Menu

نحو تعريف جديد لليسار

حسن شاهين

نشر هذا المقال في العدد 33 من مجلة الهدف الإلكترونية

مدخل أول: حول مفهومي اليسار واليمين

غالباً ما يتم ربط اليسار بالماركسية وفي أحيان بمذاهب أخرى أقل تأثيراً كالفوضوية، وهذا قد يكون صحيحاً إن تحدثنا عن التيارات السياسية اليسارية المعاصرة، لكن إن حاولنا تأصيل مفهوم اليسار سنجد أن وجوده سابق على وجود الماركسية لا بل حتى على وجود مجتمع الحداثة نفسه. وجذور اليسار تعود إلى بدايات ممارسة السياسة في التاريخ، فمنذ تنظيم الإنسان نفسه في مجتمعات وقبل تأسيس الدول، كان هناك من يتمسك بقيم الماضي، ومن يرغب بالمحافظة على قيم العصر، ومن يدعو إلى تبني أخرى جديدة تتجاوز الحاضر نحو مستقبل أفضل حسب اعتقاده.

واليسار عندما ظهر كمفهوم سياسي حديث، عبر عن ذلك الاتجاه الفكري والسياسي الذي يدعو للتغيير نحو ما هو جديد من قيم ومبادئ وقوانين وسياسات، ووضعه في أطر أيديولوجية، إصلاحية وراديكالية. وظلت الميزة الأساسية لليسار بأنواعه، سواء الإصلاحي أو الراديكالي بتدرجاتهما؛ أنه يقترح نماذج مستقبلية -جزئية أو كلية- بديلة للواقع الموجود. وهنا يبرز الفارق الجوهري بينه واليمين؛ فاليسار بصفة عامة يرنو إلى المستقبل، جناحه الإصلاحي يعمل من أجل تحسين النظم والشروط الحاكمة للحاضر، بينما يناضل الراديكالي إلى القطع مع الماضي والحاضر وبناء مجتمع بقيم وعلاقات إنتاج جديدة.

أما اليمين فيرتبط بالحاضر، ويتمسك بالثقافة والقيم التقليدية وينظر بتحفظ نحو كل ما هو جديد على المستوى الاجتماعي، فيما تسعى نسخته الراديكالية إلى إعادة إنتاج نموذج ما من الماضي.

مدخل ثاني: اليسار واليمين... التلاقي

رغم التناقض الواضح بين اليسار واليمين إلا أن جناحيهما الراديكاليان يلتقيان على الاحتجاج على الواقع والسعي لتغييره. الأول نحو نموذج مستقبلي مُقترح، والثاني لاستعادة نموذج من الماضي كما أسلفنا. وفي أحيان استثنائية قد يقود هذا التلاقي إلى التضامن فيما بينهما وحتى التحالف. هذا يحدث عندما تعلو قيمة التغيير بحد ذاته بمعزل عن البديل، أو عندما يكون التغيير ممكناً لكن بناء النموذج الأيديولوجي بعيد المنال، كحالة النضال ضد احتلال أو سلطة مستبدة، وفي هذه الحالة نجد تنقلاً بين مؤيدي وكوادر النقيضين، غالباً ما يكون في اتجاه الأقوى والأكثر قدرة عملية على إحداث التغيير.

مدخل ثالث: يمين يساري ويسار محافظ

اليمين رغم جوهره المحافظ، قد يتبنى في ظروف معينة سياسات ذات طابع يسارية، عندما يقدم مشروعاً للتحرر الوطني، أو للاستقلال الاقتصادي معبراً عن طموحات رأسمالية وطنية في بلد من البلدان. يمكن ذكر نماذج عديدة على هذا الصعيد، مثل بيرون والحركة البيرونية في الأرجنتين التي أقر المفكر الماركسي سلافوي جيجيك أن فيها ميولاً يسارية رغم أن سمتها الأساسية هي الفاشية الشعبوية. كذلك يمكن الإشارة إلى سياسات حزب العدالة والتنمية في تركيا الداعمة للتصنيع، والهادفة لتحويل تركيا إلى دولة مركز رأسمالي لا مجرد ملحق خدمي للاقتصاد الغربي. ويمكن قراءة السياسة المالية للبلاد تجاه سعر الفائدة التي وضعها الرئيس رجب أردوغان في هذا الاتجاه. صحيح أن ثمنها كان انهيار سعر صرف الليرة التركية في الوقت الراهن، إلا أن هدفها البعيد هو عتق رقبة السياسات المالية التركية من نير صندوق النقد الدولي، وإن تمسح أردوغان بالشريعة الإسلامية في محاربة الفائدة، وهذا غير مستغرب من شعبوي نموذجي مثله. لكن في المحصلة اتخذت حكومة اليمين في تركيا سياسيات أميل لليسار من حكومات يسارية في أماكن أخرى.

