Menu

هذا التشييع للأحياء!

زميلات رزان بعد استشهادها

خالد جمعة

تشييع... مؤقتاً إلى رزان النجار...

هي ميّتة على كل حال، وهذا التشييعُ للأحياء!

الزهور جوار القبر، والعطر الذي حمموها به، هو للأحياء أيضاً، فحين توقف نبضها عن النبض، حين سكن مثل أي آلةٍ نُزع شريطها الكهربائي، لم يعد هناك تسارع تقتضيه الحالة، لا الخوف يزيدُ من معدل دقات قلبها، ولا الأمان يقلّلُها، هي تلك النبضات الساكنة والساكتة في ذلك القلب الصغير الذي لم يتفتح بعد ليمارس لؤمه على الحياة، كان ظنُّها عميقاً بأنها محميّةٌ بشكل من الأشكال من الموت، فكل من رأتهم يموتون حتى تلك اللحظة، كانوا في عمرٍ يهيؤهم للموت، من جدتها أم أبيها، إلى خالة الولد الفاسد في الطابق الأعلى من البناية، كلهم ماتوا حين انتظر الناس موتهم، أما هي، فلم تكن كذلك.

الطقوس كلّها للأحياء وليست لها، فلم يعد يعنيها بياض الكفن، لم تعد تهتم بتسريحة شعرها الذي حمموه بالكافور والمسك، ولا بثنيات جسدها التي بدأت في الظهور، رغم أن الزعفران الذي فركوها به، جعل كلّ شيءٍ واضحاً، كأنه رُسم بقلم فحمٍ على شاشةٍ بيضاء، الكفن يصلحُ أن يكون قماشاً للوحةٍ حين يُشدُّ على الخشب أيضاً، يا للمفارقة.

الطقوس كلُّها للأحياء وليس للميتين، وهي الآن ميتة، تماماً تماماً، لا أساورَ في اليدين، ولا عقد في الرقبة، ولا حتى خاتم صغير، الحناء على الكعب هي الوحيدة التي بقيت لأنهم وجدوا استحالةً في إزالتها.

بعد قليل ستذهب إلى مثواها الأخير، صديقاتها كلهن هنا، حتى تلك التي لم تكن تحبها، لو عرفت أن هذا سوف يحدث، فلربما أحبتها وأهدتها شيئاً في عيد ميلادها الذي لم تذهب إليه، أشياء كثيرة كانت ستتغير لو أننا عرفنا ما سيحدث غداً، فقط غداً وليس بعد مئة سنة، يا إلهي كيف تتغير القلوب بين ميتةٍ وأخرى.

الطقوس كلها للأحياء، السماء تدخل في بؤبؤي عينيها المطفأتين، هي على ظهرها، يهزّها من يحملون النعش، وهي ترى، لكنها لا تعي ما تراه، الأحياء يعون كل ذلك، ويلبسون الحزن كقناع أخير، وهي لم تعد تهتم بهذا الحزن، في الحقيقة ولا بالفرح أيضاً، فهي لم تعد حيّةً لتفكر في تفاهات مثل هذه.

الطقوس كلها للأحياء، ففكروا فيهم فيما أنتم تعدون طقوس الميتين...