Menu

تونس: أزمة حكم مُتحركة تفتح على أزمات مُتعددة

الجمعي قاسمي

نُشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة الهدف الرقمية

يتحرك المشهد التونسي في علاقة بالمسار الحكومي نحو منعرجات مُتعددة فرضتها التطورات السياسية المُتسارعة التي تحمل في طياتها ملامح مرحلة باتت تُمهد لخلق معادلات جديدة، بتوازنات حزبية مُغايرة لحسابات نتائج انتخابات تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي.

ومنذ تكليف وزير الداخلية الحالي، هشام المشيشي في منتصف شهر يوليو/تموز الماضي، بتشكيل حكومة جديدة بعد استقالة حكومة إلياس الفخفاخ، دخل المشهد العام في البلاد في دائرة من الاضطراب والارتباك، عمقا أزمة الحكم المُتواصلة منذ العام 2011، وجعلتها تنفتح على أزمات أخرى مُتعددة تتجاوز البعد السياسي، لتشمل أيضا الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

ويُرجح أن تستفحل هذه الأزمة بسبب إصرار المشيشي على تشكيل حكومة كفاءات مُستقلة تمامًا عن الأحزاب، حيث تكشف الصور التي يعكسها هذا المشهد عن وضع خطير وسيناريوهات مقلقة تجعل من تونس التي كانت تعتبر إلى وقت قريب قصة النجاح الوحيدة في الانتقال الديمقراطي في المنطقة، تقترب كثيرًا من دائرة الفوضى.

وحسم المشيشي خياراته السياسية بعد أسبوعين من المشاورات مع الأحزاب والمنظمات الوطنية الكبرى، حيث أعلن في العاشر من أغسطس/آب 2020، التوجه نحو تشكيل حكومة كفاءات مستقلة تمامًا عن الأحزاب، وتتوفر في أعضائها النجاعة والنزاهة بعيدًا عن التجاذبات السياسية. وعكس هذا التوجه الذي فاجأ الأحزاب الكبرى، وخاصة منها حركة النهضة الإسلامية (54 مقعدًا برلمانيًا)، عزمًا واضحًا على الذهاب في مسار يستهدف تغيير المُعادلة السياسية الراهنة لجهة الابتعاد عن الأحزاب بما يُمهد الطريق لكسر سطوتها على العمل الحكومي.

وقال المشيشي خلال مؤتمر صحفي إن عدم الاستقرار السياسي يُعد من أهم أسباب الأزمة التي تعيشها تونس، مُعتبرًا أن الوضع الذي يسود البلاد "يُحتم تشكيل حكومة انجاز اجتماعي واقتصادي، وتُقدم الحلول العاجلة دون أن تكون رهينة للتجاذبات السياسية، وقادرة على العمل في تناغم".

وفي رسالة سياسية بالغة موجهة لغالبية الأحزاب السياسية، شدد المشيشي على أن "المواطن بدأ يفقد الثقة في قدرة النخب السياسية على تقديم الحلول المطلوبة، والاستجابة لتطلعاته"، لافتًا إلى أن "درجة الاختلاف والتناقض بين الفرقاء السياسيين كبيرة جدا"، الأمر الذي "عطل إمكانية إيجاد صيغة لتكوين حكومة تجمع الأطراف السياسية وتضمن الحد الأدنى من الاستقرار السياسي".

انقسام سياسي متفاقم

وتكشف تصريحات المشيشي عن عمق الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، حيث تباينت مواقف الأحزاب حول خياره الذهاب إلى حكومة كفاءات المستقلة، وتضاربت وسط حالة من الغليان الاجتماعي ستكون لها تداعيات مباشرة على مُجمل مسارات الأزمة في البلاد، وخاصة على مستوى التحالفات الحزبية المُتحركة.

وسارع الحزب الدستوري الحر (17 مقعدًا برلمانيًا)، وعدد من المنظمات الوطنية الكبرى، منها منظمة أرباب العمل، إلى الترحيب توجه المشيشي إلى تشكيل حكومة كفاءات مستقلة، فيما رفضته بقية الأحزاب الأخرى، حيث قالت رئيسته عبير موسي، إن حزبها سيتفاعل بشكل ايجابي مع هذا التوجه.

وبالتوازي شدد سمير ماجول، رئيس منظمة أرباب العمل على"أهمية تكوين حكومة كفاءات اقتصادية مستقلة عن السياسة"، مُعتبرًا في تصريحات إذاعية، أن "الحكومات السياسية أثبتت فشلها".

ويُعزز هذا الرأي التقديرات التي تذهب إلى القول بأن خيار المشيشي وما رافقه من رسائل سياسية يُعد ردًا مباشرًا على سطوة الأحزاب، وخاصة منها الضغوط التي مارستها حركة النهضة الإسلامية خلال الأيام القليلة الماضية لتوجيه مسار مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة نحو مُخططاتها.

