يتصور البعض بأن اتفاق نتنياهو – غانتس على تشكيل حكومة في "إسرائيل"، هي "حكومة كورونا" من أجل مواجهة أخطار الوباء، وأن المفاوضات الماراثونية الائتلافية التي استغرقت أسابيع طويلة لتشكيل حكومة بين الليكود، وأزرق أبيض "المعدل"، بعد انسحاب بعض أطرافه لانتهازية رئيسه "غانتس" كان هدفها مواجهة جائحة كورونا؛ التحركات على الأرض تعكس غير ذلك.
لقد كانت أحد أهم الأوراق التفاوضية تتعلق بضم المستوطنات وشرعنتها، ولقد كان الحديث عن ضم المستوطنات وشرعنتها يدور سابقاً في أوساط اليمين وخاصة "الليكود" و "البيت اليهودي" سابقاً، أما اليوم، فهو برنامج "وحدوي" لحكومة في "إسرائيل"، خاصةً بعد أن أطلق ترامب شرارة صفقة القرن، كي تكون مؤشراً وهادياً للأحزاب الصهيونية وبرامجها السياسية والانتخابية والائتلافية، وثبت ذلك بإعلان تحديد موعد لضم أراضي الضفة، كجزء من الاتفاق على تشكيل الحكومة.
ونشير هنا إلى أن ما فجّر مفاوضات تشكيل الحكومة سابقاً "بحسب الإعلام الإسرائيلي"، فهو قضية "تعيين القضاة في إسرائيل"، وبهذا المعنى، لم يكن ولم تكن "الكورونا"، بأكثر من شماعة يتخذها انتهازيو الأحزاب الصهيونية، كي يعتلوا كراسي الحكم في دولة الاحتلال من أقصى اليمين إلى أقصى ما يُسمى اليسار، بحيث يشارك "عمير بيرتس" أو سيشارك في حكومة نتنياهو الائتلافية، والحديث يدور عن توزيع مناصب، وليس مواجهة خطر الكورونا؛ لأن التداعي لتشكيل حكومة طوارئ لمواجهة أزمة كورونا، يقتضي الابتعاد عن التقاسم وتحول رئيس الوزراء لوزير صحة ومجلس الوزراء لمندوبين صحيين، ولكن الذي يحدث هو غطاء من أجل دمج اليمين بما يُسمى يساراً في "إسرائيل" في حكومة واحدة، يكون شعارها السياسي تطبيق صفقة القرن، أو ما يهم "إسرائيل" في هذه الصفقة؛ ضم أكبر قدر ممكن من الأرض بأقل قدر من السكان.
إن اليمين المتسلح بوعود ترامب وصفقته والمنتصر بأيديولوجيته انتخابياً يسعى لتكريس فكره على دولة "إسرائيل" وعلى ما تبقى من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، بعيداً عن ما يسميه البعض "سلاماً"، واليسار الذي أدرك تماماً أنه انهزم وإلى الأبد، يسعى لتخفيف آثار هزيمته أو هكذا يبدو وخاصةً في مضماري التشريع "الكنيست"، والقضاء "المحكمة العليا"، وهو ما أحدث تفجيراً في المفاوضات الائتلافية، فأين الكورونا من حكومة هذا الاحتلال؟
إنها غطاء يستفيد منه الاحتلال لتمرير مخططاته على حساب شعبنا، ومستفيداً من الهامش الذي سببته كورونا بالتهليل في النظام الدولي، الذي لن يستعيد عافيته بعد كورونا، وعلى ذلك فإن الوقت الملائم لتطبيق صفقة القرن، هذه الأيام؛ "فإسرائيل" تسمح للسلطة وقواها بالانتشار على الحواجز ما بين الضفة و"إسرائيل"، وتسمح للأجهزة الأمنية بالانتشار في العيزرية وأبو ديس، وكفر عقب تحت مسميات مواجهة الكورونا، وتتوسع في ذات الوقت مستخدمة جيشها وعسكرييها لمصادرة الأراضي وشق الطرق الاستيطانية، وتوسيع البناء في المستوطنات، وترسيم الحدود للصفقة على الأرض في غياب أي اهتمام أو متابعة من أي طرف، وتجعل من سياسة الضم والتوسع وشرعنة المستوطنات برنامجاً ائتلافياً لحكومة وحدة تحت غطاء الكورونا.
إن خطورة الكورونا في أنها عدو أعمى يضرب حيث لا يمكن التوقع، وبهذا، فالوباء عدو أحمق لا يمكن التنبؤ بخطواته، أما العدو الحقيقي الذي يجعل من الوباء جزءاً من استراتيجيته لتطبيق وتحقيق أهداف أمنية وسياسية وعسكرية، فهو العدو الحقيقي الأخطر؛ الاحتلال.
لقد سمحت لنا الظروف بالتواصل مع بعض أهلنا في القدس الذين أكدوا أن "إسرائيل" سعت ومن خلال أمريكا، ولا زالت تسعى من خلال تثبيت إعلان القدس عاصمة موحدة لدولة "إسرائيل"، في حين أنه في ظل الكورونا، أُعيد تقسيمها، حيث منعت قوات الاحتلال الحركة ما بين شرقي وغربي القدس، يترافق ذلك مع السماح للقوى الأمنية الفلسطينية بالدخول لمناطق مثل العيزرية وأبو ديس وكفر عقب وغيرها تحت حجة الكورونا، وتتغول في السيطرة والاستيطان والتوسع، وتتوج ذلك ببرنامج سياسي، يشمّر عن خطواتها في قادم الأيام بعد انجلاء الكورونا؛ فهل تعي السلطة الفلسطينية والآخرين هذه الحقائق؟ أم أن هذه الحقائق غائبة أو غير ذات أهمية في واقع الكورونا؟ بمعنى أن العداء مع الاحتلال وُضع جانباً، أم أننا سنفيق بعد اليوم التالي للكورونا على صفقة القرن وقد طُبقت على الأرض؟ وهل تعني كل السياسات الإعلامية والمؤتمرات التي تمُجد صباح مساء بدور السلطة والمؤسسة الأمنية ودور الرئاسة وحركة فتح في مواجهة كورونا؛ الأمر الذي وصل حد أن يخرج المتحدث باسم الأجهزة الأمنية "عدنان الضميري" للحديث عن الكورونا ودور الأجهزة الأمنية في مواجهته؟
هذه مجموعة من علامات الاستفهام، نضعها برسم الإجابة لمن يمتلكون حرية الفكر في زمن الانتصارات الكورونية.
