Menu

نجوم ميتة

وضاح خنفر

بقلم / عرفات الحاج – خاص بوابة الهدف.

"أتساءل لماذا نصر نحن والإسرائيليون على (الطلاق) بينما حققت جنوب إفريقيا) الزواج) ووصلت إلى نهاية سعيدة"، جملة تحدث بها وضاح خنفر مدير منتدى الشرق، والمدير العام السابق لشبكة الجزيرة خلال لقاء مع محطة اذاعية استرالية.

عبارة السيد خنفر تحمل جملة من المغالطات في تناول الصراع العربي - الصهيوني، أولها التسليم ضمنا بتطابق نموذج الصراع مع نظام التمييز العنصري الذي قادته الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا، وبين المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين، والذي يمضي بخطى واضحة كرأس حربة للمشروع الاستعماري الغربي في المنطقة، وكمنظومة للتطهير العرقي والإجلاء والإحلال والاستيطان والإبادة المادية والمعنوية للشعب الفلسطيني، أي أن الكارثة الناجمة عن وجود المشروع الصهيوني لا تنتهي بسن بعض اللوائح والقوانين التي تسمح ببناء نظام سياسي موحد للعرب واليهود في أرض فلسطين، بل أن المطلوب هو تفكيك المنظومة الاستعمارية، وأدوات قمعها التي تشكل جوهر وجودها، أي أن المطلوب إنهاء المشروع الصهيوني لا الزواج معه، هذا بجانب مغالطة أخرى في تصور أن الصراع في جنوب افريقيا قد انتهى، فحقيقة أن القوانين التي جرى تعديلها لم تسمح حتى اليوم للسود بالحصول على أوضاع معيشية لائقة أو مقاربة لتلك المكاسب والامتيازات الاقتصادية التي تَحصَلَّ عليها الأبيض المُستعّمر في تلك البلاد، ولا زالت الطريق طويلة أمام تحقيق العدالة لسكان جنوب افريقيا، والمثير هنا هو السياق الذي يأتي منه هذا التصريح، والسياق الذي يأتي منه الرجل نفسه.

بالنظر لسيرة السيد خنفر، فإنه على خلاف الصورة التي جرى تقديمه بها طيلة السنوات الماضية كنجم إعلامي لامع، يعتبر الرجل لاعب سياسي قام بأدوار متعددة الوجوه منذ بداية صعوده الذي ارتبط أساسا بهذه الأدوار، فالانتقال من مدير لمكتب الجزيرة في العراق قفزًا إلى موقع المدير العام لقناة الجزيرة بالتأكيد لم يكن ارتقاء مهنياَ طبيعياً إذا ما نظرنا لأي سلّم وظيفي في أي مؤسسة في هذا العالم، وإذا ما نظرنا إلى مجموعة الأدوار التي قام بها والجزيرة في عهده نرى نموذجًا حقيقيًا لنوع خاص من العمل السياسي الذي يجري صناعته في عالمنا العربي، ليس ابتداءً بكون القناة مدخل للتطبيع مع الكيان الصهيوني، ولا انتهاء بالاتصالات المستمرة بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والسيد خنفر والجزيرة في عهده، حسبما أفادت وثائق وكيليكس وهو ما لم ينكره الرجل في لقاء خاص أجرته معه "العرب اليوم"، وهو واحد من أولئك الذين فهموا السياسة على أنها العلاقة مع المركز الغربي المهيمن، والعمل كجسور وقنوات اتصال بينه وبين قوى المنطقة.

هؤلاء النجوم اللامعين المنفردين الذين تحرص وسائل الإعلام العربية على تقديمهم، بعيدين تمامًا عن أي إيمان بقيمة مجتمعاتهم أو القوى التي صعدوا لمواقعهم من خلالها، وتطورت لديهم أوهام حول عبقريةٍ ما يمتلكونها، تفوق كل تلك القيم الخاصة بالذكاء الجمعي للجماهير أو القوى الحية في عالمنا العربي، بل وأن فهمهم لمداخل العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية أولى أولوياته هو تقديم صيغ اعتذارية عن فهمنا للصراع مع العدو الصهيوني ومصالح المنظومة الاستعمارية، ومحاولة اقتباس لغة السيد الغربي في التعبير عن ذاتنا أو قضايانا، وتقديم كل صيغة اعتذارية ممكنة عن هويتنا وجوهرنا.