ويُنظر إلى توقيت الإعلان عن هذا التوجه الذي جاء بعد ساعات قليلة من انتهاء اجتماع طارئ لمجلس شورى حركة النهضة الإسلامية خُصص لبحث المسار الحكومي، على أنه يستهدف إسقاط مناورات هذه الحركة الإسلامية، وتضييق الخناق عليها، الأمر الذي دفع نائب رئيسها، علي العريض، إلى رفض هذا التوجه، بحجة أنه يُشكل "اعتداء على الديمقراطية" على حد قوله.

وقال في تصريحات تلفزيونية، إن إعلان المشيشي تكوين حكومة كفاءات مستقلة يُشكل "إبعادًا للأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات واعتداء على الديمقراطية"، مُضيفًا في تهديد مُبطن أن منح البرلمان الثقة للحكومة المُرتقبة" أمر غير مضمون، وأن حركة النهضة مُقتنعة تمامًا بأن حكومة غير مدعومة بأحزاب سياسية ستصطدم بالواقع المرير ولن تتمكن من الصمود".

وفي المقابل، اعتبرت حركة الشعب (16 مقعدًا برلمانيًا) على لسان أمينها العام زهير المغزاوي، أن التوجه نحو تشكيل حكومة كفاءات مستقلة "ليس حلًا للأزمة التي تعيشها البلاد، وسيتسبب في تضييع الوقت لأنه سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة من جديد"، وذلك في الوقت الذي دعا فيه هشام العجبوني، القيادي في حزب التيار الديمقراطي (22 مقعدا برلمانيا)، إلى مراجعة هذا الخيار لأن "الوقت لا يزال مبكرًا جدًا لتشكيل حكومة كفاءات مستقلة عن الأحزاب".

وتكاد مختلف القراءات السياسية تُجمع على أن هذا التوجه سيُساهم في حشر الأحزاب السياسية في البلاد في دائرة ضيقة تفقد فيها سطوتها على المشهد السياسي، وتجعلها أمام خيارين لا ثالث لهما، وكلاهما مر، حيث يتعلق الأول بالقبول بحكومة كفاءات مستقلة، والتصويت لصالح منحها الثقة في البرلمان، بينما يتعلق الثاني برفضه، ثم العمل على إسقاط الحكومة في البرلمان، بما يفتح الطريق أمام الذهاب إلى انتخابات سابقة لآوانها.

ويُنظر إلى الخيارين على أنهما صادمان لتوجهات مُجمل الأحزاب، ولا ينسجمان مع توجهاتها ليبدو بذلك مُقدمة لرسم مشهد جديد، قد يتم فيه تحجيم سطوة الأحزاب التي تكاثرت في تونس بشكل غير مسبوق منذ العام 2011.

فسيفساء حزبية مُتناثرة

ويبلغ عدد الاحزاب في تونس حاليًا 226 حزبًا تتوزع على 5 توجهات سياسية هي الإسلامية، والوسطية الحداثية، واليسارية (شيوعية واشتراكية) والقومية والدستورية (نسبة للحزب الذي أسسه الراحل الحبيب بورقيبة).

وتعتبر حركة "النهضة" التي يرأسها راشد الغنوشي، من أبرز الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية، وهي تُحظى بدعم من تنظيم الإخوان المسلمين، ولا تخرج علاقاتها الخارجية عن دائرة الإخوان ( قطر وتركيا).

ويلي هذه الحركة، حزب التحرير الذي يدعو على إقامة دولة الخلافة، له تواجد كبير في البلاد، وائتلاف الكرامة (21 مقعدًا برلمانيًا)، وحزب الرحمة (3مقاعد برلمانية)، بينما بقية الأحزاب الإسلامية الأخرى فهي عبارة عن مجرد دكاكين لا وجود لها على أرض الواقع.

أما الأحزاب الوسطية الحداثية، فهي تتوزع على 6 أحزاب أبرزها حزب قلب تونس (27 مقعدًا برلمانيًا)، وحزب تحيا تونس (14 مقعدًا برلمانيًا)، وحركة نداء تونس (3 مقاعد برلمانية)، وحركة مشروع تونس (4 مقاعد برلمانية)، وحزب البديل (3 مقاعد برلمانية)، وحزب أفاق تونس (مقعدان).

وتتوزع أحزاب اليسار إلى الشيوعيين والاشتراكيين، والقوميين إلى جانب اليسار التقليدي واليسار الاجتماعي الديمقراطي.

ويبرز الائتلاف الحزبي "الجبهة الشعبية" التي انطلقت عند تأسيسها في أكتوبر 2012 بـ 11 حزبًا أهمها تياران ماركسيان وهما حزب العمال (حزب العمال الشيوعي التونسي تأسس في يناير 1986 وهو وريث العامل التونسي الذي نشأ في بداية السبعينيات)، وحزب "الوطنيون الديمقراطيون الموحد" الذي نشأ بعد الثورة مجمعًا تيارات "الوطنيين الديمقراطيين" المتبنية للأفكار الماركسية ال لينين ية والماوية ونشأ في الجامعة التونسية أواسط السبعينيات.

