الحرب العالمية الثانية أفرزت معطيات جديدة على الصعيد الدول، هذه الحرب التي اندلعت بين قوى رأس المال تحت عناوين قومية اتسمت بالعنصرية والنازية، ولكنها بالجوهر كانت تعبر عن تناقض بين مصالح قوى رأس المال لإعادة توزيع المصالح الرأسمالية.
لكن الحرب بدأت تاخذ بعدًا أخر بعد أن دخلت الجيوش الألمانية الأراضي السوفييتية، مما أعطى بعدًا مركبًا للحرب، حيث أرادت ألمانيا تحقيق نصرًا مزدوجًا على الحلفاء من جهة، وعلى الدولة السوفييتية ذات الطابع الاشتراكي من جهة أخرى.
أدت نتائج الحرب العالمية الثانية إلى تغيير جذري بلوحة التناقضات العالمية التي أفرزت نتائجها صعود قوتان رئيسيتان تعبران عن قطبي التناقض الرئيسي بين نظامين رأسمالي واشتراكي؛ في القطب الرأسمالي سيطرت الولايات المتحدة على كل مناحي الحياة الرأسمالية، بعد أن استثمرت في إعادة بناء أوروبا الغربية (مشروع مارشال)، مما أدى لتراجع الاستعمارين الفرنسي والبريطاني وانكفائهما وفرض عليهما إعادة إنتاج الشكل الاستعماري في المنطقة العربية، بما يتوافق مع تأمين الظروف المحلية والدولية لإعلان قيام دولة إسرائيل.
إن الاعلان عن استقلال كل من سورية ولبنان وشرق الأردن كان إعلانًا إجرائيًا لتنفيذ معاهدة سايكس – بيكو، وبالجوهر تهيئة لإعلان دولة إسرائيل، لكون هذا الاستقلال هو قرارًا استعماريًا غير فيه شكل الاستعمار القديم المباشر إلى شكل غير مباشر . خرج الاستعمار بشكله المباشر وبذات الوقت فرض اتفاقيات على حكومات كل من سورية ولبنان، أما الأردن فقد استمر مسيطرًا على الجيش حتى عام 1956، الذي انتقلت فيه قيادة الجيش الأردني إلى قيادة عربية نتيجة لضغط حركة الضباط الأحرار، مما استدعى إنهاء خدمات كلوب باشا وضباته.
الفترة ما بين عامي 1944-1950 تم إنهاء تقسيم سورية و فلسطين وإنشاء ثلاث كيانات سياسية بهوية عربية تحمل بذور تعارضها وخصومة أنظمتها التي عمل على تهيئتها كل من الاستعمار (الفرنسي - البريطاني)، منذ انهيار الدولة العثمانية.
أما عن فلسطين وشعبها فقد تحملا ثمن إعلان دولة إسرائيل على جزء كبير من أرضها، وتم إلحاق الضفة بالمملكة الأردنية الهاشمية، هذا التقاسم الذي كانت له نتائج تتعلق بمصير الشعب الفلسطيني وحقوقه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والحقوقية المدنية والتاريخية، وأما عن قطاع غزة فقد ألحق إداريا بمصر.
هذه المرحلة تفرض عدة أسئلة:
ما هو دور الأنظمة الناشئة تحت سلطة الانتداب البريطاني والفرنسي في مجابهة إعلان قيام دولة إسرائيل؟ هل حقًا خيضت حرب بين النظم العربية وإسرائيل عام 1948؟ ما هو دور القيادة الفلسطينية وسلوكها السياسي؟
النظم التي استلمت بعد خروج القوات الفرنسية والبريطانية من بلاد الشام؛ قُيدت باتفاقيات سياسية واقتصادية وعسكرية، هذه النظم لم تكن نتاج تطور طبيعي للتشكيلات الاجتماعية والاقتصادية، بل هي فُرضت قصرًا على المجتمعات التي كانت مطالبها الوحدة في إطار دولة عربية. لقد عانت سورية من اقتطاع جبل لبنان منها لإقامة دولة لا تملك إمكانيات استمرارها بالمعنى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وركب نظامًا قائمًا على أساس البعد الديني والطائفي والمذهبي، هذا النظام الذي كان نموذجًا لإعادة استحضار الصراع الطائفي والمذهبي لاستثماره لاحقًا في تفتيت المنطقة، والمستغرب بأن الاستعمار الفرنسي الذي كان لبلده دورًا رئيسيًا في إنهاء الدور السياسي لسلطة الكنيسة، يقيم نظامًا تابعًا يقوم على ًساس البعد الديني والطائفي، ويطرح مفهومًا جديدًا للديمقراطية، قائم على ديمقراطية الطوائف والمذاهب التي تتعارض مع أهداف الثورة الفرنسية التي تحمل بعدًا إنسانياً عابرًا للأديان.