النكوص الكبير

فقدان حركات الاسلام السياسي لمواقع السلطة التي زحفت لها منذ "الربيع العربي" خلق مفاعيل متعددة داخل هذه الحركات، أبرزها الدخول في مراجعات متنوعة الاتجاهات، قد يكون أهمها اعتبار أن هذه الحركات فشلت في تلبية متطلبات القوى الغربية المهيمنة على العالم، وفي المقدمة منها الولايات المتحدة، وبالطبع فإن المراجعة والنقد الذاتي وتصويب المسار هي ضرورات في حياة أي جماعة سياسية، ولكن الغريب أن تجري هذه المراجعات تحت ضربات المهيمن وتخرج بخلاصات حول ضرورة إبداء المزيد والمزيد من الخضوع له، فلعل هذا ما يصح تسميته بالاستسلام.

هذا النموذج من عمليات إعادة التربية السياسية ليس الأول من نوعه في عالمنا العربي، فحينما سقط الاتحاد السوفياتي، انتشرت كالهشيم في صفوف اليسار العربي دعاوى التخلص من الأفكار والنظريات الاشتراكية، بل وضرورة فهم الواقع الذي تهيمن فيه الولايات المتحدة على العالم كقطب منفرد، وتعديل كل ما تطرحه سياسيًا في هذه القضايا بما يتوائم مع ما يمكن أن يسمح به عالم الولايات المتحدة.

الأسوأ في ذلك أن النموذج البائس الذي ساد أوائل تسعينيات القرن المنصرم، لا يقتصر على دعوته لجماعته السياسية للاستسلام الفكري ونبذ النظرية الاشتراكية، وإصراره كذلك على الاستسلام غير المشروط في كل قضايا الأمة العربية وعلى رأسها القضية المركزية للعرب، وهي قضية فلسطين التي رأى المبشرين بالهزيمة آنذاك ضرورة دخول نفق التسوية بالشروط الأمريكية لا فكاك منه، ولكن الأسوأ على الإطلاق كان أولئك الذين اختاروا مغادرة فصائل وحركات ثورية رفضت الخضوع لارتجافهم، وحافظت على الحد الأدنى من ثباتها السياسي، نحن نتكلم في تلك الفترة عن هجرة جماعية للكثير من "تكنوقراط" اليسار العربي والفلسطيني من أحزابهم باتجاه مواقع السلطة وصحف الخليج ومعسكر التسوية، بل ومؤسسات التطبيع، هؤلاء اليوم هم نجوم في وسائل الإعلام، ومنظرين للانفتاح على الغرب، ومدراء لمؤسسات منفذة لمشاريع الاختراق في عالمنا العربي. 

ومثلما كان في صفوف المنكفئين عن اليسار مطبعين مع الاحتلال وكتبة يدافعون عن نظم الرجعية العربية، فإن المنظومة الإسلامية في مرحلة رهانها الغربي قد أفرزت لنا مراسلات مع الكيان الصهيوني على غرار "عزيزي بيريس"، فيما تفوّق بعض المستقلين عنها في هذه المرحلة بإظهار مواقف تدين الفعل البطولي للجندي الدقامسة، وتختص بالاقتصاص من شهداء مقاومة الاحتلال عبر استنكار أفعالهم، أو على غرار السيد خنفر وتصوره للصراع مع الكيان الصهيوني كعلاقة زوجية يبحث لها عن "نهاية سعيدة" (وهو تعبير مستوحى من بعض الإعلانات الخاصة بمهنة الترفيه الجنسي).

المؤسسة التي يقف خنفر على رأسها اليوم هي "منتدى الشرق"، المرخص في سويسرا، والذي يعلن أن تمويله يأتي من "متبرعين" بالطبع لا يعلمهم أحد، ويؤكد على أهدافه في تحقيق الأمن والاستقرار والسلام، وهنا من الواضح أي سلام هذا الذي يقصده.

الغريب أن مثل هذه المراجعات لا تفرز على الإطلاق موقفاً ينادي بالانفتاح على الداخل الوطني، بل أن أصحابها تتراوح مواقفهم بين التحريض الطائفي، والعداء المفرط والتشدد تجاه القوى والتيارات الأخرى في الداخل الوطني، وبذلك يتجه انفتاح هؤلاء النجوم فقط إلى أعداء شعوب هذه المنطقة. وأن هؤلاء وإن استندوا في صعودهم لسدة الرضا الغربي لصلتهم بقوى جماهيرية حقيقية سواء كانت إسلامية أو يسارية، فإنهم سرعان ما تنكروا لها، على غرار اتخاذ خنفر لمسافة من تنظيم الإخوان المسلمين، وهو ما يفقدهم أي قيمة حقيقية في نظر المركز الغربي، ويُبقي عليهم كأدوات للاستخدام المؤقت سرعان ما يجري التخلص منها.

أي أننا نتحدث هنا إجمالًا عن نجوم ولدت ميتة، لتقوم بأدوار قصيرة في تشويش الخطاب والهوية، وحرف معاني الصراع واختزالها، لتنكفئ لاحقا وتُكنس إلى الهامش.