Menu

الصحافة الغربية: حين يصبح الاعتداء على الصحفيين خبراً ويُدفن ترهيب الفلسطينيين في الصمت

جمال كنج

بوابة الهدف

حين تعرّضت مصوّرة صحيفة «واشنطن بوست» هايدي ليفين لاعتداء على أيدي رعاع المستوطنين في الضفة الغربية، تصدّرت الحادثة التغطية الإعلامية، واضطرت سلطات الاحتلال إلى التحرك تحت ضغط الرأي العام. وقبل ذلك، حظي اعتداء مستوطنين على جنود إسرائيليين بالاهتمام نفسه تقريباً.

لكن الاعتداءات اليومية على الفلسطينيين لا تحظى بالمعاملة ذاتها. فإرهاب المزارعين، وحرق المركبات، واقتلاع أشجار الزيتون، والاستيلاء على الأراضي، غالباً ما تتوارى خلف عبارات عامة مثل «توتر» أو «اشتباكات» أو «اعتداءات مزعومة». هنا تكمن المفارقة: لا يصبح العنف خبراً بارزاً إلا حين يطال إسرائيليين أو صحفيين غربيين أو دبلوماسيين أوروبيين.

وفي اليوم التالي للاعتداء على ليفين، هاجمت عصابات من المستوطنين وفداً من الدبلوماسيين الأوروبيين في بلدة الطيبة المسيحية، فحطّموا نافذة مركبة قنصلية واعتدوا بقضبان حديدية على رئيس بلدية فرنسي. وكالعادة، أعلن جيش الاحتلال فتح تحقيق، فيما دعا مكتب بنيامين نتنياهو إلى «الحذر»، ملمحاً إلى أن التقارير عن الاعتداءات جزء من «حملة منسقة لتشويه سمعة إسرائيل» واليهود في الضفة الغربية.

حتى حين تقع الجرائم أمام أعين العالم، تُستبدل مساءلة الجناة بالحديث عن مؤامرة تستهدف اليهود. أما حين يكون الضحايا فلسطينيين، فيُختزل العنف في حوادث منفصلة، ويُترك السياق الأوسع خارج الصورة: منظومة عنصريه تحمي المعتدي، وتجرّم الضحية، وتتيح الاستيلاء التدريجي على الأرض.

غطاء ديني لسرقة الزيتون

لم تعد حملة تجريد الفلسطينيين من أراضيهم تعتمد على القوة وحدها؛ فقد وجدت من يمنحها غطاءً دينياً أيضاً. ففي 16 أكتوبر/تشرين الأول، أصدر الحاخام دوف ليئور حكماً اعتبر فيه سرقة زيتون الفلسطينيين جائزة، بل وفضيلة، بحجة أن قطف المحصول يرسّخ الملكية اليهودية للأرض.

وفي اليوم نفسه، اجتاحت عصابات المستوطنين قرى فلسطينية مع انطلاق موسم قطف الزيتون، وهاجمت المزارعين وأحرقت المركبات والأشجار وأصابت سكاناً في ثماني قرى على الأقل. وفي قرية أبو فلاح، قال ناشط حقوقي إسرائيلي إن الجنود كانوا يقفون «حرفياً كتفاً إلى كتف مع المستوطنين وهم يهاجمون الفلسطينيين».

وقد وثّقت حالات شارك فيها جنود الاحتلال في الاعتداءات أو وفّروا الحماية للمعتدين، فيما انتهى الأمر باعتقال فلسطينيين حاولوا الدفاع عن أنفسهم. وحين يصبح المعتدي محمياً بقوة السلاح، ويُعامل الضحية بوصفه مشتبهاً به، لا يعود الإفلات من العقاب نتيجة عرضية، بل يتحول إلى جزء من آلية السيطرة.

الاستيطان بالرعي

و لا يقتصر الاستيلاء على الأرض بالقتل و مصادره الممتلكات بالقوة فقط. ففي قمم التلال، ينشئ المستوطنون ما يُعرف بـ«البؤر الرعوية»، ثم يطلقون قطعانهم في الأراضي التي زرعها الفلسطينيون ورعوا فيها على مدى أجيال.

وبحسب تقرير لمنظمتي «السلام الآن» و«كيرم نافوت»، امتد استيلاء هذه البؤر إلى ما يقارب 200 ألف دونم، أي نحو 14% من مساحة الضفة الغربية، لتخصيصها للرعي اليهودي.

