كتب كاظم الموسوي*
أحاول أن أجد وصفاً، أن أشتق مفردة، تعبر وحدها لما تقوم به عصابات القاعدة الاستراتيجية الصهيو-إستعمارية في فلسطين المحتلة، من مجازر دموية وجرائم وحشية وانتهاكات همجية فاقت فيها ما مارسته حكومتا النازية والفاشية الأوروبيتان، وما بعدهما في الحروب العالمية والدولية وما تلاها، فلم أجد غير اشتقاق كلمة من المفردتين لتمييز ووصف ما يحصل في غزة اليوم بعد ملحمة طوفان الأقصى. مفردة تقابل الممارسات الوحشية والتدميرية وتوصفها وتعتبرها ميزة لها سيكتب التاريخ عنها بما يخجل متابعتها ومشتركات المجازر الوحشية التي سجلت، لما سبقها من حروب وعدوان في فلسطين وباقي المعمورة، من قبل الإمبريالية العالمية وأدواتها وقواعدها الاستراتيجية.
صحيح أن النازية، اختصار لاسم حزب قاده أدولف هتلر، الذي أرسى تناقض وازدواجية المعايير والمفاهيم والقيم، ففي الوقت الذي حمل عنوان حزبه، الحزب الوطني الديمقراطي الألماني، زج بلاده في حروب داخلية وخارجية عالمية، استخدمت كل الأسلحة في الإبادة والقمع والاضطهاد والتدمير للبلدان والشعوب التي استهدفت بخطط الفوهرر وعصاباته، ومثله حكم الفاشية في إيطاليا وزعيمه بينيتو موسوليني وحزبه الذي حمل اختصار اسمه عنوان الفاشية. وتحالف الحزبان والتياران وحكم التاريخ عليهما وسقطا بعدما خسّرا العالم والبشرية أفدح الخسائر المادية والمعنوية، ولاسيما البشرية منها، وسجلا اسميهما في صفحات التاريخ السوداء.
كل المفردات أو المقولات التي قيلت أو ترددت في حالة ما يحصل في غزة لا ترتفع لمستوى الواقع، فلا التطهير العرقي، الإبادة الجماعية، التهجير القسري، الحرمان من كل مقومات الحياة اليومية والخدمات الأساسية، الماء والطعام والدواء والكهرباء والإنترنت والوقود والسكن والأمن والأمان وغيرها من المتطلبات المطلوبة للحياة الطبيعية للمواطنين في أي بلد، وقصف المباني وهدمها وتدميرها، بما يسمى بالأرض المحروقة، أو التباهي بقصف الأحياء السكنية والمدارس والمستشفيات والمراكز الدينية بكل أنواع الأسلحة المحرمة وتحطيم أية إمكانية للاستخدام والتعامل فيها، وحصار السكان والاعتقالات والاضطهاد وصنوف من القمع ومنها تعرية المعتقلين وحجزهم في أوضاع لا أخلاقية ولا إنسانية وغيرها من الجرائم الوحشية التي تحرّم في القوانين والاتفاقيات الدولية وتكون قوى الاحتلال ملزمة في توفير الحماية وتنفيذ واجباتها القانونية لصالح السكان في البلدان المحتلة وفي ظروف الحرب والعدوان، أن تحافظ عليها وتراعي ظروفها وتحمي تكويناتها، وهي بالأخير صورة فاضحة لما يراد منها أو تعبر عن حقيقة ما يجري في غزة. حيث أن المرجعية الفكرية لعصابات الحرب والعدوان في الكيان الصهيوني وداعميه في واشنطن لا تبتعد عن فكري وعقيدتي النازية والفاشية، على السواء، مفهوماً واقعياً وعملياً، بل تم الجمع بينهما أو مزجهما في صورتهما البشعة، رغم تناقضات المواقف بين الفترتين، إلا أن الوقائع ترتبط بخيوط الممارسات الوحشية والإبادات اللاإنسانية التي كتبها التأريخ، لما سبق وحصل ولما يحدث ويجري في فلسطين حالياً. ويضاف لها ما لا يوجد وصفاً له في الممارسات العملية الوحشية المميزة لحكم الاستيطان الإمبريالي.
