Menu

ذكرى النكبة وانتصار المقاومة

طارق أبو بسام

تمر هذه الأيام، ذكرى النكبة والجريمة الكبرى التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني، والتي أدت إلى تشريد شعبنا من أرضه وقيام الكيان الصهيوني الغاصب على أرضه، والذي جاء نتيجة للدعم الغربي لعصابات الصهاينة، ممثلا أساسا بالدور البريطاني الذي أعطى وعدا بقيام هذه الدولة في عام ١٩١٧ (وعد بلفور)، وقام بتنفيذ هذ الوعد مع انتهاء فترة الانتداب، حيث قدم كل الدعم للعصابات الصهيونية، ومدها بكافة أنواع الأسلحة في الوقت الذي كان يمنع الفلسطيني من حمل حتى المسدس، وترافق ذلك مع تواطؤ عربي وصل حد التآمر على القوات الفلسطينية ورفض دعمها بالسلاح، وقد أكد ذلك الشهيد عبد القادر الحسيني في رسالته إلى الجامعة العربية وطالب العرب بدعم فلسطين بالسلاح، مخاطبا إياهم: لا نريد أن تقاتلوا عنا، وحملهم مسؤولية ضياع فلسطين أن لم يفعلوا ذلك، وهذا ما حصل.

لقد قاتل الشعب الفلسطيني بعزم واصرار وصمد وانتصر في العديد من المعارك، إلا أن الدعم الغربي الكبير للصهاينة وتآمر القيادات العربية في ذاك الوقت، أدى إلى ضياع جزء عزيز من فلسطين، بالمقابل نحن نعرف أن عددا كبيرا من الضباط والجنود العرب قاتلوا قتالا أسطوريا وقدموا الشهداء ومازال التراب الفلسطيني يحتضن جثث الكثيرين منهم في مقابره، هؤلاء الأبطال من الجيش العراقي والجيش الأردني والمصري والسوري وغيرهم الذين امتزجت دماؤهم مع دماء الفلسطينيين.

واليوم ومع مرور هذه الذكرى، لا أريد أن أخصص مقالتي هذه لها، كوني كتبت عدة مرات في السنوات السابقة مقالات عدة تناولت فيها أسباب النكبة، والدروس المستخرجة منها، وكيف نواجه المشروع الصهيوني بمشروع جذري مقاوم، كما أن العديد من الكتاب والصحفيين ورجال السياسة كتبوا آلاف الكتب والمقالات التي تناولت الجوانب المختلفة لهذه القضية.

ما يهمني اليوم هو أن أكتب عن الواقع الحالي في هذه الذكرى وما يترافق معها من تطورات، وخاصة أن هذه الذكرى تأتي في ظل تطورات هامة أهمها، اندلاع معركة ثأر الأحرار التي انطلقت ردا على جرائم العدو بعد القتل المتعمد للشيخ خضر عدنان وبعد اغتيال ثلاثة من القادة العسكريين لحركة الجهاد الإسلامي، وبعد الممارسات الفاشية لدولة العدو ضد شعبنا وأسرانا ومقدساتنا.

أكتب اليوم بعد انتهاء معركة من معارك الصمود الأسطوري، وبعد ملحمة بطولية صنعتها سواعد رجال المقاومة وإرادتهم، حيث استطاعت المقاومة فرص شروطها على العدو وتحقيق الانتصار عليه ومنعه من تحقيق اهدافه. هذا الانتصار الذي أستطيع القول ودون مبالغة: أنه وضع القضية الفلسطينية على أبواب مرحلة جديدة، مرحلة تؤكد ما سبق أن أكدته الانتفاضة الأولى، والتي وكما قال أيامها الحكيم الدكتور جورج حبش ، أنها نقلت إمكانية قيام الدولة الفلسطينية من الإمكانية التاريخية إلى الإمكانية الواقعية. أكدت أن تحرير فلسطين لم يعد حلما أو وهما وإنما أصبح أقرب من أي وقت مضى وبات حقيقة واقعه، وكلنا يذكر أنه لولا التآمر على الانتفاضة ومحاولة استثمارها بشكل خاطئ لكان واقعنا أفضل.

