاومة متى وكيف وأين نقاوم، وأن نتشارك جميعاً في الإقرار بشكل المعركة وأدواتها، ونوزع أحمالها ونتائجها الثقيلة على أنفسنا، كما أنها بحاجة إلى غطاء وطني جامع.

كما أن تجربة الحرب أثبتت أن تعدد ساحات المواجهة يمكن أن يفرض كلفة على المشروع الصهيوني، لكنه في المقابل يتطلب قراءة دقيقة للموازين والظروف، وربط أي تحرك عسكري بهدف سياسي وطني واضح، حتى لا تتحول التضحيات إلى استنزاف مفتوح بلا أفق سياسي.

وبالنسبة للجبهة الشعبية، فإن جوهر المعادلة الجديدة يتمثل في امتلاك الشعب الفلسطيني لعناصر قوة حقيقية، وفي مقدمتها المقاومة والوحدة والصمود الشعبي والقدرة على بناء شبكة عربية ودولية داعمة، بما يمنع الاحتلال من فرض الاستسلام على شعبنا.

المحور الثاني: وضع القضية الفلسطينية الراهن ومواجهة حرب الإبادة ومخططات التهجير

1. تتزامن الذكرى مع استمرار حرب الإبادة والتدمير الشامل والتهجير القسري؛ كيف تقرأون صمود الحاضنة الشعبية والمقاومة في غزة، وما رؤيتكم لإفشال محاولات رسم "اليوم التالي" وفق الأجندات الصهيونية والأمريكية؟

الصمود الشعبي في غزة هو أحد أهم المرتكزات التي يستند إليها الشعب الفلسطيني في إطار مقاومته للمحتل ودفاعاً عن وجوده، كما أنه أهم الإنجازات الوطنية التي أفرزتها هذه الحرب. فبعد كل ما تعرض له القطاع من قتل ودمار ونزوح وتجويع واستهداف للمؤسسات والمرافق، بقي الفلسطيني متمسكاً بأرضه وحقه في البقاء عليها. وهذا الصمود نعتبره في الجبهة فعلاً سياسياً وطنياً بحد ذاته؛ لأن بقاء الفلسطيني في أرضه وإفشال التهجير يمثلان شرطاً أساسياً لإفشال مشروع الاحتلال. ومن هنا، فإن الجبهة ترفض كل التصورات التي تتعامل مع غزة باعتبارها فراغاً سياسياً يمكن ملؤه بإدارة خارجية، أو وصاية دولية، أو ترتيبات أمنية، أو إدارة تكنوقراطية يجري فرضها من الخارج. كما نرفض تحويل إعادة الإعمار إلى أداة سياسية لفرض شروط على شعبنا أو نزع سلاح الشعب الفلسطيني أو إعادة إنتاج الوصاية على القرار الوطني.

إن "اليوم التالي" يجب أن يكون فلسطينياً، لا صهيونياً ولا أمريكياً ولا دولياً بالمعنى الوصائي. وهذا لا يعني رفض الدور العربي والدولي في إعادة الإعمار أو الدعم السياسي والإنساني، وإنما يعني أن هذه الأدوار يجب أن تكون داعمة للإرادة الفلسطينية وليست بديلاً عنها.

وفي تقديرنا، فإن منع مخطط "اليوم التالي" يمر عبر أربعة مسارات متلازمة:

  1. تثبيت بقاء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وإفشال أي تهجير أو نزوح دائم.

  2. الحفاظ على وحدة غزة والضفة والقدس باعتبارها وحدة سياسية وجغرافية ووطنية واحدة.

  3. إنهاء الانقسام من خلال حوار وطني شامل تتشارك فيه جميع القوى الفلسطينية، بما فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، باعتبارهما مكونين أصيلين من مكونات الشعب الفلسطيني.

