المشهد الذي تقدم فيه آلاف من أبناء فلسطين و القدس لفتح باب الرحمة في المسجد الأقصى، كان نموذجًا واضحًا عن واقع الشعب الفلسطيني، قيمه، وتطلعاته، آماله، وإرادته، وكيف يعمل في ظل هذا السواد الحالك، على انتزاع الحق في الوجود، وفي الحرية، وفي مقاومة الاحتلال كطريقٍ للتعبير عن هذا الوجود ومعانيه.
مشهد آخر ضمن آلاف من أبناء فلسطين في اللجوء، شيعوا الشهيد القائد المناضل ماهر اليماني، ليودعوه بعد مسيرة نضالية طويلة، قضاها مؤمنًا بحقوق هذا الشعب، ومناضلاً في سبيل انتصاره، وكأن المشهدان من مسيرة متصلة، لا تنقطع، تصور النضال والمناضلين، ونهاياتهم المُضيئة التي تعكس تمسك جماهير شعبنا بقيمهم، وبما ناضلوا من أجله، فمن تظاهر في القدس هم في معظمهم أجيال جديدة من المناضلين المتمسكين بكل ذرة تراب من فلسطين، كما كان الشهيد ماهر، ومثله عشرات الآلاف من شهداء فلسطين.
هذا الدرب مهما ضاق، ومهما اعترته الصعوبات، وتضافرت نظم الرجعية العربية مع الكيان الصهيوني، وقوى الطغيان والهيمنة، لا زال يضيء في السودان بثورة ضد نظام القمع والاستبداد، وفي فلسطين ضد المنظومة الاستعمارية الصهيونية، مُجدِدًا تلك الصورة الصادقة عن وحدة كفاح شعبنا في وجه الاستعمار، وأدواته من نظم الرجعية العربية، فمن أرسل جنوده للمشاركة في حرب النظم الرجعية ضد شعبنا في اليمن، لم يكن في لحظة إلا شريكًا للمُستعمر في رؤيته لشعوبنا، كوقودٍ رخيص في الحروب، وحشود يسهل استعبادها وتطويعها، وإفقارها ونهب أرزاقها، والحيلولة دون وحدتها، ودون ادراكها لمصيرها المشترك.
ما تقوله الجماهير العربية كل يوم، عن ايمانها بفلسطين كبوصلة، وبالحق الانساني الجماعي والفردي لهذه الأمة في الوجود والازدهار، هو رسالة خالدة مفادها أن الثورة لم تنتهي، وأن الأمل لم ينقطع، وأن محاولات المطبعين في "وارسو"، وعبر شاشات "الجزيرة"، إنما هي جولات بغي ستنتهي بهزيمة أصحابها من طغاة ونظم ونخب مرتهنة للمشروع الغربي الاستعماري.
جولات التطبيع، لا تقابلها إلا صولات الجماهير في ميادين الثورة والمقاومة، وردها الصارم في رفض الاستسلام، والإصرار العميق على الاستمرار في المعركة، وإذا كانت هذه النظم والنخب قد هزمت، فجماهير شعبنا وأمتنا من الواضح أنها لم تهزم، فإرادة الكفاح باقية، وعزيمة الانتصار لن تفنى، ومن لا يدرك ذلك ويُصر على المضي في مسيرة الاستسلام الذليلة عليه الانسحاب من المشهد، وترك الساحة لمن يحملون أمل هذه الأمة، ويؤمنون بحتمية انتصارها، فهذا الأمل الخالد، لن تفرط به هذه الشعوب العظيمة.

