Menu

صابر محيي الدين: "ولدته أمه... لكن الرّياح هي التي ربّته"... !

نصّار إبراهيم

(في ذكرى رحيله 20 أيلول 2006)

عايشت صابر محيي الدين بما يكفي لأفهمه وأعرفه... ضحكنا كثيرا وتحاورنا كثيرا.. اتفقنا واختلفنا ما شاء لنا واقع الصراع والمقاومة... لكننا لم نفقد الروح والاحترام والثقة والحب الرفاقي العميق.

ما سأقوله ليس رثاء ولا تمجيدا.. بل شهادة من القلب والعقل... فأنا أكره الرثاء ولا يغريني التمجيد.

لا يبدو أن ابن فلسطين ... صابر محيي الدين الذي ولد في السيلة الحارثية قضاء جنين في عام النكبة... معروف للناس كثيرا... يبدو أن طبيعة شخصيته الصارمة بهدوء... وعمله الصامت وعدم اهتمامه بالأضواء والإعلام والخطابات... يشكل أحد أسباب هذا "الغياب"... مع أنه التحق بصفوف حركة القوميين العرب وعمره لم يتجاوز الثمانية عشر عاما... ومن هناك بدأ رحلته... التي لم تدم طويلا فرحل بعمر العطاء وذروته ولم يتجاوز حينها الثمانية والخمسين عاما.. كانت كافية ليكون صابر قائدا صلبا وعنيدا... ومنتجا حتى اللحظة الأخيرة.

كأني أراه قادما من آخر الشارع أو يمشي في أحد شوارع مخيم اليرموك... أو يصعد السلم نحو مكاتب مجلة الهدف... يحمل كتابا وجريدة أو مجلة... يسير الهوينا بأناقته وهدوئه المعهود... بمشيته الصبورة والراسخة... يراك فيبتسم عفويا هكذا... يلقي التحية ويواصل الابتسام... يأخذك من ذراعك ولا يتوقف عن الابتسام... ثم قهوة وابتسامة لا تغيب... ثم حوار في العمق.

هو صابر محيي الدين... يراقب... يتابع.. يقرأ... يستمع... يكتب... يتأمل... يصمت ثم يقول... بعدها يرحل في العمل المقاوم... لا يتوقف ... ولا يتذمر... وكأن ما يقوم به هو مهمة حياته التي خُلِق لها... النضال عنده بديهة بسيطة... وكأن لا شئ آخر في الحياة...

لا أعرف إن كان صابر قد مر في مرحلة الطفولة والمراهقة والشباب... كل ما أذكره أنه شاب في مواقع المسؤولية الأولى... وما يترتب عليها من جهد وجدية وتعب... كل ما أذكره أنه مشغول بقضية وطن وشعب... قضية فلسطين... وفلسطين كعادتها مع أبنائها... دفعت به باكرا نحو ميادين الاشتباك... نحو العمل المنظم... إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ... هناك ولد وهناك شب وهناك نضج وهناك قاوم وهناك فرح وحزن وتألم... ومن هناك رحل... ولم يغادر حلقة الاشتباك لحظة واحدة...

عنيد هو صابر... ولا يجامل... قد يخطئ كما غيره وكما أي إنسان... لكنها أخطأ الفعل والأحمال الثقيلة...

لا تغريه الأضواء ولا يجذبه الصخب.. فهو رجل العمل الهادئ الصبور البعيد العميق...

