تثبت جماهير شعبنا وعيًا فائقًا بالمخاطر التي تستهدف قضيتها وحقوقها، وكذلك قدرة استثنائية على التنظيم الذاتي لصفوفها وابتداع الأدوات النضالية، واشتقاق الموقف السياسي الملائم، وكأن رصيد الفكر السياسي وأدبيات التحرر التي تم إنتاجها في عمر الثورة الفلسطينية كانت من نصيب الجماهير أكثر مما كانت من نصيب قيادتها الرسمية.
بالأمس نجحت مجموعة من الشباب الفلسطيني في إفشال اجتماع أمني بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية في بيت لحم، مؤكدة على هذا الوعي بخطورة التنسيق الأمني الذي يعمل كأداة خنق لمقاومة هذا الشعب وينغرس كخنجر غدر في ظهره، هذا التنسيق الذي بات اصرار السلطة الفلسطينية عليه في هذه المرحلة بالذات تعبيرًا عن الارتهان وكارثية المقاربة السياسية التي لا زالت ترى في الاحتلال شريكًا، وتقف على النقيض من الموقف الشعبي منه، بل وتتجاوز قرارات مؤسسات رسمية يفترض أنها مركزية في بنية النظام السياسي المختل، بما فيها قرارات المجلسين الوطني والمركزي الخاصة بقطع العلاقة مع الاحتلال.
الغريب في سلوك السلطة الفلسطينية ليس اصرارها على الاستمرار في التنسيق الأمني، بل ذهابها نحو خطوات تحمل كل ما يستفز جمهور شعبنا، فاستدخال الاحتلال محروسًا من قبلها إلى مدننا وقرانا ما هو إلا مساهمة في تكريس وجوده وتغطية على جرائمه، وتحدي مخزي لإرادة شعبنا، فلم تكتفِ الأجهزة الأمنية والسياسية للسلطة الفلسطينية باستمرار لقاءاتها مع الاحتلال في كل موضع، بل ذهبت لعقد اجتماعات أمنية معه في قلب التجمعات الفلسطينية المحاصرة والمعرضة يوميًا لقهر الاحتلال وإجراءات قمعه.
عمليًا انكفأت المؤسسة الرسمية الفلسطينية عن الموقف التحرري وكذلك عن الممارسة، وباتت أداة سلطوية ملتصقة مصلحيًا بالاحتلال، تمارس يوميًا تعميقًا لهذا الارتباط، فيما تقف جماهير شعبنا في غالبها على النقيض تمامًا من ذلك السلوك، وهو ما يعني الكثير على مستوى قراءة درجة انفصال المنظومة السياسية عن الإرادة الشعبية، ودرجة انفصالها كذلك عن فكرة التحرر والاستقلال الوطني وممارستها. هذا التناقض الخطر الذي تصر السلطة عليه، وفي هذه المرحلة بالذات الذي يتصاعد فيه مخطط التصفية ضد حقوق شعبنا، يشكل أداة أساسية لتقويض النضال الوطني الفلسطيني، وفتح ثغرات في جدران المقاطعة الشعبية والدولية والعربية للكيان الصهيوني، على نحو يهدد الحقوق الوطنية بشكل واضح، ويفتك بجهود المقاطعة المتزايدة والرامية لمحاصرة الكيان الصهيوني، ويعزز فرص العدو وحلفائه في انفاذ مساعيهم لتصفية القضية الفلسطينية.
لا تكفي المراجعة السياسية لتصويب هذا المسار الكارثي، بل باتت هناك حاجة لجهد شعبي ووطني متزايد، يردع تشكيلات المصالح المتفردة بالمؤسسات الوطنية الفلسطينية، وبالقرار الفلسطيني، ويمنع سلوكها المدمر بحق شعبنا، وهو ما يحتاج لموقف جاد من القوى الوطنية الفلسطينية كافة، لردع مشروع التنسيق الأمني الذي تضخم وتراكمت مصالحه وارتباطاته مع الاحتلال، بحيث يكاد يبتلع كل ما هو سياسي في المؤسسة الرسمية الفلسطينية، بل وبات مشروع مساعد لتنفيذ مخططات العدو في خلق احتلال مجاني للأرض الفلسطينية تحرسه بنى أمنية وإدارية منفصلة عن الجمهور الفلسطيني وحقوقه.

