«بحرٌ جاهزٌ من أجلنا»؛ هكذا كتب محمود درويش في قصيدة «مديح الظل العالي». تستحضر العبارة وجع المنفى والحصار، وتبدو اليوم كأنها تختصر مأساة أبناء المخيمات الذين تضيق بهم الحياة، فيغدو البحر منفذاً إلى المجهول، ولو كان الموت احتمالاً راجحاً.
إنّ فقدان الاتصال بأربعة شبّان من مخيم نهر البارد قبالة السواحل اليونانية ليس حادثة هجرة عابرة، بل نتيجة لواقع يدفع أبناء المخيمات إلى المخاطرة بأرواحهم بحثاً عن حياة كريمة. وتطرح هذه المأساة سؤالاً يتجاوز مصير المفقودين: كيف يصل الإنسان إلى مرحلة يصبح فيها احتمال الموت في البحر أهون عليه من البقاء في المكان الذي يعيش فيه؟
لا تبدأ الحكاية من البحر، بل من المخيم؛ من فرص تتضاءل، وأحلام تتعثّر، ومستقبل يبدو مُغلقاً قبل أن يبدأ. فالشاب الذي يستقلّ قارباً متهالكاً لا يحمل جسده وحده إلى المجهول، بل يحمل خيبة سنوات وتطلّعاً إلى حياة تحفظ كرامته. لذلك لا يجوز اختزال هذه الرحلات في قرارات فردية أو وصم أصحابها بالتهور، بل ينبغي مُساءلة الظروف التي تجعل المخاطرة بالموت خياراً مُحتملاً للخلاص.
المأساة أن الحياة نفسها لم تعد، بالنسبة إلى بعض الشباب، ضمانة كافية للبقاء.
في قضية المفقودين الأربعة، الأولوية لكشف مصيرهم ووضع حد لانتظار عائلاتهم. وتقع على الحكومة اللبنانية ووزارة الخارجية والمغتربين مسؤولية تفعيل قنوات الاتصال مع السلطات اليونانية والتركية، بالتنسيق مع السفارة الفلسطينية والجهات المعنية، للتحقق من قوائم الناجين والمصابين والمتوفّين والموقوفين، ومتابعة عمليات البحث وإطلاع العائلات على كل معلومة موثوقة.
ويجب فتح تحقيق في ظروف الحادث ومسار الرحلة وعمليات الإنقاذ، والتحقق من الشبهات المتداولة من دون استباق النتائج أو إطلاق اتهامات غير مُثبتة. كما ينبغي تعقّب شبكات التهريب ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن استغلال المهاجرين أو تعريض حياتهم للخطر. فالحقيقة حق للعائلات، والمُساءلة مسؤولية قانونية وأخلاقية.
وتتوزع المسؤوليات بحسب اختصاص كل جهة. فالقيادة الفلسطينية وسفارتها معنيتان بمتابعة القضية ومساندة العائلات، و«الأونروا» والمؤسسات الإنسانية معنية بتقديم الدعم ضمن ولاياتها وإمكاناتها، فيما تتحمل الجهات الرسمية والقضائية المختصة مسؤولية كشف الملابسات وتطبيق القانون. وينبغي أن تقترن المتابعة بمعلومات واضحة وموثوقة، لا أن تترك العائلات أمام الشائعات والانتظار.
لكن معرفة مصير المفقودين، على أهميتها العاجلة، لا تكفي لمنع تكرار المأساة. فالهجرة الخطرة ترتبط بظروف معيشية واقتصادية وقانونية تدفع الشباب إلى البحث عن بدائل خارج المخيمات. ومن ثم، لا بد من تحسين شروط العيش، وتوسيع فرص التعليم والتأهيل المهني والعمل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، ومعالجة العوائق التي تحاصر اللاجئين. وهذه مسؤولية مشتركة بين الدولة اللبنانية والقيادة الفلسطينية و«الأونروا» والمؤسسات الدولية والإنسانية، كلٌّ ضمن صلاحياته وإمكاناته.