  4. تعزيز صمود أبناء شعبنا، وتخفيف معاناتهم بكل السبل. وضرورة التعامل مع إلحاحية هدف إعادة الإعمار باعتبارها استحقاقاً مرتبطاً بتشديد الضغط على الإرادة الدولية لسرعة إنجازه، مع التأكيد على أن الشعب الفلسطيني لا يملك وحده أدوات التحكم بمسار الإعمار أو شروطه، وهو ما يفرض وطنياً بلورة موقف فلسطيني موحد تجاه آلياته وأولوياته، وضمان ألا يتحول الإعمار إلى مدخل للوصاية أو لابتزاز شعبنا، أو لإعادة إنتاج الانقسام أو فرض ترتيبات سياسية وأمنية من الخارج، والعمل على ربطه بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية ووحدة المؤسسات والقرار.

لقد أثبتت تجربة الجبهة في غزة خلال الحرب أن العلاقة مع المجتمع لا تُبنى بالشعارات فقط، وإنما بالحضور إلى جانب الناس، وبالمبادرات الإغاثية والاجتماعية والتنظيمية، وبالقدرة على الاستمرار في أصعب الظروف.

2. يواجه شعبنا في الضفة والقدس تصعيداً استيطانياً وضمّاً متسارعاً للتمهيد لحسم الصراع؛ كيف يمكن ترجمة مكتسبات "طوفان الأقصى" الوطنية لمواجهة المخطط الصهيوني الشامل على كامل التراب الوطني؟

معركة الشعب الفلسطيني مستمرة منذ ما قبل إعلان هذا الكيان عن دولته الطارئة الإجرامية؛ واليوم هذه المعركة لم تعد محصورة في غزة، والاحتلال نفسه يتعامل مع الجغرافيا الفلسطينية باعتبارها ساحة واحدة لمشروع واحد. لذلك فإن مواجهة الاستيطان والضم والتهجير في الضفة والقدس لا يمكن فصلها عن مواجهة حرب الإبادة في غزة.

ولذلك فإن المطلوب أولاً إعادة توحيد الساحة الفلسطينية سياسياً وميدانياً؛ فلا يمكن أن يواجه شعبنا مشروعاً صهيونياً موحداً بأدوات فلسطينية مجزأة. كما يجب الانتقال من ردود الفعل إلى استراتيجية وطنية متكاملة تشمل المقاومة الشعبية والميدانية، وتعزيز صمود المواطنين، وحماية القرى والمخيمات والمناطق المهددة بالمصادرة، وتوسيع الاشتباك السياسي والقانوني والدولي مع منظومة الاستيطان والضم.

والأهم أن "طوفان الأقصى" أعاد التأكيد على حقيقة أساسية: لا يوجد حل جزئي للقضية الفلسطينية؛ فالاحتلال يتعامل مع الشعب الفلسطيني والأرض الفلسطينية كوحدة واحدة، وبالتالي يجب أن تكون المواجهة الوطنية كذلك. ومن هنا تأتي ضرورة مواصلة الجهود من أجل ترتيب البيت الفلسطيني، وإعادة بناء منظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع، وتشكيل قيادة وطنية موحدة تستطيع وضع استراتيجية مشتركة لمواجهة الاحتلال، بدلاً من استمرار تعدد المرجعيات ومراكز القرار. وهذا كله لن يتحقق إلا من خلال الذهاب إلى حوار وطني شامل بحضور الكل الوطني.

3. كيف تصفون مظاهر التلاحم المجتمعي في قطاع غزة، والتي عايشتموها عن قرب، وكيف تشكل الحاضنة الشعبية صمام الأمان الرئيسي للبنية الوطنية في قطاع غزة؟

هذا ليس غريباً على الشعب الفلسطيني، وفي إطار ذلك فإن الحاضنة الشعبية في غزة لم تكن عاملاً مساعداً للمقاومة فقط، وإنما كانت جزءاً من القدرة الوطنية على البقاء والاستمرار. وخلال الحرب، رأينا كيف تحولت العائلة والحي والمخيم والجامعة والنقابة والمؤسسة الأهلية إلى شبكات تضامن وصمود. ورغم النزوح والدمار والانهيار الاقتصادي، بقيت لدى المجتمع قدرة على تنظيم نفسه وإسناد الفئات الأشد تضرراً، والتصدي لأي محاولات ومخططات للمساس بالهوية الوطنية.

