Menu

الصين تحطم سلاح العقوبات الأمريكي

مصطفى السعيد

تمكنت الصين بهدوء من إبطال مفعول أشد الأسلحة الأمريكية، وهي العقوبات الاقتصادية، فقد كانت واشنطن تلوح بسلاح العقوبات في مواجهة أي دولة فتصيبها بالرعب، فالعقوبات الأمريكية لم تكن تشمل وقف التعامل بين الشركات الأمريكية فقط وتلك الدول، وإنما تشمل كل شركة أو دولة تتعامل مع الدولة الصادرة بحقها عقوبات، لتصبح العقوبات الأمريكية بمثابة عقوبات دولية، وإن لم تصدر عن الأمم المتحدة أو مجلس الأمن.

وعانت دول كثيرة من العقوبات الأمريكية، وأهمها كوبا وإيران وفنزويلا وسوريا، لكن عندما امتدت العقوبات الأمريكية ومعها الأوروبية إلى روسيا في أعقاب الحرب الأوكرانية، قررت الصين تحطيم سلاح العقوبات الأمريكي، وكانت روسيا ستعانى بشدة من العقوبات الأمريكية في حالة التزام الصين بها، فلا تتمكن من تصدير الغاز والنفط والفحم، ولا تستورد احتياجات سوقها المحلية، فتصاب بالشلل، لهذا استوردت الصين كل الفوائض الروسية من النفط والغاز والفحم والمعادن، وأمدتها بكل احتياجاتها من المنتجات التي كانت تشتريها من أوروبا، ولهذا صمد الاقتصاد الروسي في مواجهة أشد العقوبات ضراوة، وكان الغضب الأمريكي والأوروبي تجاه بكين قويا، لكن لا يمكن للولايات المتحدة معاقبة الصين، إلا في أضيق الحدود، لأنها تدرك أن أي عقوبة على الصين ستقابلها عقوبة مضادة، لا تقل عنها تأثيرا، وجاء الرد الغاضب الأمريكي تجاه الصين بإثارة أزمة تايوان، التي تعترف الولايات المتحدة بأنها جزء من الصين، وحفزت تايوان على خطوات استقلالية مازالت تتفاعل وتثير أزمة قابلة للانفجار، لكن الصين التي قوضت العقوبات الأمريكية والأوروبية ضد روسيا، واصلت تفكيك سلاح العقوبات المدمرة للشعوب، وعقدت اتفاقية شراكة اقتصادية مع إيران، تمتد 25 عاما، في ضربة قوية للعقوبات الأمريكية على إيران، لتخفف عنها الضغوط الاقتصادية، وكذلك فعلت مع فنزويلا التي تقع في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، التي لم تكن تعترف بشرعية رئيسها مادورو، وصادرت ممتلكاتها في الولايات المتحدة، وعانت فنزويلا كثيرا، حتى إنها كانت تئن من عدم توافر البنزين وباقي المشتقات البترولية، رغم كونها من أكبر الدول المنتجة للنفط، كما انخفضت صادراتها النفطية إلى حد كبير، وتراجع دخلها، وتدهورت عملتها، وأمام الأزمة الطاحنة في الوقود أرسلت إيران عددا من السفن المحملة بالمشتقات البترولية إلى فنزويلا، وكسرت الحصار جزئيا، لكن جاءت الصين لترفعه بشكل واسع، وتعقد اتفاقيات تعاون مع فنزويلا، وتمدها بالكثير من احتياجاتها، وتسهم في تطوير البنية التحتية وإنشاء المصانع، وكذلك فعلت مع كوبا التي كانت ترزح تحت أطول عقوبات أمريكية، ولوحت الولايات المتحدة بأن الصين تنشئ مركزا للتجسس، لتبرر التصعيد والتهديد، وتحاول منع الصين من كسر الحصار على كوبا، لكن الصين نفت إقامة مراكز تجسس، وأنها ستواصل التعاون الاقتصادي مع كوبا، ومنذ أيام استقبلت الصين الرئيس السوري بشار الأسد، ووقعت اتفاقية شراكة اقتصادية مع سوريا، التي تئن أيضا من العقوبات المفروضة عليها، ولم تتمكن من إعادة بناء ما دمرته الجماعات الإرهابية، ثم الزلزال الأخير، وتواجه سوريا بسبب العقوبات المشددة أوضاعا حرجة، زاد منها احتلال الولايات المتحدة والجماعات الموالية لها أهم مصادر الغاز والنفط والغذاء في سوريا، لهذا كانت الاتفاقية مع الصين طوق نجاة، رفعت مستوى الغضب الأمريكي إلى مدى أبعد، لهذا تبحث تمديد العقوبات على سوريا لتسع سنوات جديدة، مع تشديدها، ومعاقبة أي شركة أجنبية تشارك في إعادة إعمار سوريا.

إن ما فعلته الصين ليس إبطال مفعول العقوبات الأمريكية على دول ترى أنها لا تسير في ركابها، أو تتحدى إرادتها، وإنما ستشجع بلدانا أخرى على عدم الخوف من العقوبات الأمريكية، طالما أن هناك بديلا يتمثل في الصين وروسيا، وكانت الصين قد مهدت لتحطيم سلاح العقوبات الأمريكية بإقامة تحالفات اقتصادية واسعة، مثل مجموعتي بريكس وشنجهاي، وتهيأت لأى حرب اقتصادية، وتيقنت أنها الأقوى في حال احتدام الحروب الاقتصادية والتجارية، حتى العسكرية، لهذا جاء تحطيم سلاح العقوبات الأمريكي خطوة مهمة في إنهاء هيمنة القطب الواحد، بل تحولت العقوبات إلى سلاح يرتد إلى صدر أمريكا، فكلما أفرطت الولايات المتحدة في استخدام الحصار والعقوبات الاقتصادية، فإنها تمنح فرصا استثمارية واقتصادية للشركات الصينية والدول الحليفة لها، وتدفع الولايات المتحدة وحلفاءها نحو العزلة.