Menu

من باريس إلى روما.. أوروبا تعيش لحظة الانكشاف

موسى جرادات

بوابة الهدف

إن ما تشهده فرنسا من احتجاجات وتحركات شعبية، وما قد يتردد صداه في عواصم أوروبية أخرى، لا يمكن قراءته بوصفه حدثاً عابراً أو حالة غضب مؤقتة فرضتها أسباب اقتصادية واجتماعية محددة، بل ينبغي النظر إليه باعتباره تعبيراً عن أزمة بنيوية تتراكم داخل المجتمعات الأوروبية، وتكشف، في الوقت ذاته، عن مأزق السياسات التي انتهجتها النخب الحاكمة خلال العقود الماضية. فبغض النظر عن الأسباب المباشرة التي أخرجت المتظاهرين إلى الشوارع، فإن المسألة تتجاوز حدود المطالب الآنية لتلامس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الأولويات التي تفرضها السلطة والاحتياجات الفعلية للكتل الاجتماعية المتضررة.

لقد بات واضحاً أن المجتمعات الأوروبية تواجه اختلالات متزايدة على مختلف المستويات، من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى تآكل الخدمات العامة، وتفاقم أزمات التعليم والصحة والسكن، وصولاً إلى اتساع الهوة بين الطبقات الاجتماعية وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية. ومع ذلك، لا يبدو أن هذه الوقائع دفعت الحكومات الأوروبية إلى مراجعة جذرية لسياساتها، بقدر ما دفعتها إلى البحث عن مخارج مؤقتة، أو إلى إعادة ترتيب أولوياتها بما يتعارض، في كثير من الأحيان، مع المصالح المباشرة للفئات الشعبية.

الإنفاق العسكري يكشف ازدواجية الخطاب والسياسات

وفي مقابل هذه الأزمات المتراكمة، تتجه الدول الأوروبية نحو تعزيز الإنفاق العسكري، وتوسيع التزاماتها الأمنية والعسكرية، تحت عنوان التهديد الوجودي الذي تمثله روسيا الاتحادية. وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف عندها: كيف يمكن لدول تعلن عجزها عن توفير الموارد الكافية لقطاعات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، أن تجد نفسها قادرة على تخصيص مليارات إضافية لتمويل الحرب في أوكرانيا، وتعزيز القدرات العسكرية، وتوسيع منظومة المواجهة مع موسكو؟

لا يتعلق الأمر هنا بإنكار التحديات الأمنية التي تواجه أوروبا، ولا بتجاهل طبيعة الصراع الروسي الأوكراني، بل بوضع هذه الخيارات في سياقها السياسي والاقتصادي، ومساءلة الأولويات التي تحكمها. فالدعم العسكري والمالي الذي تقدمه الدول الأوروبية لأوكرانيا، والعقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، يعكسان استراتيجية غربية تستهدف تقليص القدرة الروسية على مواصلة الحرب وإضعاف موقع موسكو الدولي. غير أن هذه الاستراتيجية، مهما كانت أهدافها المعلنة، لا تنفصل عن تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية داخل أوروبا نفسها، ولا عن الأعباء التي يتحملها المواطنون نتيجة السياسات التي اختارت حكوماتهم الانخراط فيها.

إن جوهر الأزمة يكمن في أن السلطة السياسية الأوروبية باتت تتعامل مع الأمن بوصفه أولوية مطلقة، فيما يجري إخضاع الاستحقاقات الاجتماعية لمنطق الموارد المتاحة والضرورات المالية. وعندما يتعلق الأمر بتوفير المعلمين أو تحسين شروط التعليم أو دعم المستشفيات أو تخفيف أعباء المعيشة، تصبح الموازنات العامة محكومة بحسابات التقشف وترشيد الإنفاق؛ أما عندما يتعلق الأمر بالتسلح وتمويل الالتزامات العسكرية الخارجية، فإن لغة الضرورات الاستراتيجية تتقدم لتبرير ما كان يبدو مستحيلاً في المجالات الأخرى.

بهذا المعنى، لا يعود السؤال مقتصراً على حجم الإنفاق العسكري أو جدوى العقوبات الاقتصادية، بل يمتد إلى طبيعة النموذج السياسي والاقتصادي الذي يدير المجتمعات الأوروبية، وإلى حدود قدرته على الاستمرار في ظل التناقض المتزايد بين التزامات الدولة الخارجية وواجباتها الاجتماعية الداخلية.

