Menu
حضارة

"نقد الفكر السياسي الفلسطيني" في ندوة الشهيد غسان كنفاني

من النـدوة

غزة - بوابة الهدف

نظمت بوابة الهدف الإخبارية، أمس الخميس، ندوة حوارية نقدية لـ"الفكر السياسي الفلسطيني"، في إطار التعرف على ماهية الفكر السياسي الفلسطيني وإشكالياته عبر حقب تشكله وتكوّنه على يد النخب السياسية الفلسطينية.

وجاءت الندوة استمراراً للقاء الشهري الذي تُنظمه البوابة، تحت عنوان "طاولة الشهيد غسان كنفاني "، بينما شارك في الندوة الحوارية كل من د. إبراهيم أبراش المحاضر في العلوم السياسية في الجامعات الفلسطينية بغزة، والباحث في الشؤون السياسية والاجتماعية تيسير محيسن، كما شارك د. سيف دعنا الباحث الفلسطيني المتخصص في العلوم الاجتماعية والسياسية عبر "سكايب"، والذي يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، في حين أدار دفة الحوار الكاتب والصحفي هاني حبيب.

وتناول المشاركون في الندوة إلى ارتباط التوازن بين العمل السياسي الثوري والوطني الفلسطيني مع الانتقال من الثورة الفلسطينية إلى مرحلة السلطة والدخول في مشروع التسوية، إضافة إلى وحول ارتباط الفكر السياسي الفلسطيني بالإنتاج السياسي من خلال مراكز الأبحاث والدراسات السياسية الفلسطينية، عدا عن التساؤل عن "هل الفكر السياسي الفلسطيني مرتبط بالجهود الفلسطينية على مستوى السياسة والجهود العربية والدولية".

وتطرق حبيب في إطار تقديمه للجلسة الحوارية إلى مجموعة من التساؤلات حول الفكر السياسي الفلسطيني إذا ما كان يمر بأزمة مرحليّة عبر سنوات النضال الوطني الفلسطيني أو يمتاز بالتطور، وأبعاد تشكّله عبر تاريخ مليء بالمتغيرات، من ثبات الفلسطينيين على الأرض والنزوح والشتات والهجرة ومن ثم مشروع تأسيس الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، عدا عن دور وأداء قيادة النخب السياسية الفلسطينية في الداخل والخارج للمشروع الوطني الفلسطيني

وفي هذا السياق، تحدث د. إبراهيم ابراش، موضحاً أن هناك كثير من الأقوال حول أن الفكر السياسي الفلسطيني كان متقدماً، لكنه مع مرور الوقت ومجموعة من العوامل، ربما لم يستمر في تطوره وأنه في كثير من الأحيان بات عاجزاً عن تأدية دوره في فتح الآفاق أمام السياسي الفلسطيني في اتخاذ المواقف الصحيحة.

وأجاب د. أبراش على سؤال: "ما هو الفكر السياسي؟"، قائلاً "الفكر السياسي الفلسطيني في لحظة نشأته مع الثورة الفلسطينية المعاصرة كان انعكاساً للواقع في ظل الثورة الفلسطينية الصاعدة التي احتضنتها الجماهير العربية"، مشيراً إلى الحالة العربية التي امتازت بالأممية والتقدم آنذاك، على الرغم من هزيمة الـ 67.

وقال د. أبراش أن الفكر السياسي الفلسطيني عكس حالة الصعود على المستوى الوطني الرسمي والشعبي والعربي والأممي، وعن تعبيره – يقصد الفكر السياسي الفلسطيني- عن الثوابت والإجماع الوطني الفلسطيني.

وتحدث أبراش عن أدوات الفكر السياسي الفلسطيني الموثقة بشكلٍ رسمي الذي عُبِّر عنه من خلال ما كتب وقيل في تلك المرحلة من خلال مثقفين وكتاب ومفكرين، مُقسِّماً إياها إلى مستويين، أولاً على المستوى العمل الميداني، مذكّراً بحالة الكفاح المسلح في أدبيات فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وثانياً، على المستوى السياسي، أوضح أبراش أن الفكر السياسي الفلسطيني امتاز بالمضمون القومي الأممي، تناغماً مع الفكر التقليدي في المنطقة العربية السائد آنذاك.