اما على الصعيد الفلسطيني بينما كان يعمل الاستعمار البريطاني لتهيئة الظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية والتغطية القانونية للهجرة اليهودية إلى فلسطين ونقل ملكية الأراضي للوكالة اليهودية وتهيئة البنية العسكرية للمجموعات الإرهابية اليهودية؛ من تدريب وتسليح، تحت عنوان الحماية الذاتية للمستوطنات اليهودية. وإطلاق يدها لترتكب الجرائم والمذابح بحق القرى والبلدات الفلسطينية. بذات الوقت كان يعمل على الجهة الشرقية لنهر الإردن لإنشاء نظام سياسي قائم على أساس البعد القبلي والعشائري، يلعب فيه النظام الأميري الجديد عامل توازن بين القبائل التي كانت تعيش شرق فلسطين ولها امتدادات شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا.
استثمر الاستعمار البريطاني بالعامل الشركسي والشيشاني، حيث كان لهم دورًا رئيسيًا في دعم واستمرار النظام الأميري الجديد في شرق فلسطين، إلى جانب بعض العائلات البرجوازية الشامية التي لجـأت إلى شرق الإمارة الناشئة؛ هربًا من قمع المستعمر الفرنسي ونهاية حكومة الأمير فيصل في دمشق، هذه العائلات التي كان لأفرادها دورًا سياسيًا في النظام السياسي لشرق الأردن، واختير منها شخصيات استلمت المناصب السياسية والإدارية .وسعى الاستعمار البريطاني لتشكيل الحرس الأميري بقوام من الفرقة الشركسية، بقيادة ميرزا باشا وصفي، هذه الفرقة كان موكلاً لها حماية خط الحجاز في الدولة العثمانية، وتغير ولاءها وتغيرت مهمتها في ظل الاستعمار البريطاني، حيث أوكلت لها مهمة حماية النظام الناشيء، وعين ميرزا باشا أول قائد للحرس الأميري، وعين الشيخ عمر لطفي المفتي أول مفتي عام للأردن، منذ إنشاء إمارة شرق الأردن عام 1921 و لغاية عام 1944م (مراجعة: تاريخ الشركس والشيشان في الأردن). وفي المقابل قام بإنشاء قوة من القبائل تحت مسمى قوات البادية التي كان لها دورًا كقوة حرس الحدود ولحماية خط التابلاين، وتطور لاحقًا لدور حفظ الأمن الداخلي.
أما في سوريا ولبنان، فقد عمل الاستعمار الفرنسي على البعد الثقافي، حيث استثمر في البعد الديني لفصل جبل لبنان عن سوريا وتشكيل نظام قائم على البعد الطائفي، وتمكين أقلية طائفية لحكم أكثرية متعددة الطوائف والثقافات، في تناقض مع ما تمثله فرنسا العلمانية التي كان لها دورًا تاريخيًا هامًا في فصل الدين عن الدولة. هذا السلوك الاستعماري يضع علامات استفهام على دور الاستعمار الفرنسي في زرع بذور الفتنة الطائفية للاستثمار فيها؛ لتكون منطلقًا لتأجيج الصراعات الطائفية والمذهبية وتصادم بين مكونات المجتمعات العربية.
هذه الفترة الزمنية ما بين 1945 وبين 1948 أعلن عن هذه الكيانات السياسية التي عمل عليها الاستعمارين الفرنسي والبريطاني لتقسيم وتفتيت مجتمعات بلاد الشام و العراق وفلسطين؛ من أجل خلق بيئة لإعلان دولة إسرائيل في عام 1948، من خلال إعلان انتصارها في حرب وهمية بين الدول العربية وإسرائيل الناشئة.
