حمل ربيع وصيف العام 1978, مغادرة عدد من طلاب الصف العاشر(الأول الثانوي) في ثانوية جرمانا للبنين الفلسطينيين مقاعد الدراسة إلى قواعد الفدائية في الجنوب اللبناني بسبب الاجتياح الصهيوني للأراضي اللبنانية حتى حدود نهر الليطاني, ومن بين زملائنا ورفاقنا في مقاعد الدرس (علي خليل, كفاح), و(الشيخ خالد), وزملاء آخرين لا أذكر أسمائهم الآن, حينها لم يكن الهم الفلسطيني جزءاً من حياتي اليومية, وزملائي في الصف الفلسطينيين الذين لم يغادروا مقاعد الدراسة بسبب أوضاعهم الاجتماعية منهم القاص (خليل جمعة) نتيجة كبر والديه وعدم وجود معيل للأسرة غيره في ذلك الوقت.
غاب صديقي علي خليل فترة زمنية عن مقاعد الدراسة, وعاد مصاباً في أذينة نتيجة تفجير قريب منه في موقع من مواقع المقاومة في الجنوب اللبنانية, وتابع دراسته معنا في الصف.
وكان نشاط علي واضحاً في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين , وهكذا بدأت التعرف على الجبهة من خلال زميل ورفيق مقاعد الدراسة علي خليل, ومكتب الجبهة في مخيم جرمانا, والرفيق أبو الزهر مسؤول المكتب.
وفي العام1986, أقامت الجبهة في سوريا احتفالاً مركزيا في يوم الأرض بتاريخ 30آذار من العام ذاته بحضور عدد كبير من القيادات الوطنية للفصائل الفلسطينية وبعض قيادات الجبهة الوطنية التقدمية, ومنها عضو قيادة قطر ية لحزب البعث العربي الاشتراكي حيث ألقى كلمة, وألقى الشاعر الراحل مظفر النواب قصيدة عبد الله الإرهابي:" افتح عبد الله مسدسك الحربي, افتتح الجلسة فيهم أعداء وأقارب, إن تكن الطعم. فأنت السنارة, قد علقت لولا, لعنت لولا ملعون من يتبعها, تملك أسلحة الأرض وتسأل, كيف نحارب, يا عبد الله بساعات الضيق, تحولت الدبابات أرانب, فتلت أسلحة الثيران شواربها ليلا, وصباحات حلقت وتغاضت, وغدى الميثاق القومي بدون شوارب".
ويعد النواب أن الكفاح المسلح وحده هو طريق خلاص (الأمة) الوحيدة, لذلك فقد وقف شعره للتحريض على الكفاح المسلح مؤكداً المرة تلو الأخرى بأن الطريق إلى الله أو إلى الجنة هو الكفاح المسلح, وكأنه يقول: "إذا كنت تريد أن تكون رفيقا الله فما عليك إلا الانخراط في الكفاح المسلح" لأنه:
"إذا جاء الفتح
رأيت الله برشاش
للقدس يسير.."
وأكمل قصائده حتى نهاية الاحتفال، وخرجنا في تظاهرة تطالب بالوحدة الوطنية الفلسطينية، والدولة الفلسطينية المستقلة, وقام قسم الضابطة الفلسطينية في فرع فلسطين في حملة اعتقالات لعدد من المتظاهرين.
وأثناء دراستي في المعهد العالي للفنون المسرحية كنت على تواصل دائم بالرفيقة فريال العلي. وكانت لدي رغبة شديدة في إقامة مشروع (ثقافي- فني), إذاعة واستديو, واستراحة في منتدى غسان كنفاني في مخيم اليرموك, وطلبت مني كتابة المشروع لعرضه على قيادة الجبهة, وبعد كتابة المشروع, وعرضه حدد لي مع الرفيقة فريال موعد مع الرفيق ( جورج حبش , الحكيم), واستقبالنا الرفيق الراحل في مكتبه بالعاصمة السورية دمشق, وشرحت له المشروع بوجود الرفيق زياد, وطلبت منهما إعادة منتدى غسان كنفاني للنشاط في مخيم اليرموك، فوعدا بدراسة المشروع, والرد المقترح خلال فترة قريبة.
منتدى غسان كنفاني:
وبعد مدة زمنية أخبرني الرفاق في مخيم اليرموك بأنني مدعو إلى اجتماع في الفرع لتداول حول تشكيل هيئة خاصة بمنتدى غسان كنفاني الثقافي، وشكلت هيئة خاصة بالمنتدى مؤلفة من (زياد, عامر, محمود سرساوي, علي الكردي, بسام سفر, وحضر عدد من الاجتماعات سعيد برغوثي), وأقام المنتدى أنشطة ثقافية بمناسبة يوم المرأة العالمي كان النشاط مركزاً على حضور المرأة في الثقافة العربية والفلسطينية, وجاءت الأمسية القصصية بمشاركة كل من القاصات (نهلة السوسو, وأنيسة عبود, والراحل الدكتور محمود موعد), والأمسية الثانية دور المرأة في الدراما السورية وحضرتها كل من الكاتبة الدرامية (ريم حنا), والكاتبة والممثلة أمل عرفة, والروائية والممثلة واحة الراهب, وقدم الأمسية الكاتب والناشر سعيد البرغوثي.