لماذا؟
الإجابة هي خطيرة؛ فالعالم يسعى اليوم للانتقال للمرحلة الثانية، وهي التي تعني التكيّف مع الكورونا، وليس مواجهته. لقد حاول " ترامب" وامريكا، تجاهل الوباء ولاحقاً التكيّف معه، من خلال محاولاته الإعلامية والمتكررة وضع حد لهذا الوباء، وقد حدد موعد قبل عيد الفصح في أمريكا، واليوم يضع نهاية عيد الفصح أو نهاية هذا الشهر على أكثر تقدير، وكذلك تفعل الدول الأوروبية، والصين و"إسرائيل".
ما هو الرابط ما بين مواجهة كورونا أو التلاؤم والتكيّف معه؟ وبين وباء الاحتلال وسياساته؟
إن مقدرة وإمكانيات وظروف كل دولة في مواجهة كورونا، ولاحقاً التكيّف مع الوباء مختلفة ومتفاوتة، وطبيعة هذا الوباء "كورونا"، هي تماماً كالاحتلال إما البقاء وإما الفناء؛ والبقاء بهذا الصراع للأقوى، بحسب كلاً من مالتوس وداروين، وبهذا المعنى لا يمكن (للدولة) وتحديداً الدول الرأسمالية ونظام السوق الحر، والنيوليبرالي، البقاء في حالة من الجمود، وفرض حظر التجول على مدن وعواصم العالم، مما يفرض تعطيل الماكينة الإنتاجية الرأسمالية، وهو ما يفرض على الحكومات قسراً؛ إعادة فتح العواصم والمدن وسحب الجيش، وإعادة العملية الإنتاجية الرأسمالية، لإعادة ضخ الأموال في الأسواق والبنوك والموازنات والرسائل، مما يعني التكيّف مع الوباء، وليس فقط مواجهته. ولأن قدرات الدول مختلفة، فهناك دول ستنهار، وهنالك دول ستصمد بحسب هذه الإمكانيات والقدرات، وبسبب من ذلك ستكون هنالك دول رائدة وقائدة تفرض سياساتها وهنالك دول تابعة، وهو ما يعني إعادة تموضع جيوسياسي على المستوى العالمي؛ تكون فيه الدول القوية، والقوة هنا تعني: التصنيع والمال والسيطرة، وهو ما تمثله الصين حالياً في الوضع الراهن، وتسعى له دول العالم كافة مثل روسيا وأمريكا.
لقد أعلنت معظم دول العالم بما فيها إيطاليا، إسبانيا، وغيرها من العودة التدريجية للأوضاع الطبيعية، حتى نهاية هذا الشهر على أكثر تقدير، وهو ما تسعى له " إسرائيل" أيضاً.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لصفقة القرن؟
إن السلطة الفلسطينية هي حكم ذاتي هش، ومجتمع ضعيف وفقير يخضع للاحتلال، وتسعى السلطة صباح مساء لشرعنة ذاتها أو سياساتها أو قياداتها، من خلال إظهار ذاتها في مواجهة حرب الكورونا؛ ولأن هذا الكورونا يستهدف البشر فقط، فإنه يتواءم مع صفقة القرن وسياسة الاحتلال، من حيث جغرافيته، حيث يتركز ويتموضع الأمن والسلطة نتيجة للكورونا، وعدم قدرة هذه السلطة على التكيّف مع الكورونا، بل ستبقى تراوح كما غيرها من المجتمعات الفقيرة في مرحلة المواجهة، وبعكس دولة الاحتلال التي تسعى للتكيّف كمرحلة ثانية، مما يعني عودة دولة الاحتلال لرفع شعار صفقة القرن سياسياً وهو ما لم يغب عن سياساتها ولو لثواني. ولأن الصدف شاءت أن تكون جغرافية الكورونا، تماماً هي جغرافية الصفقة، وتمركز أجهزة السلطة في هذه الجغرافية، وانتشار جيش الاحتلال خارج جغرافية صفقة القرن، والذي يترجم بالسيطرة الفلسطينية على المراكز السكانية لمجابهة الكورونا، وسيطرة جيش الاحتلال على الضفة والمناطق C وb، فلقد لوحظ عودة جيش الاحتلال لمعسكرات ومواقع متتالية وتدريبات في مواقع في الضفة الغربية، لم يستفد منها جيش الاحتلال منذ حرب الخليج 1991. وهذا يعني فرض جغرافية ( الكورونا – صفقة القرن)، مترافقاً مع شرعنة الشعارات والبرامج السياسية الصهيونية المنادية بالضم والشرعنة والاستيطان والسيطرة على مساحات واسعة من الضفة الغربية التي ثُبتت في المفاوضات الائتلافية لحكومة الاحتلال "الكوورنية"؛ فالخطر المحدق بالشعب الفلسطيني كان ولا يزال، وسيبقى هو الاحتلال، وما الكورونا إلا غمامة آخر الشتاء المنقضي ليس إلا.