وقد شكلت المبادرات الشعبية والإغاثية التي شاركت فيها الجبهة وغيرها من القوى الوطنية جزءاً من هذا التماسك، ووجهت رسالة صمود وبقاء في مواجهة مخططات التهجير والتجويع مما أفشل "خطة الجنرالات" ومخططات إعادة الاستيطان حتى اللحظة، عبر دعم الأسر المتضررة، وكفالات الأيتام، ومبادرات العمل التطوعي؛ فالحاضنة الشعبية كانت دوماً الخزان البشرية للمقاومة، وصاحبة المصلحة الأساسية في المشروع الوطني، وبالتالي يجب أن تكون شريكاً في صياغة المستقبل السياسي.

ومن الخطأ اختزال المجتمع الغزي في معادلة "مقاومة في مقابل سلطة"، أو التعامل معه باعتباره مجرد متلقٍ للمساعدات. غزة تحتاج إلى إعادة بناء المجتمع والمؤسسات وتوفير مقومات الحياة واستعادة الحياة السياسية، وإلى إشراك الشباب والنساء والنقابات والمثقفين والمهنيين والفعاليات الاجتماعية في صياغة المرحلة المقبلة.

المحور الثالث: ترتيب البيت الداخلي والانتخابات وهيكلة النظام السياسي

1. رغم كل هذه التضحيات النضالية في غزة والضفة، يُثار الجدل مجدداً حول استحقاق الانتخابات وآلياتها المطروحة؛ كيف ترون في الجبهة إجراء انتخابات بتوجه منفرد وتحت سقف الاشتراطات الدولية بدلاً من جعلها استحقاقاً توافقياً يعبر عن إرادة الشعب والمقاومة؟

الجبهة الشعبية لم تكن يوماً ضد الانتخابات، بل على العكس من ذلك، فإنها تعتبر الانتخابات استحقاقاً وطنياً وديمقراطياً أصيلاً للشعب الفلسطيني تأخر كثيراً عن موعده الدستوري، وأداة أساسية لتجديد الحياة السياسية والمؤسسات، وسلاحاً من أسلحة مواجهة الاحتلال الصهيوني؛ لكننا نرفض تحويل الانتخابات إلى سياسة استخدامية لخدمة هذا الطرف أو ذاك، أو التعامل معها كإجراء تقني لتجديد الشرعية بعيداً عن الكل الوطني، وبشكل منفصل عن الأزمة الوطنية الكبرى التي يعيشها شعبنا.

ولذلك فإن السؤال ليس: هل نريد انتخابات أم لا؟ السؤال هو: أي انتخابات؟ ولأي نظام سياسي؟ وتحت أي شروط؟ وبأي ضمانات؟ وما الذي سيحدث في اليوم التالي لإعلان النتائج؟

لقد سبق أن خضنا تجارب انتخابية لم تمنع الانقسام، بل جاءت النتائج في بعض الحالات لتصبح مدخلاً لصراع جديد على الشرعية والمؤسسات. ولذلك لا يجوز إعادة إنتاج التجربة نفسها وانتظار نتيجة مختلفة.

الجبهة ترى أن الانتخابات يجب أن تكون جزءاً من عملية سياسية وطنية متكاملة تبدأ بالحوار الوطني الشامل المستند لمبدأ الشراكة الوطنية. الشراكة التي تمثل توزيع التكاليف لا الغنائم والمكتسبات والمقاعد، وتهيئة البيئة السياسية والقانونية، والاتفاق على احترام النتائج، ومنع تعطيلها أو الالتفاف عليها، وربطها بإعادة بناء مؤسسات النظام السياسي ومنظمة التحرير. والانتخابات لا يمكن أن تكون مشروطة بقبول المجتمع الدولي أو الاحتلال بنتائجها؛ فالشرعية مصدرها الشعب الفلسطيني، وليس أي عاصمة خارجية.