والآن بعد توقف إطلاق النار وانتهاء هذه الجولة من المعارك، لا بد أن نجيب على السؤال الأهم: ماذا أراد العدو من هذه المعركة؟ وماهي أهدافه؟ وبالمقابل ماذا أرادت المقاومة أيضا؟  وماذا حقق كل منهما؟

وقبل الدخول في ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن هذه المعركة ما هي إلا جولة في إطار المعركة التي يخوضها الشعب الفلسطيني ومقاومته وسوف تتكلل بالنصر. لقد أراد العدو وقيادته المجرمة خلال هذه المعركة تحقيق مجموعة من الأهداف أهمها:

١_ تغيير المعادلات القائمة على الأرض، التي فرضتها المقاومة سابقا، وفرض شروط جديدة على المقاومة.

٢_ توجيه رسالة للجميع، خاصة في محور المقاومة أن إسرائيل ما زالت تملك قوة الردع وأن يدها هي العليا.

٣_ توجيه رسالة لدول التطبيع تقول لهم ما زلنا قادرين على حمايتكم والحفاظ على أمنكم.

٤_ توجيه ضربة قوية لحركة الجهاد الإسلامي التي باتت تلعب دورا طليعيا ومميزا في مواجهة العدو، من خلال اغتيال قيادتها خاصة العسكرية، ظنا منهم أن ذلك سيضعف حركة الجهاد.

٥_ محاولة الاستفراد بحركة الجهاد وتحييد الآخرين، خاصة حماس ودق إسفين بينهما، وتصوير المعركة أنها مع الجهاد فقط.

٦_ الهروب من الأزمة الكبيرة التي يعاني منها الكيان وحكومته في الأشهر الأخيرة وتصديرها إلى الخارج، كما جرت العادة.

لقد فشل العدو في تحقيق جميع أهدافه وهذا ما أكدته النتائج، وربما يكون الانجاز الوحيد أن استطاع الوصول إلى عدد من قادة حركة الجهاد العسكريين واغتيالهم وقتل النساء والأطفال.

لكن هذه طبيعة المعارك يرتقي فيها الشهداء ويتم تعويضهم، وأشير إلى ما قاله سماحة السيد تعليقا على هذا الموضوع مستشهداً في الجبهة الشعبية (الجبهة الشعبية استشهد أمينها العام أبو علي مصطفى ، وأمينها العام الحالي في السجون، ولم تتوقف عن المقاومة، بعد غياب قادتها وبقيت ثابتة في ميدان القتال).

إن توقف المعركة والموافقة على وقف إطلاق النار، لا يعني أن الحرب قد انتهت، بل لا زالت مفتوحة، وقد تعود الطائرات والصواريخ للعمل مجددا في أي وقت، وهذا يستدعي الاستعداد المستمر للمواجهة، مع وجوب الحذر الدائم من خداع العدو، وهذا ما أكدته التجارب السابقة.

وفي ظل ما جرى ما هي النتائج والحقائق التي أفرزتها هذه الجولة من القتال، يمكننا تلخيصها بما يلي:

١_ التأكيد مرة أخرى على تراجع قوة (لردع الإسرائيلية) وانتهاء مقولة الجيش الذي لا يقهر.

٢_ أدت هذه الجولة من القتال إلى زيادة حدة التناقضات داخل المجتمع الصهيوني وهذا ما بدا واضحا في تبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات.

٣_ أكدت هذه المعركة على وجود درجة عالية من التنسيق بين الفصائل المقاومة، رغم وجود بعض الملاحظات، على موقف البعض (حماس)، خاصة أن الجميع تحرك تحت عنوان وقيادة غرفة العمليات المشتركة، وهذه تجربة يجب تعزيزها وتطويرها.

