من بين أشهر الجمل والأفكار التي يرددها العالم عن إرث وزير الدعاية (الإعلام) في عهد النازي ادولف هتلر، هي الجملة التي قالها يوماً بول جوزيف جوبلز، اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس، وهي الجملة التي تتناقض مع أبجديات العمل الصحفي بضرورة البحث عن الحقيقة، وقول الحقيقة، كل الحقيقة، ومن بين ثنايا هذا التناقض، اشتق الشهيد غسان كنفاني شعار مجلة الهدف التي أسسها عام 1969، الحقيقة كل الحقيقة للجماهير، وعملت المجلة على هدي هذا الشعار العميق، بالمعنى المهني للعمل والأداء الصحفي، وبالمعنى الثوري لعلاقة التنظيم أو الحزب مع الجماهير.
دور الكذب وفقا لمفهوم جوبلز، يتناقض أيضا مع القيم الإنسانية والاجتماعية، وخاصة في المجتمعات ولدى الفئات التي تعتبر الكذب من أعظم الخطايا، وربما كان هذا الدافع لدى الكاتب الإيطالي كارلو كولودي، عندما ابتدع شخصية بينوكيو في مسلسل الأطفال الكرتوني الذي أُطلق مع بداية الألفية هذه، فكان كولودي يعاقب بينوكيو على كل كذبة يكذبها بنمو أنفه.
في الجدل الدائر حول نقابة الصحفيين خلال الأشهر الأخيرة، والذي كان يمكن أن يكون جدلاً ايجابياً وبناء، يسهم في تطوير واقع النقابة ويصوب أي أخطاء حدثت أو كان يمكن أن تحدث، وهو خيار اتخذه جزء من الصحفيين، بما في ذلك صحفيين مستقلين، فقد اتخذ بعض الصحفيين خياراً آخر، خيار بينوكيو، دون أن ينتبهوا إلى أن أنوفهم تكبر بشكل ملحوظ وظاهر للعيان، مع كل قول يدعوه، وكل كلمة يكتبونها، حتى أنهم تجاوزوا مقولة جوبلز، اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس، إلى درجة أعلى لتصبح المقولة، اكذب ثم اكذب حتى تصدق نفسك، أو توهم نفسك أنك صادق. بدعة جديدة تبعها هؤلاء، وبعض وسائل إعلام تشبههم وتسير في ركبهم، وهي أن موقعاً (اخبارياً) يكتب خبراً ملفقاً أو محرفاً، ثم يتناقله آخرون ويبنون عليه مواقف ويكتبون حوله آراء، باعتباره حقيقة مسندة، وهم ربما يعرفون أن ما يستندون إليه هو محض كذب أو تحريف وتضليل.
نقابة الصحفيين، ليست مؤسسة مثالية، ولا تخلو من الشوائب، ولا المسؤولين عنها مثاليين ومنزهين عن الأخطاء، فمن يعمل يخطئ بالتأكيد، وقد يستكين أحياناً ويقصر أحياناً أخرى، وقد يتقاعس عن واجباته في بعض الأحيان، خاصة مع غياب أو ضعف آليات المساءلة والرقابة، وهذا التوصيف لا يقتصر على نقابة الصحفيين، بل يطال كل النقابات المهنية والعمالية بصورة أو بأخرى، أكثر أو أقل. وهنا يبرز السؤال حول آليات المعالجة وتطوير الواقع، وحتى رفضه والتمرد عليه.
منذ أن تأسست نقابة الصحفيين، أو بتعبير آخر رابطة الصحفيين العرب في حينه، وهناك قوى وأحزاب تحتضنها وترعى مسيرتها، وتدفع مقابل ذلك أثماناً كبيرة بعشرات الشهداء ومئات المعتقلين والجرحى، وطبعاً ليس جمعيهم من صلب هذه القوى والأحزاب، لكن السواد الأعظم منهم، وهذا في الحقيقة جزء من العمل الحزبي المنظم، فلا نقابات دون أحزاب، ولا أحزاب دون نقابات، وحتى النقابات التي تسمي نفسها مستقلة هي في الواقع تتبع أو تميل لهذا الحزب أو ذاك، هذا ليس رهناً في الحالة الفلسطينية، بل في كل العالم، بشرقه وغربه وشماله وجنوبه، كان ولا زال قائماً حتى اليوم، ولعل أنجح وأفضل النقابات وأكثرها ديمقراطية حتى في أوروبا التي تتسيد نقابات واتحادات الصحفيين فيها كل العالم، هي بالمحصلة نقابات حزب أو ائتلاف أحزاب. هذا لا يمنع ولا ينفي بالطبع دور ومواقع المستقلين فيها، ولكنه دوماً دور محدود ومحصور، ليس رفضاً لفكرة الاستقلالية، بل لأن الواقع لا يمكن أن يفرز غير هذا.
