كان لنتائج الحرب العالمية الثانية انعكاسًا كارثيًا على الشعب الفلسطيني؛ جوهرها تحويل وعد بلفور من فكرة الوطن القومي لليهود في الإطار القانوني ل فلسطين التاريخية إلى فكرة دولة يهودية على جزء من فلسطين، وحظي هذا الاقتراح بموافقة أممية وصدر القرار الأممي الذي سمي قرار التقسيم، تحت رقم 181 في 27 نوفمبر من عام 1947.
قرار التقسيم كان بعد أن تخلت بريطانيا عن مهامها الاستعمارية في فلسطين وطرحت رؤيتها في تقسيم فلسطين وأرادت أن لا يكون قرارًا بريطانيًا، بل قرارًا أمميًا تحظى فيه الحركة الصهيونية على جائزة مساعدتها لبريطانيا في الحرب العالمية الثانية وحولت فكرة الوطن القومي إلى دولة (قومية) لليهودية. قرار التقسيم يتضمن إقامة دولتين: يهودية (متعددة الجنسيات القومية اليهودية حسب أصل دول هجرتهم التي قدموا منها) على مساحة 15 ألف كيلو متر مربع ودولة عربية للسكان الفلسطينيين الأصليين، على مساحة 11 ألف كيلو متر مربع، ومنطقة القدس وبيت لحم تعتبر منطقة تحت الوصاية الدولية، هذا القرار كان نتيجة لاقتراح لجنتين بريطانيتين؛ لجنة بيل علم 1937، ولجنة وودهد 1938.
الثورة الفلسطينية ما بين 1933 و1938 كانت لها نتائج ملموسة على عدم إمكانية قبول الفلسطينيون فكرة التعايش مع الهجرة اليهودية وتحمل نتائج الاضطهاد النازي الذي كان سببًا استثمرته الحركة الصهيونية في إعطاء دفعة للهجرة اليهودية إلى فلسطين؛ في هذا الصدد يطرح التساؤل التالي بعد انتهاء الأسباب الموجبة للهجرة اليهودية، أي بعد سقوط النازية وانتصار دول التحالف: لماذا منع المهاجرون اليهود من العودة إلى بلدانهم الذين يحملون جنسيتها، بعد أن اتخذت هذه الدول قرارات قانونية بتجريم الاعتداء على اليهود ومصالحهم في أوروبا وقدمت لهم التعويضات المادية والسياسية لما لحق بهم من قبل النازية؟
جميع الدول الأوروبية إن كانت اشتراكية أو رأسمالية حظي اليهود فيها بمعاملة خاصة، وسمح لهم بممارسة حقوقهم الدينية واعتبروا مواطنين بدرجة خاصة في العديد من الدول، حتى أن الاتحاد السوفييتي؛ بقرار من ستالين في عشرينات القرن الماضي (قبل الحرب العالمية الثانية) منح اليهود وطنًا في أقصى الشرق الروسي، وأنشأ رسميًا لهم مقاطعة "يفيرسكيا أوبلست" وتعني بالروسية: "المقاطعة اليهودية" التي تتمتع بحكم ذاتي، وعاصمتها (بيروبيجان)، لتكون أول جمهورية يهودية وقدم 600 روبل لكل من يذهب من اليهود ليقيم فيها؛ 600 روبل بمعايير 1928 كانت مبلغًا ماليًا كبيرًا .
لحظة إعلان ستالين القرار- قال رئيس المنظمة الصهيونية يومها حاييم وايزمان: (نبارك هذا المشروع ونحييه، ليس بديلًا عن التفكير في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، بل باعتباره تجربة أولى لفكرة الوطن القومي اليهودي)؛ السؤال لماذا لم تقبل القبائل اليهودية هذا الحل الذي قدمه ستالين لإقامة وطن قومي أو جمهورية تحظى بالحكم الذاتي؟ من حيث المبدأ قبلته الحركة الصهيونية واعتبرته الوكالة اليهودية مكانًا لتجميع اليهود الفقراء من دول أمريكا اللاتينية وغيرها، كمحطة لنقلهم إلى فلسطين.