وفي الوقت نفسه، فإن الذهاب إلى انتخابات من دون توافق وطني مسبق على قواعد التعددية القائمة على الشراكة، لا على الصراع، والمستندة إلى التمثيل العادل والشامل، سيجعلها عرضة للاستثمار الخارجي، ولإعادة إنتاج الانقسام، وربما لتحويلها إلى أداة جديدة للصراع الداخلي.

ولهذا جاءت مبادرة الجبهة للإنقاذ الوطني، لا بهدف مصادرة الحق الديمقراطي، وإنما لتهيئة البيئة السياسية والوطنية التي تجعل الانتخابات وسيلة لإعادة بناء النظام السياسي، لا وسيلة لإعادة إنتاج أزمته. وقد صيغت رؤية الجبهة على أساس أن الانتخابات جزء من عملية أوسع لتجديد الشرعيات، وليست بديلاً عن الحوار أو إعادة بناء منظمة التحرير.

2. هل ترون أن الشرعية الحقيقية التي صاغها الميدان والدم الفلسطيني فرضت ضرورة وجود مرحلة انتقالية وتوافق وطني جامع يسبق أي استحقاق تشريعي، للقطع مع سياسات الهيمنة والتفرد؟

نعم، نحن أمام حاجة موضوعية إلى مرحلة وطنية انتقالية محددة المهام والمدة، وليس إلى مرحلة مفتوحة أو بديل دائم عن الديمقراطية؛ فالمرحلة الانتقالية المطلوبة ليست لتأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، وإنما لإعادة بناء الشروط التي تجعل الانتخابات قادرة على إنتاج شرعية وطنية حقيقية.

وتقوم هذه المرحلة، في تصور الجبهة، على الحوار الوطني الشامل، وإنهاء الانقسام، وتشكيل إطار قيادي وطني مؤقت ومتوافق عليه عند الحاجة، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير، وتوحيد المؤسسات، وإقرار القواعد القانونية والسياسية للانتخابات، ثم الذهاب إلى انتخابات شاملة وحرة. ويجب أن تكون هذه المرحلة محددة زمنياً، ومحددة المهام، وتخضع للرقابة والمساءلة الوطنية، حتى لا تتحول إلى ذريعة لاستمرار الوضع القائم. أما الشرعية، فهي لا تُستمد من السيطرة على مؤسسة أو من قرار منفرد، وإنما من الشعب ومن التوافق الوطني ومن القدرة على تمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات. ولهذا ترفض الجبهة التعيينات الأحادية في مؤسسات منظمة التحرير وعبرت عن رفضها بشكل واضح لتشكيل ما يُسمى "المجمعات الانتخابية" في بعض الدول العربية والغربية، وتدعو إلى إعادة بناء الانتخابات وآليات تنفيذها من خلال اتفاق وطني، وعلى قاعدة التمثيل الديمقراطي والشراكة، بما يشمل جميع مكونات الشعب الفلسطيني.

المحور الرابع: مبادرة الجبهة الشعبية للإنقاذ الوطني والحوار الفصائلي

1. بالتزامن مع الذكرى، طرحت الجبهة الشعبية "مبادرة للإنقاذ الوطني"؛ كيف تفتح هذه المبادرة مساراً عملياً لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أساس الميثاق الوطني وصياغة برنامج سياسي موحد؟

