تتضح للفلسطينيين تدريجيًا، صورة وجود من يسعى لتقرير مصيرهم بمعزل عنهم، فرغم إعلان فصائل فلسطينية عدّة من بينها قوى رئيسيّة في منظمة التحرير، رفضها لكل الترتيبات المتجاوزة للتوافق الوطني بشأن منظمة التحرير الفلسطينيّة، ورغم تقديم العديد من هذه القوى لمبادرات سياسيّة لبناء الوحدة الوطنيّة، انطلاقًا مما توافقت عليه الفصائل سابقًا، فقد قابل فريق الهيمنة والإقصاء السلطوي هذه المساعي بالرفض والتهجم الإعلامي، وتجاهل صوت هذه القوى، وتجاوز أي معنى للشراكة الوطنية أو الحق الديمقراطي.
إنّ اتساع الرفض لانعقاد دورة المجلس المركزي لـ م ت ف، ليس موقفًا طارئًا يهدف لتعطيل الدورة، ولكن بالأساس رفضًا لمساعي فريق التسلط والإقصاء والتفرد لإتمام هيمنته على مؤسّسات المنظمة وتعطيله لدورها الوطني، ومواصلة احتجاز القرار الوطني في مربع التسوية وسياسات التنسيق الأمني التي أصدر المجلس المركزي والوطني قرارات سابقة واضحة بشأنها. إنّ محاولة تظهير عقد المجلس المركزي بمعزل عن التوافق الوطني أو المشاركة في دورته هذه، كما لو كان دفاع عن منظمة التحرير الفلسطينية هو تعدي على المنطق كما على تاريخ المنظمة، فليس من المعقول أن انقاذ المنظمة يتمثل في تيسير طريق لتسليم مقاليدها لهيمنة مستمرة لفريق التنسيق الأمني، بمعزلٍ عن الإرادة الوطنية الفلسطينيّة الشعبيّة منها والفصائليّة، وعلى نحو يتناقض مع صلاحيات المجلس الوطني الفلسطيني، وحق الشعب الفلسطيني الديمقراطي في اختيار قيادته وتقرير مصيره ووجهته السياسية.
لم تعد النظرة للموقف من دورة المجلس المركزي لمنظمة التحرير، يرتبط بمواقف قوى رئيسيّة فلسطينيّة مقاطعته فحسب، ولكن بالأساس باتساع دائرة المواقف الشعبيّة والجماهيريّة التي تعبر عن رفضها لاستخدام مؤسسات م. ت. ف في فرض ترتيبات تعمّق الانقسام، وتفتت الموقف الوطني المطلوب توحيده في مواجهة الاحتلال.. وتجاه استمرار التحدي السافر للإرادة الشعبيّة الفلسطينيّة وتطلعات القوى الوطنيّة نحو الوحدة، تبدو محاولات فصائل العمل الوطني لتثبيط هذا المسار الكارثي حتى الآن غير كافية، وهو ما يعني فعليًا أنّ المسار المتبقي للفعل يتمحوّر حول الإرادة الجماهيريّة والفعل الشعبي وقدرته على إملاء إرادته على هذه القلة التي تختطف قراره ومصيره.