إن دعم الحقوق الإنسانية للفلسطينيين في لبنان ليس منّة ولا مساومة بل واجب وطني وإنساني واختبار لكل القوى والأحزاب اللبنانية
المخيم ليس مجرد «غيتو» للفقر والحرمان، بل شاهد على النكبة وامتدادها، وحاضن لذاكرة جماعية تتمسك بحق العودة. غير أن الحفاظ على هذه الذاكرة لا يبرر مطالبة الناس بالصمود من دون توفير شروط الحياة الكريمة. لا يمكن أن نطالب الشباب بالبقاء في المخيمات، ثم نتجاهل ما يجعل البقاء فيها معركة يومية.
لقد تآكلت رمزية المخيم تحت وطأة موجات الفقر والقهر والأمراض الاجتماعية، والمخدّرات، حتى بتنا نتردد في إقامة نشاط ثقافي أو عرض مسرحي في مخيم شاتيلا. لم تعد الأزمة معيشية فحسب، بل باتت تهدد المجال العام ودور المخيم بوصفه حاضنة للذاكرة الوطنية والوعي الجماعي. وحين تضيق المساحة أمام الثقافة، ينحسر أحد أهم أشكال المقاومة والحفاظ على الهوية. إنه اعتداء على الذاكرة الوطنية.
ومن هنا، فإن دعم الحقوق الإنسانية للفلسطينيين في لبنان ليس منّة ولا مساومة، بل واجب وطني وإنساني، واختبار لكل القوى والأحزاب اللبنانية المؤمنة بحقوق الإنسان والعدالة والقضية الفلسطينية بأن تتعامل مع هذا الملف على أساس احترام خصوصية الشعب الفلسطيني وكرامته وحقه في الحياة الكريمة.
لا يتعارض حق العودة مع حق الإنسان في الأمان والعمل والمستقبل، كما أن تحسين ظروف الحياة لا يعني التوطين أو التخلي عن الهوية الوطنية. بل إن حماية الإنسان وصون كرامته جزء من الوفاء للقضية الفلسطينية، لا بديل منها.
وفي هذا السياق، تقع على عاتق لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني مسؤولية متابعة الملف وطرح معالجته ضمن حوار مسؤول يترجم الاعتراف المتبادل إلى سياسات وممارسات تحفظ حقوق الفلسطينيين، ويراعي في الوقت نفسه خصوصية لبنان ومصالحه. فالعلاقة بين الحقوق والواجبات لا تقوم على الانتقاص، بل على احترام الإنسان وتحديد المسؤوليات بوضوح.
إن صون الهوية الوطنية لا يكتمل بتوريث الذاكرة وحدها، بل يتطلب حماية أصحابها ومنحهم القدرة على الحياة والاختيار. ولا يستقيم خطاب الصمود إذا بقيت الأجيال الجديدة مُحاصرة بين واقع لا يمنحها الأمل وطرق هجرة قد تسلبها الحياة. فالصمود لا يعني قبول الحرمان إلى ما لا نهاية، بل توفير شروط تجعل البقاء خياراً ممكناً.
أمّا المخيمات ومؤسساتها وفعالياتها، فعليها مواجهة اليأس بالعمل الجماعي، وحماية الشباب من الاستغلال من دون تجريم حاجتهم إلى مستقبل. وليس المطلوب لوم من غادر، بل فهم الأسباب التي دفعته إلى المغادرة، والعمل على ألّا يصبح الرحيل الخطِر هو الخيار الوحيد المُتاح.
البحر ليس قدراً، والموت ليس ثمناً مقبولاً للبحث عن مستقبل. ما تستحقه العائلات هو معرفة الحقيقة، وما يستحقه الشباب هو أفق يتيح لهم الاختيار، وما تستحقه المخيمات هو سياسات تضمن الحياة الكريمة وتحول دون تكرار هذه المآسي.
فالمسؤولية لا تنتهي برثاء من يبتلعهم الموج؛ بل تبدأ بكشف مصيرهم، ومساندة عائلاتهم، وتحقيق العدالة، ومعالجة الظروف التي تدفع أبناءنا إلى البحر بحثاً عن حياة.
نُشر في جريدة الأخبار

