Menu

مصير سيزيف: فلسطين والعود الأبدي

بوابة الهدف الإخبارية

خاص بوابة الهدف

سيغادر دونالد ترامب موقعه في البيت الأبيض، وإذا سلمنا بالفرضيات -العجائبية والخاطئة- بأن جو بايدن قادم ليمحو كل ما قام به ترامب من خطوات في الملف الفلسطيني، ويعود تماما بالوضع لنقطة نهاية ولاية باراك أوباما وبداية ولاية ترامب، وبذلك يكون أمامنا على الطاولة مزيج من سياسة التجاهل التي قرر باراك أوباما اتباعها تجاه القضية الفلسطينية، وخطة جون كيري التي تشكل الأم الطبيعية لخطة ترامب للسلام، وبالتالي فعليا لن يكون بايدن منقذنا.

 الحقيقة أسوأ من ذلك بكثير، فأيضا بايدن لن يكون "ممسحتنا"؛ فطريقة عمل السياسة الأمريكية تقوم على التعامل مع الوقائع بما يخدم المصالح، وبالتالي لا يوجد شواهد أو سوابق قامت بها إدارات أمريكية بالقطع مع سياسات الإدارات السابقة في ملفات تتعلق بالسياسات الخارجية، بل إن دونالد ترامب وإدارته لم تكن أوراقه منقطعة عن تلك التي قدمتها إدارة باراك أوباما خلال الولايتين، سواء من حيث التركيز على السلام الاقتصادي والشراكة بين القطاع الخاص الفلسطيني ومشاريع النهب الصهيونية للمنطقة العربية، واستخدام التشغيل المنظم للعامل الفلسطيني في خدمة الاقتصاد الاستعماري الصهيوني، كبنى تحتية اقتصادية واجتماعية يقوم عليها تثبيت لواقع خضوع الفلسطينيين للصهاينة وعيشهم في خدمة المشروع الصهيوني أو موتهم كضحايا له، هذا هو ما تنتجه السياسة الأمريكية من فهم للحالة الفلسطينية، وهو مبني بالأساس على تقدير للمصالح الاستعمارية وآليات حفظها في ظل الوقائع القائمة.

امكانيات العمل الفلسطيني والعربي لتغيير الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية، ترتبط أولا بتغيير وقائع قائمة بالفعل وعلاقات ومعادلات القوة والهيمنة في المنطقة كما في العالم، هذه المهمة ببساطة ووضوح ليست مهمة فلسطينية فحسب، ولكن مهمة كل أولئك المغبونين والشعوب التي يطحنها النظام الاستعماري بتروسه المتعددة، ولكن واجب الفلسطيني ومهمته ضمن هذا النضال هو منع استفادة المنظومة الاستعمارية من أدوار قد يلعبها في خدمتها، مثل الرهان على العودة للمفاوضات التي تشكل غطاء لسياسات الإدارة الأمريكية وحلفائها في المنطقة، وكذلك الاستمرار في شراء الأوهام التي يدفع شعبنا ثمنها من دمه.

 تحتاج فلسطين اليوم لبناء تحالفات موثوقة وعميقة مع أصدقاء حقيقيين لشعبها، جاهزين لدعم حقوقه وقضيته لأبعد مدى ممكن، وهذا يتجاوز العلاقات الدبلوماسية والرسمية، كما تحتاج لتجديد مقولاتها وطرحها السياسي دفاعا عن حقوق الإنسان الفلسطيني، بما يتواءم مع التحديات القائمة فعليا؛ فلا أحد يصدق اليوم امكانية الوصول لتسوية مع المحتل وفقا لمنطلقات عملية التسوية الفاشلة والرديئة، والتي تركت آثار كارثية على الفلسطينيين.

 ما لا يمكن للوضع الفلسطيني تحمله في المرحلة المقبلة، هو الاستمرار في الرهان على ترميم مسار التسوية، أو إعادة حشر الفلسطينيين وقضيتهم تحت مظلة الرعاية الأمريكية، أو مد مساحة المشاورات الحالية مع الأمريكيين والصهاينة لمفاوضات مباشرة سيكون لها مفاعيل مدمرة... نعم شعبنا يحتاج لدراسة بدائل عمله في ظل تغيير الإدارة الأمريكية، ولكنه أكثر بحاجة لبناء بدائله الوطنية وتحقيق التزام كافة أطياف اللون السياسي الفلسطيني بها، بما يتجاوز حسابات "الحكم والسلطة" التي لا تقود إلا لمسارات التفاوض والرهان على الإدارات الأمريكية.