مبادرة الإنقاذ الوطني جاءت من تشخيص واضح للأزمة: نحن لا نواجه فقط احتلالاً وحرب إبادة، وإنما نواجه في الوقت ذاته أزمة في النظام السياسي الفلسطيني، وانقساماً طال أمده، وتراجعاً في مكانة منظمة التحرير، وتعدداً في مراكز القرار، وانفصالاً بين المؤسسات السياسية وبين قطاعات واسعة من شعبنا رفع من الكلفة التي يدفعها شعبنا في مواجهة الإرهاب الصهيوني المستمر في غزة والضفة والقدس والداخل المحتل. لذلك لا تقدم المبادرة الانتخابات باعتبارها نقطة البداية الوحيدة، وإنما تضعها في سياق أوسع لإعادة بناء النظام السياسي.

والمدخل الأول هو الحوار الوطني الشامل، بحيث تجلس جميع القوى والتيارات الفلسطينية دون إقصاء أو اشتراطات مسبقة، بما فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، لأن تجاوز أي مكون فلسطيني رئيسي يعني عملياً إعادة إنتاج الأزمة. بعد ذلك يأتي الاتفاق على مرحلة انتقالية محددة، وإعادة بناء منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي والوطني الجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.

وتقترح رؤية الجبهة في هذا المجال توسيع قاعدة التمثيل داخل المنظمة، وإجراء انتخابات للمجلس الوطني وفق التمثيل النسبي الكامل حيثما أمكن، واعتماد التوافق الوطني حيث يتعذر إجراء الانتخابات، ورفض التعيين الأحادي، وصولاً إلى قيادة وطنية انتقالية محددة المهام والمدة إذا اقتضت الحاجة.

والهدف النهائي ليس إعادة توزيع الحصص بين القوى، ولا إنتاج محاصصة جديدة، وإنما إعادة بناء الحركة الوطنية على أساس الشراكة والتمثيل الديمقراطي ووحدة القرار والبرنامج السياسي المقاوم للاحتلال.

إن المنظمة التي نريدها هي منظمة تستوعب الكل الفلسطيني، وتعيد الاعتبار للمؤسسات الوطنية، وتربط بين الداخل والشتات، وتستند إلى برنامج سياسي موحد يحمي الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها الحرية والاستقلال والعودة وتقرير المصير.

2. كيف لمستم التعاطي الفصائلي مع المبادرة خلال الحوارات واللقاءات التشاورية لإنهاء الانقسام؟ وما الخطوات العملية التي تنفذها الجبهة في غزة والساحات الأخرى لبناء حاضنة شعبية وجماهيرية تفرض هذه المبادرة على الجميع؟

يمكن القول إن المبادرة استطاعت أن تفتح نقاشاً يتجاوز الاصطفافات التقليدية حول الانتخابات والانقسام، وأن تدفع باتجاه وضع الحوار الوطني والشراكة وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني في قلب النقاش السياسي. والأهم أن جوهر المبادرة بدأ يجد مساحة أوسع في النقاش الفلسطيني، بما يؤكد أن المشكلة لم تعد في الحاجة إلى الحوار، وإنما في كيفية تحويل هذه الحاجة إلى قرار سياسي وآليات تنفيذ ملزمة.

والجبهة لا تتعامل مع المبادرة باعتبارها وثيقة تُسلَّم إلى الفصائل ثم تنتظر ردودها، وإنما باعتبارها مساراً سياسياً وجماهيرياً يجب أن يتحول إلى حالة وطنية واسعة. وقد لمسنا ردوداً إيجابية على المبادرة سواء من القوى داخل منظمة التحرير أو خارجها، أو مختلف مكونات أبناء شعبنا.

ولهذا تعمل الجبهة في غزة والضفة والساحات الأخرى على عدة مستويات:

  • أولاً: مواصلة الحوار الثنائي والجماعي مع مختلف القوى السياسية، وعدم حصر الحوار في طرفين أو ثلاثة، لأن إنهاء الانقسام يحتاج إلى تفاهم فلسطيني شامل.