قيادة الأحزاب للنقابات، والتأثير فيها لا تعني، ولا يجب أن تعني دوماً، تسييس النقابات، بمعنى فرض مواقف أو توجهات عليها، بل خدمة القطاع الذي تعمل من أجله بمنظور، أو بما لا يتعارض مع، سياسات الأحزاب المؤثرة أو التي تقود هذه النقابات، أي بمعنى آخر أن النقابة تعمل من أجل مصلحة منتسبيها ومصلحة القطاع الذي تمثله، وهو ما يخدم تلقائياً سياسات الأحزاب وبرامجها الاجتماعية. إن وجود مجموعة أحزاب وتنافسها على مسؤليات وقيادة نقابة ما، هو بالمحصلة صراع برامجي، يحتدم أو يبهت تبعاً لطبيعة النقابة والقطاع الذي تمثله، وتبعا لمدى التعارض أو التقاطع في البرامج تجاه هذا القطاع، أما التحالفات الانتخابية فهي مجرد أداة وحسابات ربح وخسارة تختلف من وقت لآخر.
خلاصة القول في هذا المجال، أن الاستقلالية، أو ادعاء الاستقلالية، قد تبدو وصفاً براقاً لدى البعض، خاصة في ظل اخفاق غالبية فصائل العمل الوطني عن تحقيق منجزات ملموسة على الصعيدين الوطني والاجتماعي، وتراجع تأثيرها وجماهيريتها، لكن الاستقلالية في الواقع، وخاصة عندما تصبح ( موديل )، هي هروب من العمل المنظم نحو العمل المحكوم للمصلحة والمزاجية، ينتج عن غياب الرؤية والمنهج، أو يرتهن لحسابات قوى مؤثرة تستخدم المستقلين لتحقيق غايات لا تستطيع هي تحقيقها لسبب أو لآخر. وارتباطاً فإن استخدام مصطلح ( حراك )، وتشكيل حراكات لغايات محددة، تبدو أيضاً فكرة جذابة، لكن في الواقع فإن ظهور الحراكات ومحاولة تعميم نهجها في السنوات الأخيرة ارتبط بما يسمى بالربيع العربي، الذي جاء ترجمة لتوجهات أمريكا وقوى الاستعمار بإنتاج ( الفوضى الخلاقة ) لبناء الشرق الأوسط الجديد، وهو ما صرحته بوضوح وزيرة الخارجية الأمريكية عام 2005 كونداليزا رايس.
وإن كانت بعض التجارب لبعض الحراكات هي تجارب إيجابية ذات أهداف تحررية وطنية أو اجتماعية أو اقتصادية، أو ارتبطت بمطالب محددة كما في حراك المعلمين مثلاً، فإنه محاولة تمثل هذه التجارب ليست بالضرورة أن تلقى تأييداً او التفافاً جماهيرياً، أو أقله من القطاع الذي تعبر عنه، كما في حالة حراك الصحفيين الذي يضم أو يلقى تأييداً من بعض الصحفيين الغيورين على النقابة والساعين لتطوير واقعها، ولكن مواقفه وأساليب عمله تثير علامات استفهام حول حقيقة أهدافه، أو استخدامه من جهة ما، لغايات شيطنة الأطر الصحفية المرتبطة أو القريبة من القوى الوطنية، ومحاولة لضرب فكرة الانتماء الوطني والسياسي والعمل المنظم، وتشويه صورة قيادات في العمل الصحفي والنقابي الطوعي.
بين الحراكيين والمستقلين كثير من نقاط التقاطع، أهمها وفق ما يعبرون عنه من مواقف في تصريحاتهم ومقالاتهم ومراسلاتهم، منها، هي غياب الفهم الصحيح للعمل النقابي، وغياب، أو تغييب عن عمد، لنصوص النظام الداخلي للنقابة وتفسيراته، رغم أنهم يدعون معرفتهم به وبما جرى عليه من تعديلات هم من فتح بابها، ومنها (قدرتهم على التنبؤ) واستباق الأحداث وإطلاق الأحكام المسبقة. لكن أبرز ما يجمعهم هو الاستكانة والهروب من المسؤولية والمواجهة، فالعمل النقابي وتطويره واضفاء مزيد من الديمقراطية عليه وتصويب ما قد يعتريه من نواقص وثغرات، يتم عبر التشمير عن السواعد وبذل جهود حقيقية واقتناص كل فرصة ممكنة والانغماس في العمل، العمل الطوعي دون مقابل، والصمود أمام محاولات التجويع والمعاقبة بطريقة أو بأخرى. فلا الاستقالات من مواقع القرار والهروب من المواجهة كما فعل ممثلي المستقلين عند انسحابهم وتقديم استقالاتهم من الأمانة العامة تحقق نتيجة، ولا المقاطعة للمؤتمر الاستثنائي الذي كان بالأساس مطلبهم يؤتي ثماره، ولا الاستنكاف عن المنافسة في الانتخابات وحضور المؤتمر العادي تفضي إلى أي نتيجة، بل إن الحضور والمشاركة والمواجهة هي الطريق الأقصر، وإن كان الأكثر كلفة لتحقيق الأهداف، وهذا خيار لا زال وارداً، وباب الحوار المنطقي الهادي يبقى دوماً مفتوحاً.
ختاماً، وهمساً، من كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة، ومن يؤجر قلمه أو يتلقى راتبه من سيل التمويل المشروط أو المشبوه لا يحق له الحديث عن جوع الناس ولقمة عيشهم. أما من يكذب، فينكشف من طول أنفه.