يكرر التاريخ نفسه في ما يجري في فلسطين في مرحلة سباقة لما سبقها، وفي تطوير الأدوات والأساليب والممارسات الإرهابية الاستيطانية الاحتلالية الدموية الوحشية، والمؤلم في الأمر أن هذا التكرار الذي يعقد على أرض وشعب فلسطين يبرر له وبأشكال مختلفة داخل الدول التي تزعم رعايتها لحقوق الإنسان والحريات ومحاربة الاستبداد والديكتاتوريات، ولم يتعظ من الأخطاء والخطايا والتوحش الإجرامي، لا سيما في النتائج التي كانت في التضحية لأكثر من 60 مليون شخص وعيش ما يقارب ضعف هذا العدد في حالات تشوه وأمراض نفسية أو فقدان أحد أعضائه الجسدية أو الإصابة بعجز عام وخسارات وتعقيدات في العيش الكريم أو كبشر عاديين طبيعيين. هذا التاريخ لا يغيب ولا يضيع، سيظل شاهداً وصارخاً وناقداً لمن عاشه أو يطلع عليه الآن في ما يرى ويحصل أمامه بكامله، أو هو كما هو، في الواقع والحدث اليومي.
لقد فضحت معركة طوفان الأقصى وسلطت الاضواء على حقيقة حكومات الغرب والقوانين والمنظمات الدولية ووضعتها على المحك، عارية مكشوفة بممارساتها ومشاركاتها الفعالة في الجرائم النازشية، التي أصبحت وصمة عار يسجلها التاريخ لتلك الفترة الزمنية ما بعد السابع من تشرين أول/ اكتوبر 2023. وكشف التخادم الرسمي الغربي وبعض العربي والإسلامي تخاذلاً كبيراً لحقوق الشعوب في الدفاع عن أرضها ومقدساتها وقيمها العقيدية والإنسانية، كما بين بوضوح ازدواجية المعايير والمفاهيم والتضليل والتنسيق والتعاون باستخدام كل الأساليب والأشكال والوسائل، المحرمة وغيرها، بل وتجريب ما لم يجرب من وسائل عنف وإرهاب وقتل وإجرام، وليست الأسلحة النارية وحدها، بل وسائل الإعلام وماكينات وجيوش وشبكات الاتصال والتضليل والغش والخداع وبكل اللغات والإمكانات. والأقسى في هذه الحالة اعتراف ممثلي المنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة في حقوق الانسان والحروب والقانون الدولي وما له علاقة بكل ذلك، بنازشية ما يجري والإقرار به ولكن التفرج عليه، والسماح لاستمراره دون التدخل بتطبيق قواعدها وإجراءاتها وقدراتها لردعه ووقفه ومحاكمته وعدم تركه يمعن في إجرامه ويفلت من العقاب.
لعل إطلاق هذا المصطلح، والمراد بالنازشية، وصف ما ينطبق على الجرائم الوحشية التي ارتكبتها عصابات الاحتلال في القاعدة العسكرية للإمبريالية والدعم المفتوح من قبل قواها المتوحشة والساعية للهيمنة ونهب الثروات والخيرات وتدمير الشعوب والبلدان. وهو يعري مصداقية الحكومات الغربية والمتخادمة معها في محاولات إنهاء قضية الشعب الفلسطيني وعدالتها وحقوقها المشروعة في التحرر والحرية والاستقلال. حيث كشفت التناقض الجوهري والظاهري في المفاهيم والقيم الانسانية وعرّت دعاة القوانين والحقوق والمعايير التي تزعم بها وتتسابق في التغني بها في أي مشكلة أو قضية عالمية أو إقليمية أو حتى محلية.
هذا المصطلح، النازشية، مفهوم وصف حال يتطابق عملياً مع صورة ما يحصل في غزة اليوم، إذ فاق ما فعله النازيون والفاشيون، ويصم قوى العدوان مباشرة، تبينه الممارسات الدموية الجارية، والتوحش السافر في القتل والتدمير، مستثمرة مفارقات التساوي في موازين الأسلحة والإمكانات الحربية بين قوات عسكرية مسلحة ومدربة ومزودة بجسور جوية وبحرية وبرية من الإمدادات مع الخبرات والمرتزقة، والدعم المفتوح من حلف الناتو العسكري وقائدته الإدارة الإميركية وأجهزتها ومؤسساتها المساهمة في النازشية القائمة اليوم، وبين كتائب "شهداء" مسلحة بإيمان قوي بعقيدتها وهويتها وإخلاصها لتحرير شعبها ووطنها من الاحتلال الاستيطاني والعدوان الوحشي المتزايد في إجرامه وكمية أسلحته التدميرية، والفضائح له والداعمين والمتخادمين معه، في خططهم وممارساتهم وأهدافهم المعلنة والمكتومة زمنياً.
لقد جمع الحكم الذي نفذ هذه الجرائم الوحشية، وتفنن في مواصلتها، كل ما قام به النازيون والفاشيون، وزاد عليه بما أضافه وأمعن فيه، ولابد أن يحكم عليه بمثلهما، وتنتصر العدالة والحرية والتحرر الوطني رغم كل التضحيات.
*كاتب عراقي