الاعتراض الشعبي المتزايد

ومن باريس إلى روما، مروراً بعواصم أوروبية أخرى، تبرز مؤشرات على أن قطاعات واسعة من المجتمعات لم تعد مستعدة للتسليم بهذه المعادلة من دون اعتراض. فحين يشعر المواطن بأن الخدمات التي تشكل أساس حياته اليومية تتراجع، وأن الأعباء الاقتصادية تتزايد، فيما تنشغل الحكومات بصراعاتها الدولية وحساباتها الاستراتيجية، يصبح الشارع مساحة للتعبير عن رفض هذه السياسات، ومحاولة لفرض أجندة اجتماعية لا تجد طريقها إلى مؤسسات القرار.

ولا ينبغي أن يقودنا ذلك إلى افتراض وجود حركة احتجاجية أوروبية موحدة، أو أن جميع التحركات تنطلق من الأسباب ذاتها، فلكل بلد خصوصيته السياسية والاقتصادية، ولكل احتجاج دوافعه المباشرة. لكن تشابه التناقضات الاجتماعية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتصاعد الاعتراض على السياسات الحكومية، يتيح قراءة هذه التحركات ضمن سياق أوسع، عنوانه أزمة العلاقة بين النخب الحاكمة والقطاعات الاجتماعية التي يفترض أن تمثل مصالحها.

فرنسا تاريخ من المواجهة النقابية

وفي الحالة الفرنسية، تكتسب هذه الأزمة أبعاداً خاصة بالنظر إلى التاريخ الطويل للحركة الاجتماعية في البلاد، وإلى الدور الذي لعبته النقابات والطلاب والعمال في مواجهة السياسات الحكومية. ففرنسا ليست مجتمعاً يسهل إخضاعه لمنطق الصمت، بل تمتلك تقاليد احتجاجية راسخة، ارتبطت تاريخياً بالدفاع عن المكتسبات الاجتماعية ورفض تحميل الطبقات الشعبية كلفة الأزمات الاقتصادية.

ولعل ما يكشف عمق الأزمة الفرنسية هو أن الاحتجاجات، حين تتسع لتشمل فئات اجتماعية مختلفة، لا يمكن اختزالها في مطلب واحد أو قرار حكومي محدد. إنها تعبير عن تراكم طويل من الاعتراضات التي لم تجد حلولاً جذرية، وعن شعور متزايد بأن المؤسسة السياسية باتت أقل قدرة على الاستجابة للتحولات الاجتماعية وأكثر ميلاً إلى فرض خياراتها من أعلى، حتى عندما تتعارض تلك الخيارات مع مصالح قطاعات واسعة من المجتمع.

وفي هذا السياق، فإن خروج الطلاب للاحتجاج على أوضاع التعليم، متى كان ذلك مرتبطاً بنقص المعلمين واكتظاظ الصفوف وتراجع مستوى الخدمات التعليمية، لا يمثل تفصيلاً هامشياً في المشهد، بل يكشف عن أحد أوجه الأزمة البنيوية للدولة. فالمدرسة ليست مجرد مؤسسة لتلقين المعرفة، وإنما هي إحدى الأدوات الأساسية التي تتيح إعادة إنتاج المجتمع على أسس أكثر عدالة، وتمنح أبناء الفئات الشعبية فرصة للارتقاء الاجتماعي وتجاوز القيود التي تفرضها أوضاعهم الاقتصادية.

الضرر غير المتساوي

وعندما يتراجع مستوى التعليم العام، وتتفاقم مشكلاته، فإن الضرر لا يتوزع بالتساوي على جميع الفئات؛ إذ تمتلك الطبقات الميسورة إمكانات أكبر لتعويض أوجه القصور عبر التعليم الخاص والموارد الإضافية، بينما تجد الفئات الفقيرة نفسها أكثر تعرضاً لنتائج التراجع. وهكذا يتحول الإهمال التعليمي من مشكلة إدارية أو مالية إلى عامل يعمق التفاوت الطبقي، ويقوض أحد أهم الأسس التي قامت عليها فكرة الدولة الاجتماعية الأوروبية.

من هنا، فإن الاحتجاجات الطلابية، وما قد تلتحق بها من تحركات نقابية واجتماعية، ينبغي أن تُقرأ في سياق الدفاع عن الحق في التعليم والخدمات العامة، وعن دور الدولة في حماية الفئات التي لا تستطيع مواجهة السوق بمفردها. فالأزمة لا تتعلق فقط بما ينقص المدارس من معلمين أو بما تعانيه الصفوف من اكتظاظ، بل بما تعنيه هذه الوقائع من تراجع في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية.