  • ثانياً: توسيع النقاش حول المبادرة في الأطر الشعبية والمجتمعية والشبابية والنسوية والنقابية والمهنية والجامعية، حتى لا يبقى الحوار ملكاً للنخب السياسية وحدها. وقد بدأت الجبهة بالفعل في عقد لقاءات سياسية وجماهيرية حول المبادرة، بما في ذلك لقاءات مع الشباب والطلبة لبحث مضمونها ودورهم في المرحلة المقبلة.

  • ثالثاً: تحويل المبادرة من مجرد موقف سياسي إلى برنامج تعبئة وطنية، بحيث يعرف المواطن لماذا تحتاج فلسطين إلى الحوار، ولماذا تحتاج إلى إعادة بناء منظمة التحرير، ولماذا لا يجوز أن تتحول الانتخابات إلى معركة جديدة على الشرعية.

  • رابعاً: مواصلة الاستعداد لكل الاحتمالات. فالجبهة لا تتعامل مع الانتخابات باعتبارها أمراً ملغى أو مؤجلاً إلى أجل غير معلوم، بل تواصل بناء قدراتها الانتخابية والجماهيرية والتنظيمية وقد شكلت لجان انتخابية بكافة تفريعاتها في سبيل الجهوزية التامة للاستحقاق الانتخابي، وباعتبار أن الاستعداد للانتخابات لا يتعارض مع المطالبة بتهيئة البيئة الوطنية لإجرائها. وقد أكدت المحددات الانتخابية للجبهة استمرار عمل اللجان وتراكم الخبرة حتى في حال تأجيل الاستحقاق، باعتبار العمل الانتخابي عملية تنظيمية وسياسية مستمرة.

  • خامساً: بناء أوسع شبكة اتصال مع المجتمع الفلسطيني، وعدم الاكتفاء بالقواعد التنظيمية للجبهة، وإنما الانفتاح على المستقلين والشخصيات الاعتبارية والقطاعات الشبابية والنسوية والمهنية والنقابية، لأن تحويل الرؤية السياسية إلى قوة وطنية يحتاج إلى حضور الاجتماعي حقيقي.

وفي النهاية، فإن الجبهة لا تريد فرض مبادرتها بالقوة على أحد، وإنما تريد أن تجعلها الخيار الوطني الأكثر إقناعاً والأكثر تعبيراً عن حاجات شعبنا؛ فحين يصبح الحوار مطلباً شعبياً، والشراكة مطلباً وطنياً، وإعادة بناء المنظمة ضرورة سياسية ووجودية، يصبح من الصعب على أي طرف الاستمرار في إدارة الانقسام أو احتكار القرار.

الخلاصة:

بعد ثلاثة أعوام على «طوفان الأقصى»، قدّم شعبنا تضحياتٍ عظاماً، ودفع أثماناً باهظة من الدماء، وكلفةً اجتماعية لا تقلّ فداحةً عما دُمّر وأُحرق من مقومات الحياة والمؤسسات والمدن والمخيمات. نحن أمام مشهد فلسطيني مختلف بصورة جوهرية عما كان عليه قبل السابع من أكتوبر. لقد انكشفت طبيعة المشروع الصهيوني الإجرامي، وأثبت شعبنا قدرته على الصمود والمقاومة، واستعاد من خلال ذلك مكانة القضية الفلسطينية وموقعها الرمزي.

ومن هنا فإن المهمة الفلسطينية اليوم لا تتمثل فقط في الصمود أمام الحرب، وإنما في منع سرقة نتائج التضحيات الفلسطينية سياسياً. لا يجوز أن يتحول الدمار إلى ذريعة للتهجير، ولا إعادة الإعمار إلى بوابة للوصاية، ولا الانتخابات إلى وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام، ولا منظمة التحرير إلى مؤسسة محتكرة من طرف واحد، ولا المقاومة إلى ذريعة لإقصاء مكونات الشعب الفلسطيني. المطلوب هو الانتقال من مرحلة إدارة الانقسام إلى مرحلة إعادة بناء المشروع الوطني؛ عبر حوار وطني شامل، وشراكة سياسية، وإعادة بناء منظمة التحرير، وقيادة وطنية موحدة، وانتخابات حرة ونزيهة في إطار توافق وطني، واستراتيجية مقاومة وسياسة وطنية قادرة على مواجهة الاحتلال ومشاريعه.

