أسوأ ما يحدث لأي قيمة أو قضية هو اختزالها في مجموعة من الصور والأيقونات على حساب معانيها وأسباب أهميتها في حياة الناس ومقتضيات خدمتها، وتحديدًا تعتبر الديمقراطية هي الضحية المثالية للمتحدثين عنها وباسمها وحاملين لواءها في عالمنا؛ ناهيك عن خصومها وأنصار الاستبداد والمستأثرين المكشوفين وذوي المصالح المضادة.
اختزلت الديمقراطية لعملية انتخابية وصندوق اقتراع، لا يهم إن وضع تحت بسطار احتلال أو هيمنة عدو مُستعمِر، أو استخدم لمرة واحدة كطريق يؤدي للسلطة ويودي بالدولة ويأتي على حساب الشعب وحقوقه، وفصلت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن أي سياق تناقش فيه السياسة، فيما يحضر البنك الدولي وشروطه وعصبة المستغلين وسياسات الاقتراض والخضوع للهيمنة الدولية.
نعم هناك في تونس حكومة حظيت بدعم أغلبية برلمانية، بل وهي واحدة من حكومات كثيرة حظيت بهذا الدعم تعاقبت على حكم تونس، لكنها واحدة من أسوأ الحكومات في هذا العالم، في ضعفها وفسادها وسوء سياساتها، ترهن البلاد للقروض الدولية، وتعيق مسار التنمية بدل أن ترفده، وتشكل سياساتها المالية والاقتصادية امتداد لحقبة بن علي إن لم تكن أسوأ، وهذا ليس ذنب الثورة التونسية، ولكن محصلة تكالب قوى سياسية محلية ودولية وإقليمية على هذه التجربة بغرض افراغها من أي مضمون وتحويل شعارات الديمقرطة أداة لإخضاع التوانسة. لقد أغلقت الثورة في تونس أبواب كثيرة لمزيد من الاستبداد، وكسرت قيود كبلت الشعب التونسي، وقلصت من عدد الزنازين التي طاردت المعارضين السياسيين لسنوات طويلة، ولكن هؤلاء المعارضين لم تكتف كثرتهم من مناكفاتها، وسياسات ارتهانها للقوى الإقليمية والقبول بتحويل حقوق التوانسة وبلادهم لمادة ولعبة لتصفية حسابات هذه القوى والدول.
لا نتوهم هنا للحظة واحدة أن الخيار أمام التوانسة هو في التراجع عن الثورة ومطالبها أو الديمقراطية، أو الهتاف لقرارات الرئاسة التونسية، فما يحدث في تونس في خطورته فاق حدود الاصطفافات السياسية ومناكفات رجالاتها، ويستحق مواقف تنحاز لتطلعات الجماهير في العدالة الاجتماعية والديمقراطية وبناء الدولة القادرة العادلة لا تقويض ما تبقى من ملامحها لحساب رأس المال واستقطابات القوى الإقليمية والدولية.