في زاوية ما أو في ظل شجرة أو في لهيب مواجهة... دائما منسجم مع ذاته... تتألق عيناه... ينظر بعيدا ثم يعود لذاته وعمله... وذاته لم تكن يوما له .. وكأني بمحمود درويش قد عناه شخصيا حين قال:

((هل هذا هُوَ؟)) اختلف الشهودُ:

لعلَّه، وكأنه. فسألتُ: ((مَنْ هُوَ؟))

لم يُجيبوني. هَمَسْتُ لآخري: ((أَهو

الذي قد كان أنتَ... أنا؟)) فغضَّ

الطرف. والتفتوا إلى أُمِّي لتشهد

أَنني هُوَ... فاستعدَّتْ للغناء على

طريقتها: أنا الأمُّ التي ولدتْهُ،

لكنَّ الرياحَ هِيَ التي رَبَّتْهُ

هذا هو بالضبط صابر محيي الدين... ولدته أمه لكن الرياح هي التي ربته كما تشاء... حين دفعت به ليحلِّق باكرا بين المدى والأمنيات والأحلام... فبقي يراوغ الموت طويلا... لكنه لم يحد عن خط الواجب لحظة...

كان حالما... بل أقرب للشاعر منه للسياسي... وأحيانا أقرب للمفكر منه للحزبي وأحيانا أقرب للحزبي منه للمفكر...لا يتوقف عن الاجتهاد حتى النهاية... يحاول ولا يكف عن المحاولة... مقاتل بالفكرة والموقف والفعل المباشر... لا يجد فرقا بين كل هذا...

عنيد أكثر مما يوحي بذلك وجهه العفوي الباسم... أحيانا كان يغضب... يغضب سياسيا.. يغضب ثقافيا... ويغضب من الجهل ... لكنه ذلك الغضب النبيل العفيف... يغضب دون أن يتجاوز الأدب واللياقة... بعدها يعود لسيرته حالما وأكثر صمتا... يعود باسما وأليفا من جديد...

يسابق الوقت... فينسى ولهذا يبقى سراج غرفته مضاء حتى آخر الليل.. لكنه يكون صباحا أول المستيقظين...

كم كان حضورك جميلا يا صابر.. وكم كان أحيانا متعبا لغيرك... متعبا لأنك تلح وتتابع.... لا أريد أن أقول أنك أجترحت المعجزات فأنت كما القادة الآخرين ابن سياقك وبُناه الحاكمة... لكنك وبكلمة كنت وفيا لما آمنت واقتنعت به..

قريب من القلب... وأحيانا كان قاس في أحكامه... لا بأس... فتلك فضيلة أيضا... ألم تصل قضية فلسطسن إلى ما وصلت إليه إلا من وراء المجاملات وضيق الأفق والرهانات والخيارات القاصرة... وغض الطرف، وعدم تحمل الصوت الحازم الناقد...

يصف البعض صابر بأنه متصلب في رأيه ولا "يجيد" المساومة ... حسنا ها قد تُرِكت الساحة للعقلانية والبراغماية والواقعية عقودا... فقولوا الآن لصابر: ماذا حصدتم من "عقلانيتكم وواقعيتكم"...؟ وهل فعلا كان صابر متصلبا... هكذا لا لسبب؟ أم أنه كان يدرك المعادلات عميقا... ولهذا كان يغضب من الهبوط الذي لا يقود إلاّ لهبوط جديد... حتى لم يبق ما نساوم عليه أو أرضا نهبط عليها؟!

في البداية والنهاية كان صابر محيي الدين وسيبقى راية من رايات فلسطين العالية والبهية... التي لم تنتكس ولم تغادر ساحات الاشتباك... فتذكروه...! فمن حق الشهداء علينا أن نتذكرهم دائما.. فلا تنسوا شهداءكم!

ملاحظة: على المعنيين أن يقوموا بجمع ما كتبه وما أنتجه صابر محيي الدين من قراءات ومقالات ودراسات وإصدارها في كتاب.. ليعرف الناس

صابر محيي الدين:

عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .

عضو المجلس الوطني الفلسطيني .

عضو المجلس الأعلى للثقافة والعلوم في المجلس الوطني .

عضو الامانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.

عضو أمانة السر للجنة الدفاع عن الثقافة الوطنية الفلسطينية .

مشرف ورئيس تحرير مجلة الهدف التي رئس تحريرها الشهيد غسان كنفاني .

مدير مركز الغد للدراسات الذي أسسه د. جورج حبش الحكيم.