Menu

 العدو الثابت والصديق الدائم

ثائر أبو عياش

في إطار التحليل السياسي لدور السلطة الفلسطينية، يتفق معظم المحللون، وأكثر المراقبون أنه لم يكن دورها سوى إدارة شؤون الشعب الفلسطيني في المناطق التي تقع تحت حكم الاحتلال، ويأتي هذا الدور الوظيفي بعد توقيع السلطة الفلسطينية ما يعرف باتفاق أوسلوا في 13 ديسمبر من عام 1993(1)، والذي من خلاله تم ترسيم الحدود السياسية الخاصة بدور السلطة الفلسطينية.

بعد الاتفاق السابق ذكره كان المفروض أن تحصل السلطة الفلسطينية على حكم ذاتي على الأراضي التي ينحسب منها الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة والتي تشكل مساحة 22% من مساحة فلسطين التاريخية، حسب ما جاء في الاتفاق، ولكن  الاحتلال قام بوضع العصي في الدولاب من أجل عرقلة تطبيق بنود إعلان المبادئ، وأكثر إن الاحتلال لم يلتزم مع السلطة الفلسطينية، إلا فيما يخص الجانب الأمني.

تخوض السلطة منذ هذا الاتفاق محاولة لإقناع المجتمع الدولي بإلزام الاحتلال باتفاق أوسلو، وأكثر لم تحاول السلطة الخروج من تحت السقف المحدد لها حتى داخل المربع الدولي، وتحديداً أن الولايات المتحدة انحازت بشكل واضح للاحتلال، والأخير شجعه هذا الانحياز على الضرب بعرض الحائط كل القرارات الدولية، أو ما تعرف بالشراعية الدولية التي تخص القضية الفلسطينية، وأكثر ساعد انخفاض التأييد الدولي على جعل القضية الفلسطينية تُقتل بشكل بطيء داخل المضمار السياسي، حيث يستمر الاحتلال بالاستيطان، والذي بدوره يقوم بتفتيت فكرة الحصول على دولة على حدود الرابع من حزيران، وهذا ما جعل السلطة الفلسطينية اليوم أكثر من أي وقت مضى تعيش حالة من التراجع سواء على مستوى تحقيق بعض الإنجازات التي تساعدها على رفع رصيدها أمام الشعب الفلسطيني، وفشلها في هذا الاتجاه جعلها تخوض في اجتماعات مشبوهة مثل اجتماع العقبة(2) للحفاظ على كيانها الذي بات يُشكل عبء على الشعب الفلسطيني.

إلى جانب ذلك أيضاً لم تستطع السلطة الفلسطينية إنجاز ملف الوحدة الداخلية "الوطنية"، وترتيب البيت الفلسطيني على كافة الأصعدة، وربما هنا حاولت السلطة في كثير من المواقف استخدام "ورقة المصالحة" للضغط على الاحتلال في محاولة لجره إلى طاولة المفاوضات، بالإضافة إلى ذلك لم تتوقف السلطة عن اللجوء لتشويه المعارضة الداخلية لمشروعها، وأيضاً اللجوء للاعتقالات السياسية، والانغماس في التنسيق الأمني، ومحاربة مظاهر المقاومة حتى الشعبية منها، وتشويه كل مظاهر الحرية والديمقراطية إذا لم يكن إلغاءها أحياناً ومحاربتها.

بناء عما سبق تعيش السلطة الفلسطينية حالة من القوقعة السياسية، بما يخص مشروعها السياسي، حيث لا الصديق يؤمن ويدعم ويساعد بما تقوم به، ولا العدو هو الآخر يريد إعطاء السلطة الفلسطينية ما تريد، وكل ما يقدمه الاحتلال هو الدعم الاقتصادي(3) لتحافظ السلطة على مشروعها وكيانها، وربما يمكن القول هنا أن مشروع السلطة الفلسطينية ليس بالمشروع التحرري الذي يستند إلى مبدأ الانعتاق من براثن الاحتلال بقدر ما تؤمن هذه السلطة أن الاحتلال هو "الجار البار" الذي نعيش معه حالة من الخلاف على بعض مترات من الأرض يمكن بالحوار السلس استعادتها.