الوكالة اليهودية كانت الذراع الصهيونية الممولة من رأسماليها الذين التقت مصالحهم مع المصالح الاستعمارية في منطقة الشرق الأوسط، واعتبرت إقامة الدولة اليهودية الصهيونية هي مصلحة مشتركة استعمارية غربية واستعمارية احلالية صهيونية، لاعطاء استقلالية وملاذ آمن لرأس المال الصهيوني بعيدًا عن المعايير القانونية الدولية ومراقبتها، ولإحداث تغييرًا جيوسياسيًا يمكنه من التأثير على مستقبل المنطقة السياسي والاقتصادي والاجتماعي ويغير من أولوياتها ومهامها الوطنية الديمقراطية؛ فما هي كانت تداعيات إعلان الولادة القيسرية للكيان الصهيوني؟
فلسطينيًا: كان له أثر استعماري احلالي تفتيتي للشعب الفلسطيني ولحركته الوطنية التي عانت من ضعف بنيوي ومعرفي وقبلت بالإلحاق السياسي، وقام جزءًا منها بتغيير مهماته الوطنية التحررية، وعَوَمَ جزءًا آخر النضال الوطني التحرري الفلسطيني بالموقف القومي الرسمي العربي واعتمد عليه في إمكانية تحرير فلسطين. إن عملية الإلغاء كانت عملية واعية من قبل الاستعمار والحركة الصهيونية وعملية تحمل السذاجة السياسية والمعرفية للقوى الوطنية الفلسطينية، ومشاركة واعية من قبل أنظمة سايكس -بيكو؛ فالغاء الهوية الوطنية الفلسطينية كان مطلبًا صهيونيًا، بهدف تشريع الفكرة الصهيونية التي سوقت: أن فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
الاعتراف بهوية الشعب الفلسطيني الوطنية التي هي هوية أشمل من الهوية الدينية، بحكم أن الهوية الوطنية تجمع تحت عباءتها كافة الأديان والعقائد الإنسانية وأصولها تغلق الباب على الفكرة الصهيونية الاحلالية وإسقاط للمفهوم الديني للدولة اليهودية.
عربيًا: اختلفت التداعيات وأثرها على المجتمعات العربية وأنظمتها التي نصبت عليها، في حين الجماهير العربية رفضت بالمطلق هذه الولادة وساهمت في النضال التحرري الذي دعت له الحركة الوطنية الفلسطينية وشاركت في نصرة الشعب الفلسطيني الذي خاض كفاحًا مسلحًا ضد إعلان الكيان بإمكانياته المتواضعة، في حين أعلنت الأنظمة العربية رفضها لقرار التقسيم، ولكنها مارست على الأرض سلوكًا مناقضًا لقرارها ورغم إعلانها عن حرب 1948، هذه الحرب التي كانت لا تحمل أية وحدة سياسية أو عسكرية لمجابهة القدرة العسكرية البريطانية واليهودية الصهيونية اللتان عملتا جنبًا إلى جنب في تطبيق قرار التقسيم بالقوة، بما يتوافق مع الرؤية الصهيونية؛ من ضرورة تطهير القرى والبلدات الفلسطينية من سكانها الأصليين ودفعهم للهروب شمالًا وشرقًا وجنوبًا.
قرار التقسيم لم يتبعه أي قرار إجرائي بتكليف هيئة دولية أو الاستعمار البريطاني في ترجمة تحديد الإطار القانوني للدولتين الفلسطينية (العربية) واليهودية، في حين حرب ال1948 توقفت على خطوط أوسع من ما تضمنه قرار التقسيم.
عقدت اتفاقية هدنة بين إسرائيل والأنظمة العربية التي شاركت في مؤتمر رودوس ونتج عنها 3 اتفاقيات، توضح أن القرار العربي لم يكن قرارًا سياسيًا واحدًا، بل كانت الأنظمة الثلاث تخوض حوارها من على أرضية مصالح كل منها منفردة؛ نتج عن هدنة رودوس ثلاث اتفاقيات وقعت مع كل من مصر في 4 شباط من 1949، وترافق مع فك الحصار عن القوات المصرية المحاصرة في الفالوجة، واتفاقية مع لبنان في 23 آذار 1949، واتفاقية مع الأردن في 3 نيسان ،1949 والتي رافقها تبادل للأراضي تخلت فيها الأردن عن قرى المثلث ووادي عارة، مقابل انسحاب إسرائيلي من جبال الخليل الغربية، هذه الاتفاقات رسمت خطوطًا للهدنة عرفت فيما بعد بالخط الأخضر.
المدقق في ما حصل في حرب ال1948 ومؤتمر رودوس الذي اعترفت فيه الدول العربية المشاركة فيه بالجوهر بإسرائيل كقوة أمر واقع على الأرض، من خلال تحديدها لخطوط الهدنة التي أصبحت معيارًا للقياس عليه لاحقًا كخطوط دولية لدولة إسرائيل، والأبرز في ما حصل أن تغييبًا تامًا للدور الفلسطيني كان متوافقًا عليه بين النظم العربية التي حضرت مؤتمر رودوس، والتي سمحت لنفسها في تقرير مصير الأراضي الفلسطينية وتوزيع الشعب الفلسطيني تحت سلطاتها السياسية في صورة فجة للإلحاق الذي ترافق مع الإلغاء للهوية السياسية الفلسطينية، ولم تعير أية وزن لما تبقى من حكومة فلسطين في غزة أو لدور المفتي الحاج أمين الحسيني وجماعته سياسيًا، والذي بدوره لم يعلن احتجاجًا على نتائج مؤتمر رودوس أو ما تبعه من تفتيت أو الحاق للشعب الفلسطيني ما بين دول مؤتمر رودوس، بل اعتبرت الحركة الحسينية مهزومة مع انهزام ألمانيا وحليفاتها. هذا السلوك للحكومات العربية التي ضمت الأجزاء المتبقية من فلسطين بين سلطاتها السياسية ووافقت على خضوع ما تبقى من فلسطينيين في الأراضي الفلسطينية عام 1948 لإسرائيل وعدم التطرق لحقوقهم في مؤتمر رودوس؛ يعتبر موافقة على كل ما تعرضوا له من استغلال سياسي واقتصادي واجتماعي وحقوقي.