وتنشط بالجبهة الشعبية أحزاب قومية (ناصرية وبعثية) مثل التيار الشعبي (ناصري) أسسه الراحل محمد البراهمي قبل اغتياله بأكثر من شهر في يوليو 2013، وحركة البعث وحزب الطليعة العربي الديمقراطي (بعث)، كما تنشط بها تيارات أخرى ماركسية.

وتتمثل قوة الجبهة في سيطرتها على النقابات وانتشارها خاصة في منطقة الحوض المنجمي بمحافظة قفصة، بالإضافة إلى تواجدها في محافظات الشمال الغربي، وقد فازت بعدة مقاعد في انتخابات 2014، لكن الانقسامات التي عرفتها جعلتها تخسر انتخابات العام 2019.

إلى ذلك، يعود الدستوريون المنتسبون للنظام السابق بقوة إلى واجهة العمل السياسي عبر 3 أحزاب رئيسية، ويبرز " الحزب الحر الدستوري" برئاسة عبير موسي كأهم حزب له مرجعية دستورية، بدأ يتوسع في مختلف أنحاء البلاد بشكل لافت، حيث تقدمه استطلاعات الرأي كرابع أقوى حزب سياسي في البلاد.

 ويأتي حزب "المبادرة الوطنية الدستورية"، بزعامة كمال مرجان، وزير خارجية بن علي، كثاني حزب من العائلة الدستورية، بينما يعتبر حزب "الحركة الدستورية" الذي تأسس في سبتمبر 2013 ثالث حزب دستوري في البلاد، وهو يضم عددًا من الوزراء السابقين، لكن حضوره محدود في المشهد العام في البلاد.

أرقام اقتصادية مُفزعة

وساهمت هذه الفسيفساء الحزبية المتناثرة في استفحال أزمة الحكم في تونس التي ترافقت أيضًا مع أزمة اقتصادية حادة، تسببت في احتقان اجتماعي متواصل، يُنذر بانفجارات قوية في كل لحظة نتيجة فشل جميع المقاربات التي اعتمدتها الحكومات المُتعاقبة منذ العام 2011، وعددها سبع حكومات في إيجاد الحلول المناسبة لبناء اقتصاد قادر على تجسيد تطلعات المواطن.

وتتجلى هذه الأزمة من خلال العديد من المؤشرات، آخرها بيانات البنك المركزي التي تشير إلى أن عجز ميزانية الدولة، تعمق خلال النصف الأول من العام الجاري، بشكل مُقلق ليبلغ 3.8 مليار دينار (1.381 مليار دولار)، مقابل 2.4 مليار دينار (872.727 مليون دولار) مليار دينار خلال نفس الفترة من العام الماضي.

ويعود هذا العجز بالأساس إلى تراجع الموارد الذاتية للدولة بنسبة 11.9 بالمائة مقابل ارتفاع بنسبة 18.3 بالمائة خلال النصف الاول من 2019، حيث بلغ حجم الايرادات الضريبية لتونس في نهاية شهر يونيو/حزيران الماضي 12.7 مليار دينار (4.618 مليار دولار) مُسجلًا بذلك انكماشا بنسبة 11.4 بالمائة مقارنة بنفس الفترة من العام 2019.

وتتوقع الدوائر المالية التونسية، أن تتسبب جائحة كوفيد-19 في مزيد تعميق الأزمة الاقتصادية للبلاد، حيث يُقدر أن يكون حجم تأثيرها على المالية العام للدولة التونسية في حدود 5 مليار دينار (1.818 مليار دولار).

وبالتوازي، تراجعت الاستثمارات الأجنبية المتدفقة على تونس، خلال النصف الأول من العام 2020، بنسبة 14.2 بالمائة وفق بيانات إحصائية صادرة عن وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي (مؤسسة حكومية)، ليستقر حجمها عند 1.113 مليار دينار (404.727 مليون دولار)، مقابل 1.297 مليار دينار (471.636 مليون دولار) خلال نفس الفترة ذاتها من العام الماضي.

إلى ذلك، بلغ حجم المديونية لتونس خلال العام الجاري 86 بالمائة من إجمالي الناتج الوطني، فيما تجاوزت نسبة البطالة 19 بالمائة، خاصة وأن كل التقديرات تذهب إلى أن تونس تذهب إلى نسبة نمو سلبية تُقدر أن تصل إلى حدود 7 بالمائة في نهاية العام الجاري.

وتُلقي هذه الأرقام المُفزعة بثقلها على مجمل المشهد السياسي الذي يتخبط وسط وسط أجواء مُلتبسة، جعلت المناخ العام في البلاد مشحونًا بالتوتر الشديد، الذي يجعل من مهمة الحكومة الجديدة التي يُفترض أن يكون هشام المشيشي قد شكلها، صعبة للغاية، وغير قادرة على إعادة ضبط الأوضاع، خاصة في هذا الوقت الذي تُنذر فيه حالة الغليان السياسي والاجتماعي بالكثير من المفاجآت الخطيرة.