إن اليسار بطبعه يهدف للتغيير، إلا أنه حين ينحبس داخل جدران أبنية أيديولوجية جامدة، وينظم نفسه في هياكل هرمية متعددة الطبقات تحكمها المركزية "الديموقراطية"، ستتراكم فيه سمات المجتمع المحافظ. فتكتسب النصوص الأيديولوجية قداسة، وتصبح فوق النقاش، أو في أحسن الأحوال يتم الإقرار نظرياً فقط بإمكانية نقدها، ولم يأخذ هذا الإقرار يوماً طريقه إلى الممارسة العملية الجادة على الأقل من قبل الأحزاب.

والهياكل المركزية غالباً ما تشكل بيئة خصبة لعدد من الظواهر المدمرة كعبادة الفرد، وسيطرة الزمرة، وإعاقة تجديد الهيئات القيادية بدماء شابة، وطرد من يحملون فكراً شاباً. لذا نجده يجنح شيئاً فشيئاً نحو اليمين. فحين يتجمد الفكر وتُقدس الأيديولوجيا ويُعبد الفرد ويُستثنى الشباب... ماذا يتبقى من اليسار؟ وهنا لا يعود مستغرباً أن نجد أحزاباً يسارية ماركسية تؤيد أو تتبنى أو تصمت عن سياسات محافظة ورجعية، وتهادن سلطات الاستبداد بل وتبرر لها، لا سياساتها فحسب بل حتى جرائمها، وهذا الأمر لا يحتاج لطرح أمثلة خاصة في بلادنا العربية، أي قارئ للمقال يستطيع أن يستحضر أكثر من مثال.

إن كل ما ذكر في المداخل الثلاثة أعلاه من مفاهيم وأفكار ونماذج كانت حاضرة وفاعلة على مدار العقود الماضية، وربما منذ نشوء الدولة الحديثة، وعندما نتكلم عن واقع اليسار اليوم، وبشكل خاص اليسار العربي والفلسطيني، يجب أن تبقى حاضرة في تفكيرنا ونحن ندرس ونحلل سلوكه وأدائه، ونحاول تقديم حلول لمشاكله، وخارطة طريق لمواجهة أزماته. هذا إلى جانب ما استجد ودخل على المجتمعات من تغيرات طبقية وقيميّة فرضها التطور، خاصة على الصعيد التكنولوجي، الذي طال كل مناحي الحياة بما فيها أدوات الإنتاج.

اليسار المعاصر... أزمة هوية

كُتب الكثير حول أزمة اليسار العالمي، كذلك أزمة اليسار العربي على وجه الخصوص، وقُدمت أسباب كثيرة لها، من الفشل في تبْيِئة الأيديولوجيا، إلى التبعية للاتحاد السوفييتي، والجمود الفكري، والقيادة الفردية... الخ. وهي أسباب قد تكون كلها صحيحة. لكن يبقى السؤال بعد مرور عقود على الأزمة التي بدأت مظاهرها قبل انهيار المعسكر الاشتراكي؛ ما الذي منع من تشكل يسار جديد يتجاوز الأطر الحزبية المأزومة؟ ويزداد هذا السؤال إلحاحاً إن أخذنا بعين الاعتبار أن جمهور ومناصري اليسار خاصة في الدول العربية، الموجودين خارج الأطر الحزبية هم أكثر بكثير من هؤلاء المؤطرين. ربما لم يمض ما يكفي من الوقت لنشوء تجارب جديدة، كذلك ليس من السهل خلق تجارب حزبية جديدة في ظل واقع الاستبداد المهيمن على معظم الدول العربية، ناهيك عن واقع الاحتلال في فلسطين. لكن أيضاً قد يشير ذلك إلى أن اليسار، لم ينجح حتى اللحظة في أن يعيد تعريف نفسه ارتباطاً بالتطور الإنساني الذي ازداد تسارعاً في العقود وحتى السنوات الأخيرة والتحديات التي تفرضها البيئة المحلية.