المدقق في مقابلة كلوب باشا (كان يشغل رئيس هيئة الأركان لإمارة شرق الأردن منذ عام 1938 وحتى 1956) مع جورج حداد، مندوب التلفزيون الأردني (المقابلة متاحة على اليوتيوب)، يتحدث عن أن القرار السياسي الأردني لم يكن قرارًا سياسيًا بإعلان الحرب على قيام إسرائيل، بل (أرسلت الحكومة الأردنية جيشها للدفاع عن المناطق التي عينت للعرب بقرار التقسيم، وليس لمحاربة إسرائيل). وأضاف أن عدد الجيش الأردني كان 4500 جندي، وعدد المقاتلين اليهود بين 60 إلى 70 ألف مقاتل مسلح، هذا العدد لا يشمل سكان المستعمرات التي كانت محاطة بالألغام والأسلاك الشائكة. كما أضاف إنها لم تكن حربًا خاضتها الدول العربية مجتمعة، بل كانت كل دولة تعمل بشكل منفرد وبدون أي تنسيق بينها. وتحدث عن الوضع اللوجستي السيء للجيوش العربية والإنهاك الذي أصابها أثناء قدومها من العراق وشرق الأردن إلى فلسطين، حيث تطلب قطع مسافة 700 كلم من العراق و150 كلم من شرق الأردن لقوات لا تملك آليات ووسائل نقل، وبذات الوقت تخضع لسلطة الاستعمار البريطاني، الذي كشف دوره الروائي الفلسطيني غسان كنفاني في قصته عائد إلى حيفا، عندما وصف وبشكل دقيق حادثة استيلاء العصابات اليهودية على المدينة بمساعدة القوات البريطانية التي كانت تدفع الفلسطينيون للتوجه إلى الميناء، حيث تنتظرهم السفن لطردهم من أرضهم. فلا يمكن لقائد بريطاني يساعد المجموعات الإرهابية الصهيونية في قتل وطرد الفلسطينيون أن يدعي زميله محاربة المجموعات العصابية اليهودية.
حديث كلوب باشا يكشف عن مدى تآمر المستعمر البريطاني في تدريب وتسليح وإعداد اليهود طيلة فترة احتلاله لفلسطين، هذا الاحتلال الذي كان يمارس أقسى الإجراءات العقابية بحق الفلسطينيين ويحرمهم من حقهم في الدفاع عن أنفسهم، أو تحمل مسؤولياته كقوة محتلة في الدفاع عن الحقوق المدنية للفلسطينيين، في المقابل كان يساهم في تدريب وتسليح وإطلاق يد المنظمات الصهيونية (الهاجانا واتسيل واللواء اليهودي والمستعربون وليحي والبالماخ وأرغون وشتيرن)، لارتكاب أفظع الجرائم والمجازر بحق المدنيين الفلسطينيين العزل. وحديث كلوب باشا في جوهره اعتراف، بأن ما تم ليس حربًا، بل هي مسابقة بين النظم المحيطة بفلسطين؛ من أجل الاستيلاء على ما أمكن من أراضي وأملاك ومقدرات فلسطين وتقاسم تركتها، والواضح أن التقاسم كان بين النظم السياسية التي كانت تحت سيطرة النفوذ البريطاني.
أما عن دور القيادة الفلسطينية الممثلة في المفتي (الحاج أمين الحسيني) وحكومة فلسطين التي أُعلنت في غزة، فقد تركت تتآكل لوحدها، ولم تلقَ أي دعم حقيقي، ولم تكن تمتلك شروط محلية أو إقليمية أو دولية للاستمرار؛ بسبب انحياز المفتي للموقف الألماني في الحرب العالمية الثانية، هذا الموقف الذي كان له دورًا في التحريض الصهيوني على الشعب الفلسطيني وأعطى مبررًا لتغييب الدور السياسي للفلسطينيين في تقرير مصيرهم. أ ما عن المقاومين الفلسطينيين فقد تركوا يحاربوا لوحدهم ولم يتلقوا أي دعم عربي واستشهد قادتهم (عبد القادر الحسيني ورفاقه) في معارك مع المجموعات الصهيونية الاستيطانية، في معارك محسوم ميزان قواها لصالح تحالف الاستعمار البريطاني مع المجموعات الإرهابية الصهيونية.
في مؤتمر رودوس 12 يناير 1949 الذي أعلن فيه عن الهدنة بين الدول العربية ( مصر ولبنان والأردن) وإسرائيل، والذي أسفر عنه تبادل للأراضي بين إسرائيل والأردن، حصلت فيه إسرائيل على قرى المثلث، ومن مصر حصلت على الفالوجا التي كان اللواء المصري محاصرًا فيها، ومن الواضح أن الهدنة لم يكن فيها أي تمثيل فلسطيني، بل قامت الدول الثلاث في رسم خطوط الهدنة التي أصبحت حدودًا مؤقتة لدولة إسرائيل، بما يخالف قرار التقسيم. وبالرغم من أن لبنان لم يدخل في مسرحية الحرب فقد وَقع على معاهدة الهدنة التي لعب فيها الثلاثي؛ الأمريكي والبريطاني والفرنسي دورًا رئيسيًا في إقرارها.
