تحتفي الشعوب بالمحطات والنقاط المضيئة في تاريخها، بما يشكل دفع معنوي للمضي للأمام وتحقيق الأهداف العامة لهذه الشعوب، ولكن هذا الاحتفال يتحول إلى حقنة مميتة، إذا فقد الصلة بمضمون هذه المسيرة التاريخية، وتحول إلى جزء من عملية تصنيع الايقونات، والحكايا، لتغطية مشاكل الواقع؛ إذ يقاتل شعبنا لأجل تحرير أرضه وانتزاع استقلاله وعودة لاجئيه.
تبدو الصلة بين أي حدث أو وجود سياسي وبين الواقع الفلسطيني، تتمحور حول علاقته بالكفاح ضد الاحتلال، ففي هذه المرحلة من تاريخ شعبنا لا نبدو منشغلين بغزو الفضاء أو استكشاف المجال الكوني، ولكن بالأساس باسترداد حريتنا، وهو ما يستدعي الوقوف أمام مجموع المناسبات الوطنية التي تتكدس بداية كل عام، لا بمنطق الاحتفال والطقوس الكرنفالية، لكن من موضع فحص وتحميل المسؤوليات الوطنية، والبحث عن واجب الإسهام الحقيقي في صناعة مستقبل أفضل لهذا الشعب.
محطات مثل انتفاضة الحجارة، أو انطلاقة أي من فصائل الثورة، قيمتها الأساسية فيما تمثله على مستوى الاشتباك مع العدو، وفي معنى أن تكون ند لعدوك، وهي حقائق ينتجها واقع الاشتباك، ولا يمكن أن يصطنعها الكتبة ومحترفي الإعلام مدفوعي الأجر.
وبينما تحقق إجماعًا وطنيًا مرارًا وتكرارًا طيلة هذا العام، على مواجهة مشروع تصفية القضية الفلسطينية المسمى "صفقة القرن"، انطلقت بعض القوى الفلسطينية جديًا على طريق هذه المهمة من خلال إنعاش جهدها الكفاحي والنضالي في الساحات المهددة، وخصوصًا ساحة الضفة الغربية المحتلة.
لقد أطلق الاحتلال جهده لتحطيم نموذج البنى التنظيمية والأجسام الصديقة والحواضن الاجتماعية لكل جهد مقاوم منذ سنوات، لكن هذا العام يحمل معنى مختلفًا للرفاق في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، كبرى فصائل اليسار الفلسطيني والعربي، وواحدة من أوائل فصائل المقاومة العربية؛ فالهجمة الصهيونية لتصفية الجبهة ووجودها في ساحة الضفة الغربية، تؤكد مفهوم غرسته الجبهة في كل أبنائها عن الندية.
لم يغادر رفاق الحكيم ساحات النضال، وعادت مسميات السجون لتكتسب معناها التقليدي في قاموس الجبهة، كمدارس للنضال وقلاع للصمود، هدم البيوت وحملات الاعتقال والترهيب، والتهديدات المتتابعة من جهاز أمن الاحتلال؛ مسالخ التحقيق؛ دوريات المحتل؛ كلاب الشاباك، كل هذا يعطي معنى مختلفًا للاحتفاء بذكرى انطلاقة عمدتها الجبهة كعادتها بالدم، والتضحيات.

