Menu

ليست حربًا على حماس... إنها حرب على الشعب الفلسطيني

عمر فارس

بوابة الهدف

منذ السابع من أكتوبر، تصاعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إلى مستوى غير مسبوق، وبدأت معه حملة إعلامية وسياسية تروج لرواية واحدة: أن ما يحدث هو "حرب على حماس". تتكرر هذه العبارة على ألسنة السياسيين، في وسائل الإعلام الدولية، وحتى في بعض المنصات الحقوقية، لتغطي على حقيقة أعمق وأكثر بشاعة.

 

لكن، لنكن واضحين منذ البداية: هذه ليست حربًا على منظمة، بل حرب إبادة ممنهجة تستهدف شعبًا بأكمله – شعبٌ يعيش تحت الاحتلال، يعاني من الحصار، ويُقتل بصمت منذ عقود.

 

جذور المأساة أقدم من حماس

لنفكك الرواية السائدة. تأسست حركة حماس في عام 1987، أي بعد 39 عامًا من النكبة الفلسطينية في عام 1948، عندما اقتُلع أكثر من 750 ألف فلسطيني من أرضهم في عملية تطهير عرقي نظمتها العصابات الصهيونية، بدعم دولي، لإقامة "دولة لليهود" على أنقاض وطن شعبٍ آخر. منذ ذلك الوقت، لم تتوقف إسرائيل عن توسيع احتلالها، بناء المستوطنات، وفرض سياسات تمييز عنصري ضد الفلسطينيين سواء داخل الخط الأخضر أو في الضفة الغربية و القدس ، أو في قطاع غزة.

 

بالتالي، فإن الزعم بأن "الاحتلال ردّ على تهديد حماس" هو قلب للحقائق. لم تكن حماس هي التي أنجبت الاحتلال، بل الاحتلال هو الذي أنجب حماس. المقاومة – بكل أشكالها – كانت ردّ فعل طبيعي ومشروع على الاستعمار والقتل والتشريد.

 

سياسة ممنهجة للإبادة والتجويع

ما نشهده اليوم في غزة يتجاوز أي حدود للحرب التقليدية. أكثر من 38 ألف شهيد، معظمهم من النساء والأطفال، تدمير كامل للبنية التحتية، انهيار القطاع الصحي، تجويع متعمد للسكان، منع دخول الغذاء والماء والدواء، قصف المدارس والمستشفيات والمساجد والكنائس. هذه ليست "أضرار جانبية" ولا "أهداف عسكرية". هذا نموذج textbook لجريمة إبادة جماعية تُنفذ على مرأى ومسمع من العالم.

الهدف ليس القضاء على حماس، بل على الروح الفلسطينية، على فكرة أن هناك شعبًا اسمه الشعب الفلسطيني، له حق في الأرض والحياة والحرية. إسرائيل، في هذا السياق، لا تحارب مقاومًا مسلحًا، بل تحارب وجودًا وطنيًا بأكمله.

 

غزة ليست استثناءً... هي المرآة

غزة ليست جزيرة معزولة. ما يجري فيها الآن هو وجه مكشوف لسياسات تُطبق في كل فلسطين المحتلة. في الضفة الغربية، يتم قضم الأرض يوميًا عبر الاستيطان، وتهجير العائلات، وقتل الشبان على الحواجز. في القدس، تُدنس المقدسات وتُهدم البيوت وتُفرض الضرائب الجائرة على السكان. في أراضي الـ48، يعيش الفلسطينيون كمواطنين درجة ثالثة، يُعاملون بتمييز قانوني وسياسي.

غزة، المحاصرة منذ 17 عامًا، ليست سوى التجلي الأوضح لعقلية استعمارية تعتبر الفلسطيني "زائدًا عن الحاجة" يجب محوه أو ترحيله أو خنقه.

 

عن العرب الذين خانوا وعن الشعوب التي استيقظت

 

في ظل هذا الإجرام المعلن، وجد الاحتلال ضوءًا أخضر ضمنيًا من بعض الأنظمة العربية. بعض هذه الحكومات – للأسف – سارعت إلى تبرير العدوان، أو التزام الصمت، أو الحديث بلغة "الحياد". الأسوأ أن البعض ذهب إلى ما هو أبعد، حين بدأت الأصوات تُمجّد "السلام مع إسرائيل" كخيار استراتيجي، وتتهم الفلسطينيين بـ"المغامرة" أو "التحريض".

من المؤلم أن نرى بيانات "جامعة الدول العربية" تُستخدم الآن كدليل على "الإجماع ضد حماس"، بينما يعلم الجميع أن هذه المؤسسة فقدت مصداقيتها منذ سنوات طويلة، ولم تعد تمثل طموحات الشعوب العربية. أنظمة القمع لا تمثل صوت الشارع العربي، بل تمثل مصالح أنظمتها، وضمان بقاءها، ولو على حساب دماء الفلسطينيين.

 

لكن ما يبعث على الأمل، هو أن الشعوب العربية، من المحيط إلى الخليج، تثبت مرة بعد أخرى أنها مع فلسطين. المظاهرات، الحملات الشعبية، المقاطعة، الدعم الإنساني – كلها دلائل على أن نبض الأمة ما زال حيًّا، وأن فلسطين ما زالت في وجدان ملايين الناس.

 

الغرب المنافق والإنسانية المجتزأة

في أوروبا وأمريكا، يتغنى القادة بـ"حقوق الإنسان" و"الحرية" و"الديمقراطية"، لكنهم يصمتون أو يبررون جرائم إسرائيل، أو يكتفون بنداءات خجولة "لضبط النفس" من الجلاد والضحية على حد سواء. لماذا؟ لأن إسرائيل، في أعينهم، جزء من مشروع استعماري ممتد، تمثل فيه "القلعة الغربية" في الشرق الأوسط.

الإنسانية، في هذه الحالة، تخضع لاختبار الانتماء. الطفل الأوكراني يستحق التضامن، أما الطفل الفلسطيني فـ"ضحية جانبية" يجب "تفهمها ضمن سياق معقد".

 

لا تُخدعوا بشعارات "المساعدات الإنسانية"

حين تُسقط طائرات أمريكية أو أوروبية صناديق الطعام فوق غزة، بعد أن دعمت بالسلاح والمال من يقتل أهل غزة، فإن هذا ليس تضامنًا، بل استهزاء بالضحايا. غزة لا تحتاج فتات المساعدات. غزة تحتاج إلى رفع الحصار، ووقف القصف، ومحاسبة المجرمين، والاعتراف بالحق الفلسطيني في الحياة والحرية.

 

المأساة لن تُحل بوجبة سريعة من الجو، بل بعدلٍ حقيقي على الأرض.

 

الختام: كن إنسانًا... فقط

في وجه هذا كله، لا نطلب من أحد أن يكون فلسطينيًا، أو مسلمًا، أو عربيًا. نطلب فقط أن يكون إنسانًا.

أن يرى الظلم ويسميه ظلمًا. أن يسمع صرخات الأطفال ويفهم أنها ليست "ت collateral damage". أن يعرف أن الحق في الحرية ليس امتيازًا بل حق لكل البشر.

فغزة، في النهاية، ليست فقط معركة الفلسطينيين. إنها اختبار أخلاقي للعالم كله.

وغزة ستصمد. كما صمدت دائمًا.

لكن على العالم أن يقرر: في أي صف يقف؟