لا حاجة دائماً إلى جرافات أو اقتحامات يومية؛ فالأغنام تؤدي المهمة مرعى بعد مرعى. ومع اتساع نطاق الرعي، يُدفع الفلسطينيون بعيداً عن أراضيهم تحت وطأة الترهيب والحرمان، ثم يُعاد تقديم السيطرة الجديدة بوصفها أمراً واقعاً. تتغير الوسائل، لكن الغاية واحدة: انتزاع الأرض من أصحابها الأصليين.

الزيتون هدف اقتصادي واجتماعي

تعتمد نحو 110 آلاف عائلة فلسطينية على بساتين الزيتون مصدراً للدخل، فيما يمكن أن تسهم صادرات الزيتون، في المواسم الجيدة، بنحو 200 مليون دولار في الاقتصاد الفلسطيني. لذلك، فإن حرق الأشجار وتدمير المحاصيل ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم ليس تخريباً عابراً، بل استهداف لمصدر رزق آلاف العائلات ولصلة الفلسطينيين بأرضهم.

إحراق شجرة زيتون معمّرة يعني تدمير حصيلة عقود من العمل، وقد تعني خسارة موسم الحصاد حرمان عائلة من دخل عام كامل. وحين تتكرر الاعتداءات وتتزامن مع مصادرة الأراضي وحماية المعتدين، لا تعود حوادث منفصلة، بل تتحول إلى حملة تضغط على الفلسطينيين اقتصادياً واجتماعياً، وتجعل البقاء في الأرض أكثر صعوبة.

هنا يتغير القاموس الإعلامي أيضاً. فعندما يكون الفلسطينيون هم الضحايا، توصف العصابات الإرهابية اليهوديه «حفنة من المتطرفين»، ويُحاط العنف بعبارات مثل «اعتداءات مزعومة»، وتُحال الجرائم إلى «تحقيق» لا يُعرف متى ينتهي. أما تدمير سبل العيش والاستيلاء على الأرض، فيتراجعان إلى الهامش، رغم أنهما جوهر القصة.

حين تصبح الكاميرا معياراً للتعاطف

لخّصت عضوة الكونغرس الأمريكي روزا ديلورو هذه المفارقة عقب الاعتداء على هايدي ليفين، التي هاجمها مستوطنون ملثمون أثناء توثيقها قطف الزيتون قرب أبو فلاح، ما أدى إلى كسر أربع فقرات من عمودها الفقري وإصابتها بكسر في أحد أضلاعها.

وقالت ديلورو: «إذا كان المستوطنون يفعلون هذا بصحفية أمريكية أمام الكاميرا وفي وضح النهار، فتخيلوا ما تواجهه العائلات الفلسطينية حين لا يراقبها أحد».

صحفيه تعمل لحساب صحيفة امركيه كبرى قادرة على نشر صور الجريمه وتوزيعها على كل بقاع الأرض، وقدره للضغط على سياسيين و تطالب بالمحاسبة. أما المزارع الفلسطيني، فقد لا يملك سوى أرضه وعائلته وشهادة لا تجد طريقها إلى وسيلة إعلامية كبرى. ومع غياب الكاميرات، تستمر الاعتداءات، وتُحرق الأشجار، وتُنتزع الأراضي، بينما تعزز الحماية العسكرية والسياسية شعور المستوطنين بأنهم فوق القانون.

تكشف هذه الوقائع انتقائية التغطية الغربية بوضوح: حين يُصاب صحفي غربي، تصبح الجريمة أزمة تستحق المتابعة؛ وحين يُصاب فلسطيني أو يُقتل أو تُحرق أشجاره، قد تتحول الجريمة إلى خبر عابر، إن وصلت إلى النشر أصلاً.

المشكلة، إذاً، ليست في غياب المعلومات، بل في تفاوت قيمة الضحايا داخل الخطاب الإعلامي. فالتغطية التي تفصل الاعتداءات عن سياقها، وتساوي بين المعتدي والضحية، وتتجاهل حماية الدولة للمستوطنين، لا تنقل صورة ناقصة فحسب؛ بل تساعد على إبقاء منظومة العنف خارج المساءلة.

حين لا تُرى ارهاب رعاع المستوطنين إلا بعد أن تطال صحفياً غربياً أو دبلوماسياً أوروبياً، يصبح الصمت الإعلامي جزءاً من المشكلة، لا مجرد غياب للتغطية.