نتائج مؤتمر رودوس كانت أسوأ من قرار التقسيم، الذي رفض لفظًًا من قبل النظم العربية، ولكنهم في الواقع وافقوا على ما هو أسوأ منه في رودوس.
بالتقييم العام ما جرى 1948 لم تكن حربًا بالمعنى الحرفي للكلمة، بل كانت معارك تقاسم فلسطين، وبالملموس كان تطبيق سيىء لقرار التقسيم، وكان مدخلاً لإلغاء الهوية القانونية للشعب الفلسطيني، هذا الإلغاء الذي وضع الإنسان الفلسطيني خارج إطار المكان والزمان.
بغض النظر عن التفاصيل والتعارض بين الرغبة الوطنية الفردية للجنود العرب واندفاعهم في المعارك، وبين القرار السياسي للنظم التي كان يتحكم الاستعمار بقرارها السياسي. فالمحاكمة يجب أن تكون للنتائج السياسية والقانونية التي انبثقت عن مسرحية هذه الحرب اللعينة التي أعطت المستعمر الاحلالي الاستيطاني المحتل ما لا تملكه هذه النظم.
القيادة الفلسطينية التي كانت ممثلة بالحاج أمين الحسيني بعد أن خضعت لإرادة الملوك العرب ووافقت على وقف ثورة 1936- 1939، ووضعت نفسها بالمعنى السياسي في تحالف مع ألمانيا، هذا السلوك كانت له نتائج سياسية تتوافق مع نتائج الحرب العالمية الثانية، حيث أعطت مبررات لإلغاء أي دور سياسي فلسطيني في تحديد مصير الشكل القانوني للدولة الفلسطينية ووضعها في تناقض مع النظم العربية الناشئة وتحالفاتها الدولية الجديدة.
سلوك وخيارات الحاج أمين الحسيني السياسية (التي كانت عباءته تمثل تحالف البرجوازية الفلسطينية والإقطاع السياسي)، هذا التحالف الذي لم يحسم موقفه من الاستعمار البريطاني لفلسطين، بل تعامل معه على إنه حكم وقاضي، وإذا ما أضفنا لهذا الموقف موقف اليسار الفلسطيني (الشيوعيون)، الذي لم يعطِ أية أهمية لنقد البعد الديني لفكرة الوطن القومي اليهودي، ولم يحدد ملامح المرحلة بأنها مرحلة تحرر وطني من الاستعمار البريطاني، هذا التعامل وضع الحركة الوطنية الفلسطينية في مأزق سياسي وفكري ما زالت تعاني منه حتى الآن. وهنا لا بد من الإشارة لدور الحركة القسامية التي أدركت منذ البدايات أن جوهر الصراع يجب أن يكون مع الاحتلال البريطاني الذي كان يحمل المشروع الصهيوني الاستعماري الاحلالي. الحركة القسامية أعطت بعدًا وطنيًا تحرريًا للعباءة الدينية، أظهرت مؤشرات مبكرة لأهمية الدور الوطني التحرري للدين التي أدركها الاستعمار البريطاني مبكرًا، وعمل لاجهاض أي دور وطني يحمل بعدًا دينيًا تحرريًا، وبهذا الصدد يفهم موقفه الداعم لإنشاء الجمعيات الدينية؛ أبرزها جمعية الأخوان المسلمون في مصر التي تحالفت مع النظام الملكي في مصر والأردن لتوظيفها سياسيًا في مواجهة المد الوطني التحرري.
النتائج الفعلية لقرار التقسيم وحرب تقاسم فلسطين؛ حملت معالم جريمة موصوفة بحق الشعب الفلسطيني أخذت أبعادًا حقوقية مدنية وقانونية وإنسانية وسياسية ووطنية تاريخية، ألغيت فيها الشخصية القانونية الوطنية الفلسطينية، بما تحمله من تاريخ ثقافي واجتماعي وسياسي واقتصادي وحقوقي، وأسست لمرحلة الشتات الفلسطيني، الذي دخل في صراع مركب متعدد الأوجه للخروج من حالة الشتات والإلحاق والإلغاء القانوني والسياسي والنضال؛ من أجل تأمين حياة معيشية كريمة.