هل لما زال اليسار اليوم مرتبط حصرياً بالماركسية والأناركية، أم تجاوزهما؟ هل هناك يسار غير ماركسي وما هي صفاته؟ هل النضال البيئي والموقف من تغير المناخ يساري؟ كيف يمكن أن نصنف أحزاب الخضر في أوروبا؟ ما هي الطبقات الاجتماعية التي يعبر عنها اليسار اليوم؟ إن معظم أفراد المجتمعات الأكثر تطوراً ينتمون إلى البورجوازية الصغيرة حسب التصنيف الماركسي، ما هو موقف اليسار منها؟ هذا إضافة إلى أسئلة طرحها النموذج الصيني، الذي تسرع كثير من اليساريين باعتباره انحرافاً بينما كان عليهم تقديم احترام أكبر للتجربة وإعطائها حقها من الدراسة والنقد الموضوعي لا الأحكام الجزافية المطلقة الأقرب إلى أحكام المتدينين العفويين تجاه نموذج أو تفسير لا يطابق ما ورثوه.

 

نحو تعريف جديد لليسار العربي

على المستوى العربي، في ظل واقع التخلف والتبعية الذي تعيشه مجتمعاتنا، وفشلها في القيام بإصلاح ديني يرسم حدوداً واضحة للدين بين الحيزين العام والخاص، فيبقى كشعائر ومعتقدات وأحكام ضمن الحيز الخاص، ويعمل كثقافة مرجعية في الحيز العام، هذا الإصلاح الذي يمنع استخدام الدين كمطيّة لحركات رجعية انتهازية، أو أداة في يد نظم الاستبداد.

وتبرز اليوم مهام وعناوين مختلفة يمكن أن تشكل ساحة للنضال اليساري، أبرزها: مسألة العدالة الاجتماعية، قضية المرأة، الحداثة والعلمانية، الحريات العامة والخاصة، الديموقراطية، هذا على مستوى كل مجتمع عربي، إضافة إلى التحقق القومي، فالأمة العربية هي الوحيدة التي فشلت أو أُفشلت في التحقق بالمعنيين السياسي والاقتصادي، وبالتبعية الثقافية والاجتماعية، وقضية فلسطين ومواجهة الصهيونية كحركة وكيان يستهدفان نهضة وتطور وتكامل المجتمعات العربية.

إن المهام أعلاه إضافة إلى ما تم ذكره حول تحديات التطور التكنولوجي وانعكاساته الاجتماعية هي ساحة العمل الواقعية لليسار العربي، وربما يجب إعادة تعريفه بناء على ذلك، أي أن اليسار العربي اليوم يشمل كل من يناضل في سبيل هذه المهام، وليس بالضرورة أن يكون ماركسياً. يجب على قوى اليسار والناشطين اليساريين أن يبحثوا عن بناء تحالفات واسعة على هذا الأساس، وعلى اليسار الماركسي التقليدي أن يعي أن مياهاً كثيرة جرت تحت الجسر، وأن تحفيز عملية التطور التاريخي تتطلب أن ينفتح على طيف أوسع من التقدميين، حتى لو لم يكونوا اشتراكيين.

نحو تعريف جديد لليسار الفلسطيني

ضرورة حاجة اليسار لإعادة تعريف تبرز بشكل أكثر إلحاحاً في الساحة الفلسطينية، فمهام التحرر الوطني كما ورد في المدخل الثاني للمقال قد تقود إلى التحالف مع اليمين الرجعي، لكن هذا لا يجب أبداً أن يكون على حساب إبراز التناقض الجذري معه على كل الأصعدة، خاصة الاجتماعي، وهذا ما فشل فيه اليسار الفلسطيني، فوجدنا اشتباكات اجتماعية كبرى على صعيد قوانين تمس المرأة تخوضها ناشطات نسويات وجمعيات نسوية بينما قوى اليسار متفرجة، ويتم فرض قيود على الحريات العامة والخاصة من قبل حماس في غزة على سبيل المثال دون أي معارضة حقيقية من اليسار، كذلك لا تواجه ديكتاتورية سلطتي غزة والضفة أي تحدي جدي من المعارضة اليسارية.

إن السعي لبناء تحالف واسع لليسار، ينفتح على التقدميين غير المؤطرين، مسألة جوهرية ليكون لدينا في فلسطين قوة يسارية مؤثرة، تعبر عن نسبة وازنة من الجمهور لا مجرد آحاد مئوية. والمنطق أن تبادر إلى هذا الجهد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين باعتبارها القوة اليسارية الرئيسية المنظمة، وهذا إن لم يحدث ستستمر أزمة اليسار وتتفاقم، وسيواصل تحوله شيئاً فشيئاً نحو اليمين، حتى ينبذ الماركسية في مرحلة مستقبلية لن تكون بعيدة، وربما يلتحق بعضه أيديولوجياً بحلفائه الإسلاميين، والبعض الآخر بحركة فتح.