من الصعب تجنب الاتهام بالشبهة والارتباط بالمشروع الاستعماري ورديفه الصهيوني وأدواته الرجعية، لأوجه وضروب الدعاية التي تستهدف مفهوم النضال والمقاومة العربية ضد المستعمر وأدواته، وتقف اليوم كحاجز أساسي على مستوى الوعي والممارسة أمام مشروع التحالف بين العدو الصهيوني وقوى ونظم الرجعية والتطبيع والخيانة، فما يستهدف إدراك العرب وشعوب المنطقة لوحدة مصيرهم المشترك وتناقض هذا المصير مع كل ما تطرحه مشاريع المستعمر من وصفات للاستسلام، ما هو إلا محض خدمة وتموضع في الترسانة الاستعمارية.
ليس من المبالغة القول في حاضرنا أن فلسطين وقضيتها قد باتت أكثر مركزية في معركة التحرر العربي من الهيمنة الاستعمارية، فالمسعى الصهيوني الاستعماري لترجمة التحالف مع القوى والنظم الرجعية إلى استباحة وهيمنة شاملة على كامل المنطقة قد بات أكثر وضوحًا ومركزية في الاستراتيجية الاستعمارية الموجهة ضد المنطقة وشعوبها.
ولفهم الدور التاريخي والحاضر للطرح والممارسة للقوى القومية العربية، لا بد من إدراك مباعثه وتموضعه التاريخي ككتلة تنظيمية وجماهيرية وفاعل سياسي وثوري، فقد تمايز الطرح القومي العربي مع تشكله التنظيمي الأبرز من خلال حركة القوميين العرب عما سبقه من تجارب تشكل القوميات الأخرى، فبينما مثل صعود القوميات في أوروبا أداة لتجسيد التمايز القومي عن محيط أوروبي أوسع، وتحديد لهوية الأمة/ الدولة بمعناها الضيق، فإن حركة القوميين العرب ولدت محملة بسلة أخرى من المهمات، في صلبها ومركزها مواجهة الغزو الاستعماري وما أحدثه من أثر في الوطن العربي. وهنا يجب إدراك ذلك الفارق بين إدراك العرب لهويتهم وارتباطهم، أي الشعور والوعي القومي العربي، وفترات مده وانحساره لحساب جوانب هوياتية أخرى بعضها قطر ية وبعضها طائفية، وبين البنى التنظيمية والأيديولوجية التي حملت على عاتقها مهمات النهوض والوحدة والتحرر العربي.
في جانب النهوض التنظيمي للقومية العربية، شكل الغزو الاستعماري الغربي والهزيمة التي لحقت بالعرب في فلسطين واقتلاع أهلها وتشريدهم مبعثه الأساسي، فكان طرح حركة القوميين العرب هو خلاصة فهم مجموعات عربية متعددة لما يواجهه المجموع العربي من استلاب لحقوقه واستباحة استعمارية لموارده وتسلط للقوى الرجعية العميلة للمستعمر على حقوقه الفردية والعامة، فقدمت الحركة بالشعارات والموقف والممارسة ردها على هذه التحديات ورؤيتها للتخلص من نير الاستعمار وكسر تقسيماته وتحدي ما فرضه من إذلال وهيمنة وتخلف على امتداد المجتمع العربي.
لقد واجهت حركة القوميين العرب وأذرعها المختلفة الغزو الاستعماري وقوى الرجعية العربية التي تعاونت مع هذا المستعمر بالرصاص، وخاضت قتالها ضده في كل ساحة عربية حاول المستعمر استباحتها، في اليمن وعُمان وفلسطين وغيرها، ونهضت بما أوجع المستعمر من استراتيجية كفاحية لتوجيه ضربات له في العواصم الاستعمارية، ضربت من خلالها المصالح الاستعمارية وخطوط نهب الموارد العربية النفطية وغيرها، التي حرستها القوى والنظم الرجعية التي حاولت حراسة منظومة التقسيم والنهب التي أسسها المستعمر.
في حاضرنا قد تكون حركة القوميين العرب، وغيرها من الحركات والأحزاب التي حملت رؤى التوحيد العربي في مواجهة المستعمر وأدواته عانت من انحسار تنظيمي في بعض الأقطار العربية قياسًا بما كانت عليه صورتها في العقود السابقة، ولكن ما لا شك فيه أنها لعبت دورًا محوريًا إن لم يكن الدور الأكثر محورية في التأسيس لوحدة نضال الشعوب العربية في مواجهة المستعمر ومشاريعه وأدواته العميلة، وهو ما حاول المستعمر مواجهته بما يتعدى الشكل المباشر للمواجهة، ومن خلال استحضار النزعات الطائفية الرجعية كأداة دعائية ضد النضال العربي الذي واجهه.
إن رهانات حملة المشاريع الطائفية الانعزالية وشراكائهم مع المشروع الاستعماري شكلت على الدوام أداة رئيسية في الاستراتيجية الاستعمارية للهيمنة على الوطن العربي ومصيره، وكذلك في مساحات الهيمنة الاستعمارية على امتداد هذا العالم، لقد وظف المستعمر الاديان والخلفيات العرقية والدعاوى القطرية، في خدمته، وبرضى القائمين عليها أو تواطئهم أو تخلفهم وتتواصل هذه المساعى في وقتنا الحاضر، ونراها تفعل فعلها كجزء من ترسانة حروب التدمير الذاتي في العديد من الدول العربية، فيما تنهض الرؤية الوحدوية العربية، المبصرة لوحدة مصير المنطقة وشعوبها وفي القلب منها الأمة العربية بمهمات أساسية في الحفاظ على الوعي والموقف العربي الرافض للمشاريع الاستعمارية وفي مقدمتها المشروع الصهيوني ومحاولته التغلغل في المنطقة العربية، هذه المحاولات التي باتت تسعى لتقديم تأطير ديني متصالح مع التطبيع كغطاء لها. لقد كان التحدي الاستعماري على الدوام موجه ضد مصير الإنسان أي كان شكله أو لونه أو معتقده، يسعى لاستعباده وسلبه حقوقه وموارده، وقمع وعيه وتجاربه التحررية، وهو ما شكل المشروع الصهيوني رأس حربة له، فيما يشكل الوعي العربي الجمعي الواضح بخطورة المشروع الصهيوني ومركزية قضية فلسطين في تحديد مصير الصراع بين شعوب المنطقة والعالم والمشروع الاستعماري بأذرعه المختلفة، المسار المضاد الذي يبحث ويناضل لأجل عالم أفضل يقرر فيه هذا المجموع مصيره ويحقق حريته ويقدم نموذجه الإنساني كبديل عن الوحشية والهيمنة الاستعمارية.
ما يعنيه مشروع حركة القوميين العرب اليوم هو جبهة مقاومة عربية تنهض بالدور المحوري والمركزي في مقاومة المشروع الاستعماري بالمنطقة، وتنهض بجانب غيرها من قوى المقاومة بصد هذا المشروع وهزيمته واشتقاق سبل المستقبل المشترك لشعوبنا، وهو ما ينقض عليه العدو بكل أدواته بدء بهجمته الأمنية الميدانية على هذا الخط ومن يمثله في فلسطين، ووصولًا لكل أشكال الاستهداف المسلطة ضده في المنطقة، فكما الغارة والحصار والهجوم على خطوط إمداد المقاومة المسلحة، يجري الهجوم على الوعي الجماهيري و دعائمه وارثه التحرري والنضالي، وهي محاولات مستمرة لسلب التاريخ في إطار هجوم على حاضر المقاومة ومستقبل الإنسان العربي.