البحث عن أسباب من خارج السياق

وفي المقابل، فإن محاولة تحميل المهاجرين والمسلمين مسؤولية الاضطرابات الاجتماعية تمثل أحد أبرز مظاهر الإفلاس السياسي والأخلاقي الذي تلجأ إليه بعض القوى الأوروبية. فبدلاً من مواجهة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للأزمة، يجري تحويل الأنظار نحو فئات سكانية بعينها، وتصويرها باعتبارها مصدر الخلل الذي تعاني منه المجتمعات.

إن هذا الخطاب لا ينطلق بالضرورة من الحرص على معالجة مشكلات الهجرة والاندماج، بل يوظفها في كثير من الأحيان لتضليل النقاش العام، ونقل المسؤولية من السياسات الحكومية إلى الفئات الأضعف اجتماعياً. وبدلاً من مساءلة خيارات الإنفاق العام، وتراجع الخدمات، وتوزيع الثروة، يجري الدفع باتجاه صراعات داخلية تستنزف المجتمعات وتفكك قدرتها على بناء مطالب مشتركة.

فالأزمة الاقتصادية التي تواجه فرنسا، شأنها شأن الأزمات التي تعاني منها بلدان أوروبية أخرى، لا يمكن تفسيرها بوجود المهاجرين أو المسلمين، كما لا يمكن معالجة الاختلالات البنيوية في سوق العمل والتعليم والصحة من خلال التحريض على فئات اجتماعية. إن اختزال الأزمة في عامل واحد ليس سوى محاولة للقفز فوق جذورها الحقيقية، وتوفير غطاء سياسي للسياسات التي أسهمت في إنتاجها أو عجزت عن احتوائها.

والأخطر أن هذا الخطاب يسعى إلى إعادة تعريف الصراع الاجتماعي، لا بوصفه تناقضاً بين مصالح اجتماعية متفاوتة وسياسات عامة منحازة أو قاصرة، بل بوصفه مواجهة بين السكان الأصليين والمهاجرين، أو بين جماعات دينية وثقافية مختلفة. وبهذا يجري تفكيك المجال الاجتماعي الذي يمكن أن تتلاقى فيه مصالح العمال والطلاب والعاطلين عن العمل وسائر الفئات المتضررة، وتحويل الغضب الشعبي بعيداً عن مراكز القرار التي تتحمل مسؤولية رسم السياسات العامة.

أزمة التمثيل السياسي

أما على المستوى السياسي، فإن ما تشهده فرنسا يعيد طرح مسألة أزمة التمثيل، وحدود قدرة المؤسسات القائمة على استيعاب التناقضات الاجتماعية. فقد أظهرت السنوات الماضية، ولا سيما خلال الحقبة الماكرونية، اتساع المسافة بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع، في ظل إصلاحات أثارت اعتراضات متكررة، وشعور متنامٍ بأن القرارات الكبرى تُتخذ بعيداً عن إرادة المواطنين ومصالحهم المباشرة.

ولا يعني ذلك أن الأزمة الفرنسية بدأت مع إيمانويل ماكرون، أو أن مسؤولية التدهور الاجتماعي تقع على عاتق حكومة واحدة، فالأزمة أعمق من ذلك، وترتبط بمسار طويل من التحولات الاقتصادية والسياسات التي أعادت توزيع الأعباء والموارد داخل المجتمع. غير أن المرحلة الماكرونية كشفت بوضوح عن مأزق سياسي يتمثل في ضعف القدرة على بناء توافق اجتماعي حول الخيارات الحكومية، وفي الميل إلى التعامل مع الاعتراضات بوصفها عقبة أمام تنفيذ البرامج، بدلاً من اعتبارها مؤشراً على خلل يستوجب المراجعة.

وحين تفقد المؤسسات السياسية قدرتها على تحويل المطالب الاجتماعية إلى تسويات مقبولة، يصبح الشارع بديلاً عن قنوات التمثيل التقليدية، وتتحول الاحتجاجات إلى وسيلة لإعادة فرض المجتمع على أجندة السلطة. وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال متعلقاً فقط بقدرة الحكومة على احتواء التحركات، بل بمدى قدرتها على استعادة الثقة، وإعادة بناء علاقة سياسية واجتماعية تقوم على الاعتراف بالمطالب الشعبية والاستجابة لها.