وأشار أبراش إلى أن هذا "الواقع تغيّر وأصبحت الفجوة متزايدة ما بين الواقع الذي تغيّر وما بين الفكر، معتبراً أن الفكر السياسي الفلسطيني لم يعد قادراً على مواكبة التعبير عن المتغيرات، وتحول ذلك إلى أزمة في الفكر السياسي الفلسطيني"، خاصةً بعد المتغيرات التي طرأت على أدبيات فصائل المنظمة بعد أحداث أيلول الأسود سنة 1970، لافتً إلى أن دور الفصائل التي تعبر عن البُعد القومي أصبح ثانوياً، عدا عن ظهور فصائل وقوى الإسلام السياسي في فترة لاحقة.

وانتقل حبيب بمسار الحوار إلى الباحث تيسير محيسن، موجهاً إليه السؤال حول الاختلاف في دور الفكر السياسي في مرحلة الثورة ومرحلة السلطة الوطنية، مشيراً إلى المستجدات المتعلقة بوجود قوى الإسلام السياسي الطارئة على العمل الوطني الفلسطيني، والتي لم يعالجها الفكر السياسي الفلسطيني في تلك المرحلة.

 

من جهته بيّن الباحث محيسن، أن القوى الإسلامية تعتبر شيئاً جديداً على الفكر السياسي الفلسطيني، فـ"مثلما أن الهوية الوطنية تتأثر بعوامل داخلية وخارجية، كانت الحالة العامة التي غلبت على الفكر السياسي الفلسطيني في واقع الشتات والشرذمة متمثلة بالسؤال عن مدى توافق الفكر مع الواقع، فكان واقعاً مشتتاً ويعايش حالات مختلفة ومتباينة نجمت عن النكبة"، موضحاً أن النزعة القومية التقليدية ومن ثم النزعة الإسلامية الممثلة بصعود تيار الإسلام السياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي كان لها تأثيراً بعيد المدى في إعادة طرح أسئلة الفكر السياسي حول العقد الاجتماعي والنظام السياسي والهوية الفلسطينية، وبرأي الباحث محيسن، أضاف كل ذلك سمة التشتيت إلى الفكر السياسي الفلسطيني، بعدما ضربت النكبة البُعد التنويري في الفكر السياسي الفلسطيني، والذي، في مرحلة أخرى، خرج تماماً من هامش الثورة الفلسطينية.

واضاف محيسن، أنه "مع تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، ظهرَ الفكر التسووي الذي يسوغ ويبرر نهج التسوية، وظهور المعارضة الممثلة بقوى الإسلام السياسي"، مضيفاً أن "كلا الطرفين لا ينتج فكراً حقيقياً، فالمعارضة أيضاً لم تقدم قراءات نقدية وفكرية عميقة تدحض النهج التسووي".

وأضاف محيسن أن الفجوة بين الاختيارات الفكرية آخذة بالاتساع، بين طبيعة تلك الاختيارات المستوردة في معظمها، وما بين واقع الفلسطينيين المشتت الذي يعيش واقع تاريخي اجتماعي اقتصادي متباين.

من جهته، انتقل حبيب بالسؤال إلى د. سيف دعنا، مشيراً إلى تحول دور الفكر السياسي الفلسطيني من دور موجه يتخذه السياسيون من الفكر السياسي كبوصلة لتحركاتهم ونقاشاتهم وخطاباتهم ومواقفهم، إلى دور معكوس، إذ بات الفكر السياسي المُناط لخدمة الساسة بدلاً من أن يخدم الإرادة الفلسطينية والهدف الفلسطيني، قائلاً "كيف تطور هذا الفكر السياسي الفلسطيني منذ قيام الثورة الفلسطينية إلى مراحل الاتفاقات الفلسطينية وإلى المرحلة النهائية بالواقع الراهن؟"

واستطرد د. دعنا محاولاً شرح وتفسير إشكالية الرواية التاريخية في فهم الفكر السياسي الفلسطيني، قائلاً "يمكن ملاحظة حقيقة مؤلمة، وهي أن المشروع السياسي الفلسطيني دائماً ما استورد الفكر السياسي وليس العكس، كان من المفروض أن تقوم الثورة الفلسطينية بصياغة الفكر السياسي الأصيل، والخاص بها، وليس العكس، كان هناك مشروع تسوية منذ البداية، هذا المشروع التسووي الذي نعرفه اليوم بمشروع الدولة".

