تمر علينا هذه الأيام، الذكرى الأولى، لرحيل القائد الفلسطيني الجبهاوي، عبد الرحيم ملوح، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وأحد أبرز قيادات الثورة الفلسطينية والجبهة الشعبية، حيث شغل فيها لسنوات طوال عضوية المكتب السياسي للجبهة، كما شغل فيها أيضا منصب نائب الأمين العام، لعدة سنوات.
نعم قبل عام، ترجل الفارس الشجاع، صاحب الكلمة الشجاعة، والموقف الجريء، غادرنا بصمت بعد أن أنهكته الأمراض التي أصيب بها أثناء اعتقاله في سجون العدو الصهيوني لعدة سنوات. وكما كان ملوح عبر مسيرته النضالية التي امتدت لأكثر من نصف قرن، عنوانا ونموذجا يحتذى به وبدوره النضالي، كان هذ النموذج يستمر معه أثناء وجوده في سجون الاحتلال، حيث شكل رمزا وطنيا بارزا من رموز الحركة الوطنية في الأسر، وشكل نموذجا في الدفاع عن وحدة هذه الحركة ودورها.
غادرنا الرفيق أبو شريف قبل عام، دون أن يودعنا، ودون أن نتمكن من وداعه.. غادرنا ورحل بصمت، بعد أن كان يملأ الدنيا وما حوله ويشغل الساحة بحركته المتواصلة التي لا تكاد تنقطع.. غادرنا في ظل أصعب الظروف وكأنه يقول لنا لم أعد قادرا على تحمل ما يحصل في الساحة الفلسطينية، من أزمات وانقسام ولا في الساحات العربية من ما يسمى زورا وبهتانا بثورات التغيير (والربيع العربي)، وهو بحق خريف بامتياز.. غادرنا وهو يرى صفقة القرن وتطبيع ابراهام.. غادرنا ليلتحق بكبار القادة ممن سبقوه
جورج حبش ووديع حداد.. وأبو جهاد.. اليماني وأبو يوسف النجار غسان كنفاني وأحمد ياسين.. الشقاقي وعبد الشافي وأبو شرار.. والمئات غيرهم من الثوار الاحرار. ذهب إليهم لينقل لهم رسالة الشعب الفلسطيني وثورته، إننا مستمرون بالمقاومة لن نساوم على حقوقنا او نفرط بها.
الرفيق ملوح، رحل عن عالمنا، قبل عام، بعد مسيرة حافلة بالنضال والعطاء كان خلاها واحدا من الكبار الذين رسموا طريق الثورة، وترك بصماته في مسيرة الجبهة والعمل الوطني الفلسطيني، على مختلف الصعد وفي كافة المجالات. ترك بصماته في تطوير العمل التنظيمي والبنية الكفاحية، والبناء الأيديولوجي، وأعطى اهتماما كبيرا للكوادر الشابة انطلاقا من قناعته أن الشباب هم من يمثلون المستقبل، وأن أية حركة أو حزب لا يعطي الشباب اهتماما خاصا لا مستقبل له.
كما ركز كثيرا على دور المرأة، وشكل دوما عاملا في دعمها كي تتبوأ مكانتها الطبيعية في المجتمع والثورة، إدراكا منه لأهمية هذا الدور، كون المرأة تشكل نصف المجتمع، وإنه لا تقدم لأي مجتمع يغيب فيه دور المرأة، ولن تنتصر ثورة تهمل نصف المجتمع.
الرفيق ملوح كان إنسانا متواضعا، كان في مسيرته ملتحما مع رفاقه وشعبه ويعيش همومهم، ويعالج مشاكلهم. ملوح كان شجاعا في الدفاع عن رأيه، صلبا عنيدا، لكن من موقع الاحترام للرأي الآخر، وهو من آمن بالديمقراطية وجسدها في حياته. ملوح لم يتردد في طرح المواقف والأسئلة التي تثير الجدل أحيانا، انطلاقا من قناعته أن الحركات السياسية والأحزاب تتقدم بعيدا عن التمسك بالقوالب الجامدة والأفكار المحنطة. ملوح كان قائدا وطنيا استطاع أن يقيم العلاقات الايجابية مع الكل الوطني الفلسطيني يمينه ويساره، وساهم ولعب دورا كبيرا في مباحثات عدن الجزائر مع حركة فتح والفصائل، والتي قادت إلى استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية. كما يشهد له الدور الكبير الذي قام به من أجل وحدة اليسار الفلسطيني، كما هو الحال في تجربة التحالف الرباعي والقيادة المشتركة، وغيرها. ملوح لم يكن متعصبا أو منحازا.. كان منفتحا على الآخر ويشهد له الجميع بذلك.
تمتع الرفيق ملوح بهذه الصفات والكثير غيرها مما أهله أن يكون في الصفوف القيادية الأولى فلسطينيا وجبهويا.. ملوح مناضل عصامي بنى نفس بنفسه
لم يتخرج من الجامعات ولا من الأكاديميات العسكرية، ولكنه تعلم من مدرس الحياة والنضال وكان قائدا سياسيا وعسكريا وصاحب رؤيا بامتياز.
أقول ذلك من موقع العيش المشترك مع الرفيق ملوح والعمل معه واستنادا إلى ما جمعني به من علاقات تنظيمية ورفاقية وعلاقات شخصية وعائلية أعتز بها. قد أكون اختلفت وغيري مع الرفيق ملوح عبر المسيرة الطويلة في بعض المواقف، وهذا شيء طبيعي، إلا أن ذلك كان من موقع الاحترام والتقدير، ولم يؤثر في أي يوم من الأيام على علاقاتنا الرفاقية أو الشخصية.