إن ما يجري في أوروبا يضعنا أمام تناقض جوهري بين الخطاب الذي تتبناه النخب الحاكمة حول الدفاع عن الديمقراطية والحرية والرفاه، وبين واقع اجتماعي تتزايد فيه المخاوف من تراجع المكتسبات، واتساع الفوارق، وانحسار قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية. فالديمقراطية لا تختزل في صناديق الاقتراع، كما أن الاستقرار لا يتحقق بمجرد السيطرة الأمنية على الشارع؛ بل يرتبطان بمدى قدرة المؤسسات على تمثيل المصالح الاجتماعية المتنوعة، وبوجود حد أدنى من العدالة في توزيع الثروة والأعباء.

ومن هنا، فإن الرهان الأوروبي لا ينبغي أن يقتصر على تعزيز القدرات العسكرية أو مواجهة التحديات الخارجية، بل يتعين أن يشمل مراجعة جذرية للأولويات الاقتصادية والاجتماعية. فالقوة التي لا تستند إلى تماسك داخلي تبقى قوة معرضة للاهتزاز، والدولة التي تستطيع تمويل التزاماتها الخارجية، لكنها تعجز عن ضمان الحد الأدنى من الخدمات لمواطنيها، تضع نفسها أمام أزمة شرعية لا يمكن احتواؤها إلى ما لا نهاية بالخطاب الأمني أو بالتعبئة الإعلامية.

مآلات الاحتجاجات

وليس من الضروري أن تقود الاحتجاجات الراهنة إلى تحولات سياسية كبرى أو إلى تغيير فوري في طبيعة الأنظمة القائمة، لكن أهميتها تكمن في أنها تكشف عن تناقضات لم تعد قابلة للإخفاء، وتعيد طرح الأسئلة التي حاولت الحكومات تأجيلها. فما الذي تعنيه حماية الأمن الأوروبي إذا كانت قطاعات من المجتمع تشعر بأن أمنها الاقتصادي والاجتماعي يتراجع؟ وما جدوى الحديث عن النمو والاستقرار إذا كانت ثمارهما لا تصل بالقدر الكافي إلى الفئات التي تتحمل الأعباء الأكبر؟ وأي مستقبل يمكن أن ينتظر القارة إذا استمرت الفجوة بين أولويات السلطة واحتياجات المجتمع في الاتساع؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتوقف على ما ستؤول إليه الاحتجاجات في فرنسا أو إيطاليا، ولا على قدرة الحكومات على احتوائها في المدى القريب، بل على ما إذا كانت النخب الأوروبية مستعدة للاعتراف بأن الأزمة ليست مجرد اضطراب في الشارع، وإنما أزمة في السياسات التي تنتج هذا الاضطراب وتعيد إنتاجه.

العقد الاجتماعي المبتور

من باريس إلى روما، لا يتعلق الأمر بمجرد احتجاجات متفرقة، بل بإشارات تستحق القراءة في سياق التحولات التي تعيشها القارة الأوروبية. فالمجتمعات التي تتعرض لضغوط اقتصادية متزايدة، وتشهد تراجعاً في الخدمات العامة، وتجد نفسها أمام خيارات عسكرية واستراتيجية باهظة الكلفة، لا يمكن مطالبتها إلى ما لا نهاية بالصمت أو القبول بالأمر الواقع. وحين تتقدم الأولويات العسكرية على حساب الحاجات الاجتماعية، وحين يُستبدل النقاش في أسباب الأزمة بالتحريض على المهاجرين والمسلمين، فإن السلطة لا تعالج التناقضات، بل تعيد إنتاجها بأشكال أكثر حدة.

إن أوروبا تعيش اللحظة؛ لحظة تتراجع فيها قدرة الخطابات الرسمية على إخفاء التناقض بين ما تعد به الدولة وما تقدمه فعلياً لمجتمعاتها. وقد لا تكون ملامح المرحلة المقبلة قد اتضحت بعد، لكن المؤكد أن تجاهل هذه الإشارات لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة. فالتحدي الحقيقي الذي تواجهه القارة لا يكمن فقط في علاقتها بروسيا أو في موقعها داخل النظام الدولي، بل في قدرتها على صون تماسكها الاجتماعي، وإعادة الاعتبار للعدالة الاجتماعية، واستعادة ثقة مواطنيها بمؤسساتها.

فمن دون ذلك، ستظل كل إجراءات الاحتواء مؤقتة، وكل محاولات الهروب إلى الأمام عاجزة عن تقديم إجابة عن السؤال المركزي الذي يفرضه الشارع الأوروبي اليوم: لمن تُرسم السياسات، ولصالح من تُوزع الموارد، ومن الذي ينبغي أن يتحمل كلفة الأزمات التي لم يكن وحده من صنعها؟

وأجمل ما في تلك الاحتجاجات، حضور علم فلسطين بوصفه رمزا للعدالة الإنسانية المفقودة.