بعد عامين من عملية السابع من أكتوبر التي تعتبر لحظة
فارقة في تاريخ النضال ضد الاحتلال الصهيوني، وكحدث كوني تتجاوز دلالاته حدود فلسطين. ومنذ الساعات الأولى، انقسم الفلسطينيون والعرب بين من يحاكم العملية وفق منطق «الصح والخطأ»، وبين من يرى فيها حدثا كاشفا يعيد صياغة معادلات القوة في فلسطين والمنطقة والعالم.
فالطوفان ليس مجرد معركة عسكرية، بل لحظة مفصلية، إما أن تُستثمر لتأسيس مرحلة جديدة، أو تهدر بالجدل ،
إن مواصلة الجدل الفلسطيني والعربي وحصر النقاش في سؤال “هل كان الطوفان صائبا أم خاطئا؟” بعد عامين من حدوثه، يحوّل الحدث التاريخي إلى جدل إعلامي لتسجيل نقاط من هذا الفريق على ذاك الفريق لكن بلا فائدة. لأن الطوفان قد حدث.
علينا التحول من محاكمة الفعل إلى توظيف تداعياته. أي كيف يمكن تحويل المأزق إلى فرصة، وكيف نستثمر التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الفلسطيني .
نظرة سريعة لأهم إنجازات السابع من أكتوبر:
أولا: حطمت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر ومؤسساته الأمنية المختلفة واستطاعت إيقاع خسائر بشرية كبيرة لديه خلال الساعات الأولى للعملية،فابعترافهم قتل حتى الآن 2352 وأصيب نحو 30 ألفا بين جريح ومصاب بحالات نفسية من الجيش والشرطة والمستوطنين منهم 1200 في اليوم الأول للمعركة والباقي خلال العدوان على غزة.
ثانيا: استطاع الشعب الفلسطيني ومقاومة في طوفان الأقصى كسب معركة الصورة في العالم بعد أن كانت إسرائيل توظف الإعلام الغربي لصالحها وتستمر في الكذب وشيطنة المقاومة والشعب الفلسطيني حيث زاد التعاطف الشعبي الدولي ونجحت غزة في إيصال صوتها لكل مكان، وباتت المظاهرات لا تنقطع لدعم فلسطين في أوروبا وأمريكا.
وهو ما دفع إسرائيل لشراء المؤثرين على مواقع التواصل، وتوظيف شركات الدعاية لتحسين صورتها المتدهورة كدولة إبادة عنصرية وقتلة، حتى إن صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية كشف، في 6 أكتوبر 2025م، أن حكومة الاحتلال خصصت أكثر من نصف مليار شيكل (حوالي 145 مليون دولار) في ميزانيتها للتأثير على وسائل التواصل الاجتماعي و«ChatGPT»، وجعله يدافع عنها.
وكشف موقع «ريسبونسيبول ستيت كرافت» أن وزارة الخارجية «الإسرائيلية» جندت شباباً أمريكيين (مؤثرين يسمون «أنفلونسرز») للعمل لتلميع صورتها والدفاع عنها مقابل 7 آلاف دولار للمنشور الواحد.
ثالثاً : هدمت معركة طوفان الأقصى العلاقة بين إسرائيل والرأي العام العالمي الذي كان ينظر إليها كواحة للديمقراطية في وسط العالم العربي المتوحش ، حتى وصل هذا التأثير إلى الأمريكيون الذين باتوا يدركون من هم هؤلاء القتلة الذين يمتصون دماءهم ويعيشون عالة على بلادهم ويتحكمون فيمن يحكمونهم، ويطالبون بإسقاط هيمنة «إسرائيل» على صناعة القرار الأمريكي.
فلأول مرة يتجرأ نواب من الكونغرس من داعمي ترمب و«إسرائيل»، منهم مارغوري تايلور جرين، والمذيعون، مثل تاكر كارلسون، على المطالبة بفض العلاقة المشبوهة بين حكومتهم أمريكا وهذه الدولة المارقة «إسرائيل» التي تبتزهم وتسيطر على ساسة أمريكا وتنهب خيرات الأمريكيين.
وانتقدت النائبة الجمهورية أكبر داعمة لترمب مارغوري تايلور جرين «إسرائيل» وابتزازها لنواب الكونغرس وكتبت تقول: كيف تسيطر إسرائيل عبر «آيباك» (مجموعة ضغط يهودية) على أعضاء الكونجرس الأمريكي؟
رابعاً: عودة القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث العالمية بعد أن كاد يطويها النسيان، وزيادة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ولأول مرة تعترف بها 7 دول وازنه دفعة واحدة؛ ليصل مجموع من يعترف بها 157 دولة، ومطالبة الجميع بدولة للشعب الفلسطيني.
