بعد عام ١٩٤٨، حظيت الدولة اليهودية الناشئة برعاية، خاصة أوروبية وأمريكية، وخُصِصَت لها الدفعات المالية السنوية، جزءًا منها كان تعويضًا من ألمانيا، تحت عنوان ضحايا الهولوكست، هؤلاء الضحايا، الذين لم يكونوا جزءًا من دولة إسرائيل، لكون إسرائيل لم تكن قائمة في فترة ارتكاب هذه المجازر في الحرب العالمية الثانية، بل في الواقع القانوني المدني، كانوا مواطنين ألمان وبولونيون وتشيك وروس ورومان وغيرهم من الأوروبيين.
موافقة بعض هذه الدول على تخصيص دعمًا معنويًا وقانونيًا وماليًا ومنها ألمانيا والولايات المتحدة، تعويضًا عن ما أُرتُكِبَ بحق مواطنيها، لدولة لم تكن قائمة كشخصية قانونية؛ يحمل تجاوزًا لدساتيرها ولمفهوم المواطنة ويعطي إسرائيل الحق في تمثيل اليهود المواطنين في هذه الدول حتى يومنا هذا.
اليهود الألمان والبولونيون وغيرهم هم مواطنين أصيلين في هذه الدول وليسوا مهاجرين الجنسية، والمواطنة الأصلية لهم كانت الألمانية والبولونية والتشيكية والرومانية... الخ. هذا الأمر يحمل مخالفة لحقوق الضحايا ويتصرف باسمهم ولا يعترف بمواطنيتهم الأصلية ويمس حق الدول في حماية مواطنيهم وينفي البعد القانوني الإنساني لصالح الهوية الدينية، وبذات الوقت هو استثمار في العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني وأملاكه وحقه في أرضه ووطنه. هذا البعد القانوني كان على القيادة الفلسطينية والعربية إدراكه والكتابة إلى المؤسسات الدولية حول أبعاده القانونية، على قاعدة مفهوم المواطنة للدول الداعمة لإسرائيل وعلى تأثيرها على الشعب الفلسطيني والآثار التي ترتبت على هذا الدعم في إمعان التعدي على الشعب الفلسطيني وحقوقه وأملاكه ما قبل جريمة نكبة ١٩٤٨ وبعدها.
أما الشكل الآخر من الدعم المباشر السياسي والعسكري الذي كان أبرزه في العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦، حيث كان هذا الدعم لتأمين شروط استمرار بقائها، ودعم تفوقها على جيرانها العرب. كما أُعتُبِرت إسرائيل على مدى ٢٠ عامًا، جزءًا من المنظومة الأوروبية السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية.
كل هذا الدعم، لم يكن سريًا بل كان علنيًا، تؤكده هذه الدول الداعمة كل عام عند اقرار ميزانياتها (ألمانيا والولايات المتحدة)، التي كان دعم إسرائيل عنوانًا دائمًا والتزامًا ملزمًا للحكومات في أجنداتها المالية. وهذا الدعم المعنوي والاقتصادي والعسكري والمالي، التزمت به أكثرية الحكومات الغربية، والأمريكية منذ قيام إسرائيل الاحلالية العدوانية، وحتى يومنا هذا، بل أصبحت أكثر وقاحة في علنيتها، حين طالبت وتطالب الدول العربية، بإعلان دعمها لإسرائيل، من خلال التطبيع الذي سيدر المليارات على خزائنها، تحت عناوين التعاون بين أبناء إبراهيم، وتمعن في وقاحتها عند مطالبة الشعب الفلسطيني بالتخلي عن حقوقه الوطنية .كل هذا تم ويتم على مسمع كل النظم العربية، التي كان منها يدعم الخزائن الغربية عبر الودائع المالية لعائدات النفط كشرط لاستمرار مشروعية حكمها، ومنها من كانت مشروعيته قائمة على الدعم الغربي والأمريكي بكل اوجهه؛ بشرط استمرار محاصرة وتغييب والحاق الفلسطينيين .