وأضاف "عانت الثورة الفلسطينية من غياب نظرية ثورية بالمعنى التقليدي الموجود عن الشعوب الأخرى، فلو حاولنا ننظر للسردية التي تبنتها منظمة التحرير الفلسطينية، نرى أنها ببدأت معادية للاستعمار، وإذا ما قمنا بمقارنتها بالنتيجة التي وصلنا إليها باتفاقية أوسلو، فلا يوجد تطابق، بل هناك تناقض"، وقال "التاريخ الثوري لا يجب أن يقود إلى حاضر مأساوي كما هو حالنا اليوم".

وأوضح دعنا أن الاشكالية منذ البداية كانت اشكالية فكرية، فالفكر السياسي الفلسطيني كان في خدمة المشروع وليس العكس، هناك توصيف في الفكر السياسي للتجربة الفلسطينية وهو "فكرة التجنيد للاستعمار على المستوى الفكري"، مشيراً إلى أن الحالة التي حدثت في أغلب دول العالم الثالث، هي حالة تجنيد، فلم يكن فكراً محلياً أصيلاً على أساسه يتم صياغة برامج ومشاريع لمواجهة الاستعمار، بل تم استيراد أفكار جاهزة من الخارج، وهي  أفكار غربية، إذ كان الثائر يتبنى نهج الثورة ضد الاستعمار بمفاهيم المستعمر نفسه، وهذا ما حكم على المشروع الوطني بالفشل منذ بدايته، بغض    النظر عن حجم التضحيات التي بذلها الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، وأضاف "حدد المستعمِر أدواتنا المعرفية لتحليل الواقع في مسيرتنا الكفاحية، بسبب تجنيد المنظمة من قبل الاستعمار"

وواصل دعنا تقديم رؤيته من عدة مناح اقتصادية واجتماعية لدراسة حالة المجتمع الفلسطيني وبناء الفكر السياسي الخاص به، قائلاً "في الحالة الفلسطينية كان هناك عمليات منهجية أهلت وقامت بتشكيل الجماعات الاجتماعية للوصول لمرحلة التسوية، بعد الـ67 كانت الحالة اقتصادية غريبة وشاذة في الضفة الغربية وقطاع غزة" قال دعنا وأضاف "من الـ67 وحتى لل91 ارتفع معدل الدخل 3 اضعاف، بينما القدرة الانتاجية للمجتمع الفلسطيني تتحطم، كان هناك تكسيراً للقواعد والصناعات المحلية، الاقتصاد يتفكك ومعدل الدخل يرتفع بسبب العمل داخل الأراضي المُحتلة عام 48، استهدف الكيان الصهيوني بها إعادة تشكيل الشرائح الاجتماعية التي يمكن لها تأسيس شرائح ثورية".

وقال دعنا أنه في الشتات، كان هناك عدة مجتمعات فلسطينية متباينة بالمعنى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وكما أن كل جماعة تقود تشكيل مشروع الجماعة المجتمعية عبر مصالحها، قاد مجتمع الفلسطينيين في الكويت ، عبر رأس المال الفلسطيني الفاقد لأدواته السياسية إلى قبول وتبني "مشروع الدولة"، لتمثيل مصالحه ووجوده السياسي، في الوقت الذي غرقت به الحالة الاقتصادية في الضفة والقطاع بحالة شاذة، تمثلت في ارتفاع الدخل والتراجع في الانتاج.

وفي ختام مداخلته، قال دعنا "علينا اليوم أن نحاول تفسير الحاضر المأساوي عبر اعادة تركيب التاريخ، وليس بطريقة تاريخية بناء على الرغبات التي سادت في الماضي، بل بناءً على نتائج ممكن من خلال تحديد مفاصل من التاريخ الفلسطيني لإدراك الأخطاء القاتلة، والعمل على تجاوزها وتشكيل أفق مختلف و مستقبل أفضل".