خامساً: فرملة قطار التطبيع الذي كان منطلقًا قبل «طوفان الأقصى» بين «تل أبيب» والعديد من العواصم العربية والإسلامية، وتحول دول عربية كانت على وشك الوقوع في فخ التطبيع إلى أكبر معارض للتطبيع.
سادسا: بسبب وضوح النوايا العدوانية الصهيونية ضد كل الدول العربية والإسلامية خاصة بعد قصف الدوحة، وحديث نتنياهو وأعضاء حكومته المتطرفين من التيار الصهيوني الديني المتطرف، عن حلم «إسرائيل الكبرى» وأحلام توراتية، بدأت دول عديدة تبني تحالفات جديدة لممارسة دور أكبر في غزة والعالم وتحجيم نفوذ الاحتلال.
وكان التحالف المصري-التركي، والباكستاني-السعودي من نتائج «طوفان الأقصى»؛ لأن الطوفان دمر صفقة القرن وموجات التطبيع.
سابعا: كشف «طوفان الأقصى» عنصرية وازدواجية الإعلام الغربي وتبعيته لـ«إسرائيل» واللوبيات اليهودية المؤثرة، حين ظهر انحياز الإعلام الغربي ونقله عن الإعلام «الإسرائيلي» قصصاً وهمية هدفها تبرير إبادة غزة.
وكان من أبرز هذه القصص الكاذبة الحديث عن أن المقاومة قتلت 40 رضيعًا «إسرائيليًا» ووجدوهم مقطوعي الرؤوس! وأن مقاتلي «حماس» اغتصبوا «إسرائيليات»، وهي قصص روج لها الإعلام الغربي ثم اعتذر.
ثامنا: كان اقتصاد إسرائيل أكثر من تضرر من «طوفان الأقصى» بسبب تكاليف الحرب الباهظة التي بلغت في عامين (منذ 7 أكتوبر 2023م) أكثر من 21.7 مليار دولار، وفق مشروع «تكاليف الحرب» في كلية واتسون للشؤون الدولية والعامة بجامعة براون، وتدهور اقتصادها وانهيار مصانعها بفعل المقاطعة.
فقد بلغت تكلفة الحرب المبكرة (أو أول أيامها) 27 مليار شيكل (7 مليارات دولار) حسب «بنك إسرائيل» بسبب تعبئة الاحتياط واستدعاء مئات الآلاف من الجنود وتكاليف أخرى مرتبطة بالحرب.
وبلغت الخسائر الاقتصادية الإجمالية بين 30 - 50 مليار شيكل (8-13 مليار دولار) بما فيها نفقات عسكرية، وتعويضات، وأضرار بممتلكات المستوطنات، وأضرار بالطيران، وتجارة، وإغلاق مطارات، وتراجع السياحة.
تاسعا: حسب المصادر الإسرائيلية والأجنبية منها: أصيبت إسرائيل باخفاق أمني واستخباراتي، حيث فشلت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في العثور على اسراهم وتحريرهم على مدى عامين ، وهذا يعتبر انجاز نوعي للمقاومة ،
إخفاقات معركة طوفان الأقصى؟
أولا - طبيعة الحرب كانت إجرامية فقد راح ضحيتها عشرات الآلاف من الشهداء ومئات الآلاف الجرحى ، ولم تكن تتصور المقاومة حجم الإجرام والعدوانية الصهيونية المدعومة بآلة الحرب الأمريكية والأوروبية، وحجم القتل العشوائي والتدمير والتباهي بهذه المجازر والمذابح.
ثانيا - كان الرهان كبيراً على دعم الشعوب العربية والإسلامية لمعركة طوفان الأقصى لكن حصل العكس حيث سيطرت حالة الخذلان من العالم العربي والإسلامي على مستوى الأنظمة والشعوب لمدة عامين.
ثالثاً - لم تستطع معركة طوفان الأقصى وعلى مدى عامين من إنهاء الانقسام الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية مما جعل ظهرها الفلسطيني مكشوفاً ،
أننا أمام فرصة تاريخية حيث الكل الفلسطيني مستهدف من انجاز وحدة وطنية فلسطينية واستراتيجية فلسطينية شاملة للمواجهة وتحويل المأزق إلى فرصة لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال.