ما بين ١٩٤٨ و١٩٦٧، الصفة القانونية (دوليًا) للشعب الفلسطيني، كانت محققة بالقرار الأممي، الذي انشأ وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وهي وكالة خاصة فقط للاجئين الفلسطينيين بموجب القرار رقم 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 كانون الأول 1949، بهدف تقديم برامج الإغاثة المباشرة والتشغيل للاجئي فلسطين، مركزها الرئيسي عمان - الأردن.
في الوقت الذي اُلحق الفلسطينيون قانونيًا ومدنيًا في المنظومة السياسية والاجتماعية والقانونية للمملكة الأردنية الهاشمية بعد وحدة الضفتين (الشكل القانوني الجديد للمملكة الأردنية الهاشمية، حيث اعترف بها دوليًا عضوًا من قبل الأمم المتحدة عام ١٩٥٦). أما في لبنان، فقد كان وضع الفلسطينيون أسوأ حالًا من بين كل اللاجئين، حيث كانوا مستباحين ليل نهار، من قبل المنظومة الأمنية اللبنانية، ومحرومون من الحقوق المدنية وكانوا وما زالوا خارج إطار منظومة حقوق العمل والعمال والوظائف.
في سوريا، كان لهم كافة الحقوق المدنية السورية، باستثناء الترشيح والتصويت، ولكنهم كانوا محاصرين من قبل الخارج، بحيث لا يمكنهم التنقل بحرية خارج سورية، إلا بموافقات وضمانات خاصة.
أما قطاع غزة، الذي كان محاصرًا، وإذا ما خرج الفلسطيني من القطاع بوثيقة مصرية، فإنها لا تجدد ولا يُسمَح لِحامِلِها بالعودة إلى القطاع (كانت تسجل على الوثيقة كملاحظة).
أما في العراق، فقد كان عدد اللاجئين محدودًا، واعتُبروا ضيوفًا على العراق لحين عودتهم، وهذا وضعهم خارج الإطار القانوني للأمم المتحدة (الأونروا) أو القانون العراقي.
الفلسطينيون أوكلوا مصيرهم للنظام الرسمي العربي الذي أطلق شعار تحرير فلسطين، هذا الشعار الذي رفع لفظًاً ولم يترجم بالواقع الملموس عبر إتاحة الفرصة للفلسطينيين بممارسة حقهم الكفاحي التحرري ما بعد 1948، بل كانت منظومة النظام الرسمي العربي على مدى ٢٠ عامًا تُمعِن في تغييب، وإلحاق، وإلغاء، ومحاصرة الهوية القانونية المدنية، والسياسية، والثقافية، والحقوقية للشعب الفلسطيني.
الجماهير الفلسطينية، كانت طواقة إلى فسحة من الخلاص، من الإذلال، والتغييب، وسطوة القوانين العرفية الموروثة عن الاستعمار البريطاني والملاحقة الجماعية والفردية للوطنيين، وبؤس العيش في أزقة المخيمات المحاصرة والمراقبة طيلة ٢٠ عامًا في حين كانت هذه الأنظمة تهادن إسرائيل. هدنة ال20 عامًا كانت إسرائيل بحاجة لها من أجل بناء أسس دولتها وتشريعها بين شعوب العالم مستغلة عاملين:
الأول: الآثار النفسية والاجتماعية التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، التي كانت مصحوبة بعملية إعلامية تبرز ضحايا الهولوكست، الذين هم في الواقع جزء من الخسائر البشرية للحرب، في حين لم يتم التركيز على الملايين من الشعوب التي قُتِلَ أبناؤها ودُمِرَت أملاكها. على سبيل المثال لا الحصر، فإن شعوب الاتحاد السوفييتي خسرت ما يزيد عن 20 مليون في الحرب العالمية الثانية ووفقا للإحصائيات الرسمية فان الخسائر كانت 26.6 مليون مدني وعسكري منهم 8.7 من العسكريين.