تدرك السلطة الفلسطينية الدور الذي تقوم به، حيث لا يمكن بعد ما يقارب الثلاثة عقود من التجربة السياسية، إلا تكون السلطة قد أدركت حقيقة دورها، والأخطر هنا والذي ينفي جملتنا السابقة هو أن السلطة تدرك طبيعة مشروعها منذ أن البدء، ولذلك يجب التوقف عن مطالبة السلطة الفلسطينية بالقيام بدورها الحقيقي _الوطني_ لأنها لم توجد لذلك، ويجب أكثر التوقف عن الرهان على الزمن بأن السلطة الفلسطينية ستقوم بتغيير استراتيجيتها في التعامل مع الاحتلال لأنها تشاهد الاستيطان، والاعتقالات، والسجون، والضغط الاقتصادي، والشهداء، وغيرها من الممارسات، وهنا يطرح سؤال بما يخص الشهداء طرحه سابقاً الشاعر "مظفر النواب" ونحن اليوم أحوج من نكون إليه: "كيف يحتاج دم بهذا الوضوح إلى معجم طبقي كي يفهم؟".

 إن القاعدة السياسية التي قالها سابقاً "ونستون تشرشل"(4) تتعامل السلطة الفلسطينية معها بمزاجها السياسي الخاص، حيث تعتبر الأحزاب والحركات الفلسطينية أنها العدو الثابت لطموحها السياسي، ومع الاحتلال أنه الصديق الدائم، وكيانها هو المصلحة الدائمة، وأكثر تتعامل مع هذا الكيان _السلطة الفلسطينية_ أنه الهدف وليس الوسيلة، وما زالت السلطة الفلسطينية تخنق نفسها داخل عنق الزجاجة، حيث كل ما قيل لها حول خطورة هذا المشروع حتى قبل تنفيذه، وأيضاً كل ما قبل لها بعد توقيع الاتفاق، بالإضافة إلى النتائج الكارثية على أرض الواقع لم يقنع السلطة الفلسطينية بالعدول عن اقتراف خطوة غيرت مسار العمل السياسي في المنطقة، ومستقبل القضية الفلسطينية نحو الأسوأ بطبيعة الحال.

لن تتوقف السلطة الفلسطينية عن السقوط بقوة في هذا المشروع، والمطلوب اليوم ليس مطالبة السلطة بالعدول عن مسارها السياسي والانخراط في المقاومة، وأكثر في هموم الشعب الفلسطيني، لأن هذه الأفعال تتنافى مع برنامجها الوظيفي، بل المطلوب هو فقط إدراك خطورة هذا المشروع، وأكثر محاربته، إلى جانب الاستمرار في برنامج المقاومة والأخير هو النقيض تماماً لمشروع السلطة، وربما يصلح أن يتم توصيف هذا المشروع السياسي الذي تمخض عن اتفاق أوسلو بالمشروع المعادي للشعب الفلسطيني.

*****

  1. اتفاقية أو معاهدة أوسلو، أو أوسلو 1: والمعروفة رسمياً باسم إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي هو اتفاق سلام وقعته إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في مدينة واشنطن الأمريكية في 13 سبتمبر 1993، بحضور الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون. وسمي الاتفاق نسبة إلى مدينة أوسلو النرويجية التي تمت فيها المحادثات السرّية التي تمت في عام 1991 أفرزت هذا الاتفاق في ما عرف بمؤتمر مدريد.
  2. اجتماع جرى بين السلطة الفلسطينية والاحتلال في مدينة العقبة الأردنية بتاريخ 26 فبراير 2023 بحضور ممثلين عن الولايات المتحدة والأردن ومصر، وطرح الجانب الفلسطيني خلال الاجتماع بوقف الاستيطان، والحفاظ على هوية مدينة القدس، والوضع التاريخي لمدينة القدس، أما الاحتلال تحدث عن تشكيل لجنة أمنية مشتركة بين السلطة الفلسطينية لبحث تجديد التنسيق الأمني، وجاء هذا الاجتماع بعد تنامي ظاهرة الكفاح المسلح في الضفة الغربية، وتحديداً مع ظهور "عرين الأسود".
  3. قبل انتهاء ولاية بساعة واحدة دعا وزير "الدفاع" الإسرائيلي "بيني غانتس" في اتصال هاتفي مع الرئيس "محمود عباس" إلى مواصلة التنسيق الأمني بين الجانبين، والحفاظ على قناة مفتوحة على صعيد التعاون الأمني والمدني، لأن هذا التنسيق يخدم أمن الفلسطينيين والإسرائيليين ويتيح الرفاه الاقتصادي والمدني، بالإضافة إلى صفقة القرن التي ترتكز على السلام الاقتصادي وفق نظرية الأمن الإسرائيلي.
  4. ونستون ليونارد سبنسر تشرشل: "في السياسة ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم، هناك مصالح دائمة"، كان تشرشل رئيس الوزراء في المملكة المتحدة من عام 1940 وحتى عام 1945 (إبان الحرب العالمية الثانية). وفي عام 1951 تولى تشرشل المنصب ذاته إلى عام 1955، يُعد تشرشل أحد أبرز القادة السياسيين الذين ظهروا على الساحة السياسية خلال الحروب التي اندلعت في القرن العشرين.