الجماهير الفلسطينية في 1948 التي عانت من عملية العزل السياسي والاجتماعي ومصادرة أراضيهم واخضاعهم لقانون الطوارئ ومعاملتهم كقوة عدوة داخل الكيان الصهيوني واخضاعهم للقانون العسكري الإسرائيلي حتى عام 1967، هذا القانون الذي حرمتهم من ممارسة حقوقهم السياسية والقانونية والاقتصادية، رغم كل هذه المعاناة لم تلقَ الجماهير الفلسطينية أي اهتمام؛ من قبل الحكومات العربية أو منظمة الجامعة العربية، بل تم التحريض عليهم وعلى صمودهم الوطني.
لقد كان لحفاظ الجماهير الفلسطينية في المحتل من فلسطين عام 1948 على هويتهم الفلسطينية مصدر قلق للمشروع الصهيوني، حيث اعتبر تقويضا وكشفًا لأكاذيب هذا المشروع التي سوقوها عبر الفكرة الصهيونية - أرض بلا شعب لشعب بلا أرض - ووضع تساؤلات على الأساس القانوني للدولة اليهودية وشرعيتها، هذا المفهوم القائم على وحدانية الحق الشرعي الديني لليهود في فلسطين.
الجماهير الفلسطينية في ال1948 يجب أن يكافؤوا على صمودهم الوطني، هذا الصمود الذي لم يحظَ بأية رعاية عربية رسمية أو حتى فلسطينية من القوى الفلسطينية القومية أو اليسارية، هذه الجماهير التي تركت وحيدة ولم تجد أي متنفس سوى الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي ساهمت في انشاءه ما قبل جريمة النكبة، كإطار للتعبير عن رفضها للسياسات الصهيونية العنصرية واستمرت في العمل من خلاله، كإطار وحيد لمواجهة اضطهاد المؤسسة الصهيونية التي تلاقت بشكل غير مباشر مع الاضطهاد الرسمي العربي للفلسطينيين في أماكن شتاتهم، حيث كانت قوانين الطوارئ البريطانية منفذة في الضفة الغربية حتى عام 1967، وفي عام 1956 حصلت انفراجة وأنتجت حالة لم يستطع النظام الأردني قبولها، لكونها عبرت عن الموقف الحقيقي للجماهير، أما في لبنان، فقد حرم الفلسطينيين من أبسط الحقوق الإنسانية، وفي غزة كانوا محاصرين، فقط كانت الفسحة لحريتهم في فترة الحكم القومي الناصري، وما بعدها خضعوا لأسوأ حصار سياسي واقتصادي واجتماعي، وكانت وثيقتهم تسمح لهم بالخروج باتجاه واحد وعدم إمكانية للعودة، أما في سورية، فقد حصلوا على حقوقهم كاملة، بعد انتصار الاتجاه القومي البعثي الذي أعطاهم كافة حقوق المواطن السوري، ما عدا حق الانتخاب.
إن أية محاكمة تاريخية لدور جماهير الشعب الفلسطيني في ال48، يجب أن تنطلق من أنهم القوة الوحيدة الفلسطينية التي ناضلت من داخل الكيان، وبنضالها هذا كانت تطرح سؤالًا دائمًا عن الشرعية القانونية للدولة اليهودية، وصمودها كان إدانة دائمة لدور الجامعة العربية والأنظمة التي سمحت لنفسها بتقسيم فلسطين، بينها وبين الحركة الصهيونية في تغييب تام لدور الشعب الفلسطيني وممثليه.
إن أية محاكمة نقدية، يجب أن توجه للنظام الرسمي العربي والفلسطيني الذي لم يعطِ أي اهتمام لدور الفلسطينيين داخل فلسطين التاريخية، لأن محاكمتهم سلبًا؛ من على أرضية مستوى وسائل وأدوات نضالهم تعبر عن جهل، بل وتشارك الحركة الصهيونية في عملية اضطهادهم.
وألفت هنا إلى أن مصطلح الجماهير العربية الذي يطلق على فلسطينيوا ال48 هو مصطلح بحاجة لإعادة تدقيق وربطه بفلسطينيتهم، كونه يعبر عن المفهوم الصهيوني بإلغاء الهوية الوطنية الفلسطينية لهم، باعتبارهم الأصحاب الحقيقيون للأرض، وهم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني وإبراز هويته الوطنية الفلسطينية.