عامل الزمن: 20 عامًا من الهدنة مع إسرائيل كانت تُسَوِق فيها إسرائيل مبررات شرعيتها، في أنها حصلت على أرض بلا شعب من أجل شعب بلا أرض؛ ساعدها في ذلك حالة التغييب والالحاق الذي عانت منه الهوية الوطنية الفلسطينية.
عدم وعي القيادات الفلسطينية لضرورة إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية في الفترة من 1948 الى 1967 كان خدمة مباشرة لإسرائيل الاحلالية، وعدم إدراك أهمية عامل الزمن، كان له أثراً على حالة الوعي العام المتعاطف مع الشعب الفلسطيني الذي عومِلَ على مدى عشرون عامًا على أن مشكلته مشكلة لاجئين (خصصت له وكالة أممية لإغاثته - الأونروا)، وليست قضية وطن وهوية.
20 عامًا لو كانت النظم جادة في تحرير فلسطين التي كانت تعتبر أراضي 1948 حصرًا لأُعطِيَت الحرية للشعب الفلسطيني، بأن يأخذ هذه المهمة، وكانت الحالة الشعبية مهيئة لاحتضان أي عمل جاد للتحرير وكان بإمكانية أي طفل مقدسي أو فلسطيني أن يرمي حجرًا من على أسوار قلعة القدس ليصل إلى وسط شارع يافا في غربي القدس.
٢٠ عامًا كان ضرورة لإعطاء راحة لإسرائيل لتثبيت أسس دولتها اليهودية وفرصة لبناء جيشها ومؤسساتها الأمنية التي مارست مجازرها وقمعها وحصارها ضد الفلسطينيين داخل ما يسمى الخط الأخضر. ال 20 عاما كانت نقمة على الشعب الفلسطيني الذي ألغِيَت هويته وتم إلحاقه ونفيه في مخيمات متناثرة؛ مزقت وحدته الاجتماعية والسياسية ودمرت إمكانياته الاقتصادية في الوقت الذي كانت مئات الملايين من الدولارات والماركات والفرنكات تصل إلى الدولة (إسرائيل) الناشئة الاحلالية العدوانية المحتلة.
٢٠ عامًا كانت ضرورة لإسرائيل لانتزاع وتثبيت صورة هويتها اليهودية القانونية.
في عام 1964 أقرت الجامعة العربية إنشاء إطارًا عرف بمنظمة التحرير الفلسطينية، ليكون إطارًا جامعًا سياسيًا وعسكريًا؛ دعم بقرار آخر بإنشاء جيش التحرير الفلسطيني، هذان الإطاران تم التعامل معهما بصورة متباينة من قبل النظم الرسمية، منها ما اعتبرها رفعًا لأثقال يحملها، ومنها من اعتبرها تشكل تقويضًا لنظامه، ومنها من تعاطى على أنها إطارًا لدعم تطلعات الشعب الفلسطيني.
منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وجيش التحرير الفلسطيني عانا من مشكلات داخلية، كانت انعكاسًا للشتات الفلسطيني الذي أصابه تمزقًا في وعيه الوطني عبر الزمان (20 عامًا) غلب عليه طابع المكان وتوجهاته السياسية والفكرية.
لم يستطع جيش التحرير الفلسطيني أن يكون وحدة عسكرية متكاملة موحدة، تحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بل خضع لقيادة الجيوش العربية ارتباطا بالمكان، هذا كان وضع الفلسطينيين القانوني والاجتماعي والسياسي والعسكري عشية هزيمة حزيران عام ١٩٦٧. فإذا كانت جريمة النكبة قد حققت قيام دولة إسرائيل الاحلالية، فإن هزيمة ال١٩٦٧ كانت مدخلًا للاعتراف الرسمي العربي بشرعيتها.

