في تصعيد سياسي غير مسبوق، وفي ظل مناورات عسكرية، أعلنت حكومة الكيان الصهيوني، في الأسبوع الماضي، بصورة قاطعة مانعة، لا تترك مجالاً للشك أو الالتباس أو التأويل، أن «إسرائيل» ترفض بالمطلق التخلي عن هضبة الجولان السورية المحتلة، وأنها «ستحتفظ بها إلى الأبد»، وأن على العالم الاعتراف بـ«سيادة» «إسرائيل» «عليها». وإذا ما أردنا فهماً دقيقاً لما يجري على جبهة الصراع السوري الصهيوني، فلنقل إن الصراع الدائر في سوريا وعليها هو مجرد الظرف السياسي المناسب للإعلان عن هذا القرار الصهيوني المبيت، بعدما تحولت الأزمة السورية إلى ديناميكية تفكيكية تدميرية جهنمية لسوريا الجيش، الدولة، البنية التحتية، والنسيج الوطني والمجتمعي، عدا قتل مئات ألوف المواطنين السوريين، وهجرة وتهجير الملايين منهم، وخسارة اقتصادية تُقدر بمئات مليارات الدولارات. هذا يعني أن ما يجري في سوريا، وأقطار عربية أخرى قد حرك، وأنعش، تطلعات قادة الكيان الكامنة لتحقيق المزيد من الأهداف الصهيونية، ودفعهم إلى الإفصاح عنها، ومحاولة تنفيذها، على يد حكومة المستوطنين، بقيادة نتنياهو، بوصفها أكثر حكومات «إسرائيل» تطرفاً، والتعبير المكثف عما طرأ على بنيتها الداخلية، في السنوات الأخيرة، من انزياحات كبيرة نحو المزيد من التطرف السياسي والتشدد الأيديولوجي. هذا ناهيك عن أن «حزب العمل» الصهيوني العلماني «المعارض»
ما زال، كما حزب الليكود الحاكم، يلعب دوراً محوريا في عملية توظيف الأسطورة الدينية، بل هو الذي أرسى دعائمها خلال سنوات قيادته، بلا منازع، لائتلافات الحكم في «إسرائيل»، ( 1948- 1977). هذا يعني أنه، لئن كانت الأزمة السورية الداخلية هي الظرف السياسي المناسب للتصعيد الصهيوني، فإن الانزياحات اليمينية المتطرفة في بنية «إسرائيل» الداخلية هي المحرك الأساس لإقدام حكومة الكيان على اتخاذ، وإعلان هذا الموقف الاستراتيجي، من الجولان السوري المحتل. وإذا ما شئنا السير خطوة أخرى في التحليل، لقلنا: إن صحَّ أن تُقرأ المواقف من عناوينها، فهو أصحّ في هذا الموقف الصهيوني الجديد من قضية الجولان، حيث إن حكومة نتنياهو لم تغلف موقفها باعتبارات الأمن، ذريعة الكيان الدائمة، بل بزعم أن الجولان السوري (وهنا بيت القصيد)، «جزء من أرض» «إسرائيل».
وأكثر، فقد كان لافتاً، وذا دلالة رمزية كبيرة، أن تُطلق حكومة الكيان هذا الموقف بلسان رئيسها، نتنياهو، من قلب الجولان المُحتل، وفور انتهاء اجتماع استثنائي عقدته هناك بمناسبة الذكرى السنوية لتشكيلها، والذكرى السنوية لـ«جلاء الاستعمار الفرنسي وإعلان استقلال سوريا». وكان لافتاً، وذا دلالة كبيرة، أيضاً، أن يكون الصمت المطبق هو سيد مواقف ما يسمى الأحزاب الصهيونية «المعارضة» تجاه هذا الموقف الاستراتيجي الذي أطلقته حكومة نتنياهو حول هضبة الجولان، ومن هضبة الجولان، ذلك باستثناء تعليق بعض رموز هذه «المعارضة»، بالقول: «لم تكن هناك حاجة لأن توقظ حكومة» «إسرائيل» «دببة الجولان من سباتها على مدار 49 عاماً». ما يعني أن ثمة توافقاً بين الأحزاب الصهيونية، الحاكم منها و«المعارض»، على الموقف من الجولان. وكان ذا مغزى أن تُعلن حكومة الكيان موقفها هذا في ظل مناورات عسكرية في «الجبهة الشمالية»، وبعد أسبوع على إعلان رئيسها، نتنياهو، وأيضاً من الجولان، عن مسؤولية «إسرائيل» عن «عشرات الضربات الجوية» التي نفذها جيشها داخل سوريا، في السنوات الخمس الماضية. وهو الإعلان الذي لا يحمل جديداً سوى الإقرار الرسمي بأن الكيان يستغل الأزمة السورية الداخلية، ويتدخل فيها بأشكال شتى، بما فيها التدخل العسكري المباشر، ما يعني الإمعان في العدوان على سوريا وسيادتها، والتمادي في انتهاك القوانين الدولية، وخرق شروط اتفاق الهدنة السائدة في جبهة الجولان، برعاية هيئة الأمم المتحدة، منذ عام 1974.
عليه، بات ثمة حاجة إلى تشخيص وفهم دقيقيْن للتحولات الجارية في بنية الكيان، أبرزها تعاظم دور التيار الصهيوني الديني القومي في صياغة القرار السياسي والعسكري والأمني «الإسرائيلي»، وانخراطه تحت قيادة حليفه حزب الليكود الصهيوني العلماني الذي رفض قرار التقسيم في عام 1947، وناهض موافقة بن غوريون عليه من باب التكتيك والمناورة والاحتيال على المجتمع الدولي، بل ورفض، (حزب الليكود)، في عام 1993، اتفاق أوسلو، وناهض موافقة حكومة رابين-بيريز عليه، بوصفه (الإنجاز الإستراتيجي الثاني بعد قيام «دولة» «إسرائيل»)، بكلمات الداهية بيريز في حينه. هذا يعني أن الموقف الإستراتيجي الذي اتخذته، وأعلنته حكومة الكيان من الجولان السوري المحتل، وطالبت العالم بالتسليم به، إن هو إلا امتداد لما تتخذه من مواقف صريحة تجاه الصراع على الجبهة الفلسطينية. فمن الرفض المطلق لحق عودة اللاجئين، إلى تكثيف تهويد القدس ، وتأكيد أنها (عاصمة «دولة» «إسرائيل» الأبدية»).

