Menu

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.. ما المطلوب بعد مبادرتها؟

د. سامي محمد الأخرس

بوابة الهدف

قدمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مبادرة تستهدف الحوار الوطني التوافقي، وخارطة طريق للمرحلة القادمة، وبكل تأكيد أن هذه المبادرة خضعت لنقاشات، وحوارات عميقة، وطويلة من الفصائل الفلسطينية، وعلى وجه التحديد حركتي حماس وفتح بما أنهما على رأس النظام السياسي الفلسطيني، وبما أن الفصيلين وجدا بها فرصة مواتية لإيجاد مخارج لموافقهما من العملية الإنتخابية التشريعية التي كان مقرر إجرائها في نوفمبر عام 2026، مما يؤكد توافقهما عليها، وعلى ما جاء بها. إذن يمكن القول، أنها مبادرة يمكن أن تشكل قاعدة انطلاق للبناء عليها في الحاضر، والمستقبل القريب، خاصة وأن شعبنا الفلسطيني في حالة إنتظار وترقب شديدة لأي تقدم على مسار الإختراق لحالة الصمت العام في المشهد الفلسطيني.

فحرطة حماس رغم تحضيراتها وإستعداداتها الإعلامية للحالة الإنتخابية إلا أنها تدرك أن تأجيل الإنتخابات من مصلحتها، فهي تدرك تماماً أنها على الأرض عكس ما هي عليه في الواقع، وأن وجودها الإعلامي ليس مقياساً لوجودها على الأرض، وأن الحاضنة التي كانت تتمتع بها قبل السابع من أكتوبر عام 2023، ليس هي الحاضنة الحالية، لذلك كان موقفها من المبادرة إيجابيا، وهو ما ينطبق على حركة فتح التي تعيش ظروفاً ليس بأحسن حال من حركة حماس ، إن لم يكن اسوأ منها، لذلك كان موقفها يتناسب مع مصلحتها.

أما القوى الأخرى الأقل تأثيراً في القرار السياسي الفلسطيني فقد وجدت بمبادرة الجبهة الشعبية ضربة لمشروعها الذاتي، وعبرت كل قوة من هذه القوى عن موقفها الرافض وفق مصلحتها، متجاهلة دوافع ومبررات الجبهة الشعبية التي وضعت مبادرتها بما يتطلب - حسب وجهة نظرها- مع مصالحها أولا، ومع المصلحة الوطنية ثانياً، والتي ترى أنها بيئة غير صالحة أو غير مهيئة لإجراء انتخابات تشريعية، وأن الواقع السياسي الفلسطيني غير قادر على فرض أي اشتراطات أو استحقاقات سياسية في الوقت الراهن الذي تميل به الكفة لمصلحة دولة الإحتلال الاب فرضت سطوتها على المنطقة برمتها، وكذلك الإنحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل، ولمعادلة تغيير الواقع السياسي عامة، وعليه اتخذت الجبهة الشعبية موقفها الإنقاذي - بالنسبة لها- وطنياً.

الآن، والإنتخابات الإسرائيلية ستجرى خلال يومان فقط، كل المؤشرات تؤكد، حسب نتائج الإستطلاعات الإسرائيلية إلى فوز تخالف إيزنكوف المعارض لسياسات بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل الحالي، وأي تغيير -غير مؤكد - في الخريطة الإسرائيلية، لن يحدث تغييرا جوهرياً في السياسات الإستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة في الوقت القريب، على أقل تقدير، يطرح سؤالاً مركزياً، على الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ما هو البرنامج الوطني الضاغط الذي أعدته لدعم مبادرتها؟ وما هي الخطوات العملية التي يمكن العمل من خلالها لتحقيق أهداف المبادرة التي توافقت عليها القوى؟ 

حتى راهن اللحظة، لم تتحرك الجبهة الشعبية عمليا في تسويق مبادرتها، سواء على المستوى الشعبي الفلسطيني، وأكافت بلقاءات مع جزء من النخب التي اختارتهم في حضور ضيق، ومحصور، لا يعبر عن اي استعداد لتسويق هذه المبادرة، وتشكيل جسد شعبي ضاغط لإحياء هذه المبادرة، وتنفيذ مدخلاتها إلى مخرجات، مما ترك ضبابية حول المبادرة، وعدم التفاعل الشعبي معها، والتسليم ببيانات القوى المعارضة لها، والتي هاجمتها،وجعلتها موضع اتهامات بأنها قدمتها تلبية لرغبات القوى الكبرى، وهذا بكل تأكيد غير صحيح، فالقارئ والملم بسياسات ومواقف الجبهة الشعبية عبر تاريخها يدرك أنها حزب لا يساوم على المبادئ التي انطلق عام 1967 منها، ولا يمكن لحزب مثل الجبهة الشعبية أن يساوم في مصير وطني أو مصالح شعبنا، ولكن حالة الصمت، والإنزواء خلف أطلاقها، ومن ثم الإستنكاف منح هذه القوى فرصة الطعن، والإتهام في صيرورة الجبهة الشعبية الوطنية. إذن فالمطلوب من الجبهة الشعبية على المستوى الشعبي الفلسطيني التالي:

أولا: أن تفعل ماكنتها الإعلامية، لطرح وشرح وتفسير أهداف وبنود المبادرة، وجوهرها، وأساسياتها، بشكل مبسط ووضعها إعلامياً بين أيدي أبناء شعبنا.

ثانياً: أن تشكل خلايا نخبوية من كادرها السياسي، والنخبوي بين التجمعات الشعبية، في غزة والضفة الغربية، والحوار المنفتح، المباشر مع هذه التجمعات حول المبادرة، وأهدافها، والدوافع التي أخرجتها، ضمن عملية استقطاب وحشد الرأي الشعبي حولها، وتشكيل قوة ضغط شعبية ضاغطة على أصحاب القرار.

ثالثاً: أن تشكل المبادرة رؤية إستراتيجية وطنية، ومرجعية للحوار الوطني، وأساس برنامج الإنقاذ الوطني، وتوسيع قاعدة الإستقطاب الفصائلي والحزبي للمبادرة، من خلال عقد لقاءات موسعة مع كل المستويات القيادية والفصائلية، والإنتقال من مرحلة الحبر إلى مرحلة العمل، وتحويلها لمبادرة وطنية على غرار البرنامج المرحلي عام 1974.

بذلك تكون الجبهة الشعبية قد شكلت قوة ضغط جماهيرية وشعبية لمبادرتها، وأخرجتها من أدراج الفصائل، والتجميد للحياة، ومن رحم الصمت إلى رحم الفعل.

أما على المستوى الإقليمي، فالمطلوب من الجبهة الشعبية وإطارها القيادي أن تبدأ بالتحرك، والإستقطاب لدول الإقليم، المؤثرة في السياسات الفلسطينية، وعلى وجه التحديد مصر الراعية الرئيسية للحوار الوطني الفلسطيني، وأن تكون مصر شريكة فاعلة في الدفع بإتجاه تطبيق هذه المبادرة، وتشكيل قوة ضغط لها، وإخراج هذه المبادرة للحياة عملا،كذلك القوى المؤثرة وذات السطوة في التأثير السياسي مثل إيران التي لا زالت تلعب دوراً في المعادلة الفلسطينية، رغم كل ما تمر به، ورغم العدوان عليها، كذلك تركيا كلاعب إقليمي مهم ومؤثر في الحياة السياسية الفلسطينية، والأردن بما لها من قوة تأثير حزبي وشعبي، والسعودية كقوة دافعة للرؤية الفلسطينية، وكذلك الإمارات وما تملكه من تأثير مباشر، وغير مباشر في الحالة السياسية الفلسطينية، والجزائر بما تملكه من تقدير لدى الكل الفلسطيني، وبعض قوى الإقليم المؤثرة، وكذلك القوى العالمية الصديقة للقضية الفلسطينية، والمتقدمة في مواقفها بما يتعلق بالشأن الفلسطيني، هذه القوى ممكن أن تشكل لوبيا ضاغطا على الولايات المتحدة الأمريكية، والرئيس دونالد ترامب، وكذلك على إسرائيل، هذا الضغط يمكن أن يشكل اختراقا للجمود والتعنت والمواقف لدى الرئيس الأمريكي، ورئيس الوزراء الصهيوني القادم.

في ظل حالة الصمت العام، والترقب للحالة الإسرائيلية الإنتخابية يبدو أن النظام السياسي الفلسطيني في حالة إستسلام كاملة إدراكاً منه أن أي تحرك أو فعل لن يجدي ولن يحدث تغييرا دون القرار الإسرائيلي، وهو إستسلام فرضته نتائج ومخرجات السابع من أكتوبر عام 2023، لذلك لن تتغير الحالة الفلسطينية الصامته والمترقبة، إن لم يحدث تغيير جوهري في البنية الذهنية السياسية الفلسطينية، والأدوات التي تتشكل وتتكون منها هذه الذهنية الجوهرية.