وهذا هو جوهر مبادرة الجبهة للإنقاذ الوطني: إنقاذ النظام السياسي قبل أن ينهار أكثر، واستعادة وحدة الحركة الوطنية، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير، وحماية المقاومة، وصون القرار الوطني المستقل، وصولاً إلى انتخابات حرة وشاملة تعبّر فعلاً عن إرادة الشعب الفلسطيني بكل مكوناته وفي كل أماكن وجوده.

إن شعبنا الذي استطاع أن يصمد في وجه حرب الإبادة قادر على إعادة بناء حياته السياسية، بشرط أن تتقدم المصلحة الوطنية على الحسابات الفصائلية، وأن تتحول تضحيات غزة والضفة والقدس وكل ساحات شعبنا إلى قاعدة لإعادة بناء الوحدة الوطنية، لا إلى وقود لصراع فلسطيني جديد.

3. كيف تنظر الجبهة إلى حرية التفكير والتعبير والنقد، وما الذي يميز رؤيتها في مواجهة ثقافة التلقين والتخوين والإقصاء في الحياة السياسية والمجتمعية؟

في ثقافتنا التنظيمية، لا مكان لخطاب التلقين أو الإرهاب الفكري، فلا مكان للتكفير أو التخوين أو الإقصاء أو تجريم التفكير النقدي. ومدرستنا السياسية، النابعة من فكرنا الديمقراطي التقدمي، تجعل من ضمان حرية التعبير وإتاحة المجال أمام الرأي والنقد عنصراً أساسياً في ثقافتنا الجبهاوية، وتنظّم ممارسة هذا الحق عبر قنوات تنظيمية وثقافية واضحة ومعلومة لكل من ينتمي إلى هذه المدرسة.

فنحن نؤمن بأن التفكير النقدي ليس خروجاً عن الالتزام، وأن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة أو تخوين، وإنما هو جزء من عملية التطور الفكري والسياسي. ولا يمكن لأي مدرسة سياسية أن تحافظ على حيويتها وقدرتها على التطور إذا أغلقت الباب أمام الأسئلة والمراجعة والنقد، أو تعاملت مع الأفكار باعتبارها مسلمات لا تقبل النقاش. ومن هذا المنطلق، فإن حق الرفيق في إبداء رأيه ومناقشة الأفكار والمواقف والسياسات، وطرح الملاحظات والنقد، يمثل جزءاً من الممارسة الديمقراطية التي نتمسك بها. وفي الوقت نفسه، فإن حرية التعبير تقترن بالمسؤولية واحترام الآخر والاحتكام إلى الحوار والحجة، بعيداً عن التجريح الشخصي أو التشهير أو تحويل الاختلاف إلى صراع.

ولذلك نرى أن المراجعة والتقييم واستخلاص الدروس هي عناصر ضرورية للحفاظ على حيوية الفكر والممارسة وتطويرهما بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها شعبنا ومجتمعنا.

وتبقى هذه الثقافة جزءاً من هويتنا الجبهاوية، التي تقوم على الجمع بين الالتزام بالفكر والمبادئ، والانفتاح على النقاش والاختلاف، واحترام العقل والقدرة على المراجعة. فالديمقراطية بالنسبة لنا ثقافة وممارسة يومية، تعزز الثقة، وتحمي التنوع، وتمنع تحوّل الاختلاف إلى إقصاء أو تخوين، وتبقي الجبهة مدرسة سياسية وفكرية حية وقادرة على التجدد.