٤_ الحقيقية الأهم تمثلت في تبلور موقف واضح من محور المقاومة، يؤكد عدم السماح للعدو الاستفراد بالساحة الفلسطينية، وهذا ما جاء على لسان سيد المقاومة سيد سماحة السيد حسن نصر الله عندما قال: (لن نتردد في دعم المقاومة في غزة. نحن نراقب الأوضاع وتطوراتها، ونقدم في حدود معينة المساعدة الممكنة، ولكن في أي وقت تفرض المسؤولية علينا القيام بأي خطوة أو خطوات لن نتردد). وجاء الموقف الإيراني على لسان قائد فيلق القدس والموقف اليمني والسوري كي تؤكد ذلك. ومن المعروف أن السيد حسن نصرالله، عادة ما يعبر عن موقف محور المقاومة،

وهذا يؤكد إننا أمام تطور نوعي جديد في عملية المواجهة، وقد نكون قريبا أمام المعركة الكبرى التي يخوضها المحور من أجل تحرير فلسطين.

٥_ أثبتت بشكل واضح لا لبس فيه انحياز الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية إلى جانب دولة الكيان، من خلال إدانتها للمقاومة واعتبار ما تقوم به (إسرائيل)، دفاعا عن النفس، متجاهلة بالكامل الاحتلال الإسرائيلي الأرض الفلسطينية منذ عشرات السنين، وتمرده على الشرعية الدولية وقراراتها.

٥_ فشل القبة الحديدية فشلا ذريعاً وبنسبة تصل إلى 70% وعجزها عن التصدي للصواريخ المنطلقة من غزة، وهذا له نتائج كبيرة، مقابل التطور النوعي في فعالية صواريخ المقاومة.

٦_ القضاء على نظرية الأمن (الإسرائيلي)، حيث لم يعد مكانا آمنا في دولة الكيان.

٧_ انهيار المعنويات لدى المستوطنين وهم يشاهدون الصواريخ تتساقط على مستوطناتهم، مقابل ذلك الروح المعنوية العالية التي تمتع بها أبناء الشعب الفلسطيني وأطفاله وهم يخرجون إلى الشوارع ويعتلون سطوح المنازل، ويحتفلون بالكرنفال الفلسطيني، بينما يهرع المستوطنون إلى الملاجئ.

إن ما تميزت به هذه المعركة عن سابقتها، أنها جاءت في ظروف عربية وإقليمية ودولية أفضل من السابق لمصلحة الشعب الفلسطيني، تتلخص في انتصار سوريا وعودة العرب إليها، ونجاح المصالحة السعودية الإيرانية، وانخفاض حدة العداء التركي السوري، وتراجع هيمنة الولايات المتحدة والسير إلى نهاية نظام القطب الواحد، إلى جانب زيادة التناقضات وارتفاع حدتها داخل المجتمع الصهيوني ودولة الكيان...

في نهاية هذا المقال أقول: صحيح أن هذه المعركة لم تلبِ شروط الفلسطينيين، كما أرادتها المقاومة، ولم تحرر شبرا من الأرض، ولم تحرر أسيرا واحد، لكنها استطاعت أن تحرر الوعي الفلسطيني، وتؤكد أن الطريق الى تحرير فلسطين هو طريق المقاومة ولا طريق غيره.

وهنا أتوجه بتحية الاعتزاز والتقدير لكل المقاومين الفلسطينيين وكل من قام بدوره في مواجهة العدو، وأخص بالذكر حركة الجهاد الإسلامي ومجاهديها، و الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومقاتليها الذين خاضوا هذه المعركة بكل عزيمة وإصرار وكفاءة عالية وقدموا الشهداء ولم يرضخوا لشروط العدو، ومنعوه من تحقيق أهدافه، وهذا هو الانتصار.