وبهذا النشاط الشتوي عاد منتدى غسان كنفاني للحياة الثقافية والفنية الفلسطينية في مخيم اليرموك، وذهب مشروع الاستديو والعمل الفني طي الأدراج بسبب عدم وجود تمويل لمثل هذا المشروع.
وتابع منتدى غسان كنفاني نشاطه الثقافي والسياسي والفني واستقبل في أحد أمسياته الشاعر عبد القادر الحصني والدكتور يوسف حطني, وأدار الأمسية الشاعر محمود سرساوي, واستقبل في أمسية سياسية الدكتور أحمد برقاوي والسياسي نصر الشمالي, وقدمها وأدارها الروائي علي الكردي, وكانت حول (الوضع السياسي ما بعد أتفاق أوسلو), وأمسية خاصة بالدراما بحضور الفنان بسام كوسا حول مسلسل خان الحرير ودوره فيه, من إخراج شيخ المخرجون السوريين هيثم حقي.
وكرم المنتدى المسرحي السوري سعد الله ونوس في صيف العامذ1996, ومثله في التكريم الكاتب الدرامي والقاص حسن م.يوسف وألقى كلمة الراحل سعد الله ونوس, وحضرت التكريم كريمته ديما التي تسلمت درع المنتدى وسيفاً دمشقياً نيابة عن والدها.
أما اللقاء الثاني مع (جورج حبش, الحكيم), فكان في مكتبه لتكريم الكاتب المسرحي السوري محمد الماغوط في احتفالية الجبهة ذكرى استشهاد غسان كنفاني, وبحضور عدد كبير كوادر الجبهة, وهيئة المنتدى (علي الكردي, فجر يعقوب, ومحمود سرساوي, والراحل التشكيلي والشاعر حكم النعيمي), حيث عم الفرح بأن يكرم الكاتب والشاعر محمد الماغوط من حكيم الثورة الفلسطينية جورج حبش, إذ استخدم كلا من الراحلين عكاز للنهوض والوقوف لتحية الحضور, وإلقاء كلاً منهما كلمته.
وفي موسم آخر أقام المنتدى ندوة حول التوثيق في الدراما والفيلم السينمائي بحضور الفنان بسام كوسا, والمخرج محمد ملص, والمخرج قيس الزبيدي, وأدار النقاش بسام سفر.
واستقبل المنتدى المفكر الفلسطيني الدكتور عزمي بشارة، وألقى محاضرة حول السياسية الفلسطينية ما بعد وجود السلطة الفلسطينية في رام الله، واستمرار المفاوضات ووضع فلسطيني عرب 1948، وقدمه وأدار النقاش معه الدكتور ماهر الطاهر.
اغتيال أبو علي مصطفى :
يقتنص الإنسان السوري, ومن يعيش على الأرض السورية, الفرصة لكي يمض بعيداً عن العاصمة السورية دمشق هرباً من حر الصيف, وفي ذاك التاريخ كنا في مدينة بانياس الساحلية, وأمام شاطئ رملي, وبحضور صديقي القاص جعفر نيوف وعائلته, ونادراً ما كنا نتابع الأخبار أو التلفاز, إذ نعد هذه الأيام هي للراحة من سنة عمل قاسي بعيداً عما يعكر صفو لحظات الاستجمام مع الأولاد والعائلة والأصدقاء, وأمام المناظر الجميلة التي تجمع ما بين مياه البحر ورماله, وقرب القرية من جبل يوحي بالطبيعة الساحلية التي تعيد إنعاش الرؤيا والروح نحو تحمل ظروف الحياة اليومية السورية مطلع الألفية الجديدة, ومع ما كانت تحققه الانتفاضة الفلسطينية الثانية بعد فشل مفاوضات المرحلة الثانية من اتفاقية أوسلو, وانتقال عدد من قيادات المقاومة إلى الضفة الفلسطينية, ووجود السلطة الفلسطينية في رام الله, والوعود الكثيرة التي قطعت نحو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأرض الفلسطينية التاريخية في الضفة الغربية وقطاع غزة بقيادة الزعيم التاريخي للثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية ( ياسر عرفات , أبو عمار).
وفي ظهيرة أحد أيام شهر آب ينقل إلينا صديقي جعفر اغتيال أبو علي مصطفى من قبل جيش العدو الإسرائيلي بالضفة الغربية في البيرة, حيث كان مكتبه ضمن بناية من قبل الطيران الإسرائيلي, مع هذا الخبر الصاعق الذي هبط على أسرتنا الصغيرة, أعادني إلى التلفاز مباشرة ومتابعة الأخبار رغم الإجازة التي كنا بها, وتحولت بقية أيام الاستراحة إلى طعم المرارة الداخلية التي نزوي بها بعيداً عن الأعين التي تحاول لملمة الحزن والإحباط دون التأثير على الأطفال الذين لا يعرفون ما يحصل على أرض فلسطين من تحديات كبيرة من أجل الحفاظ على حلم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة, والتحديات الكبيرة التي يقدمها المناضلون للوصول إلى هذا الهدف المنشود في التحرر من الاحتلال والاستعمار الصهيوني القابع على الأرض الفلسطينية منذ النكبة الفلسطينية.
شادية أبو غزالة:
لم تتوقف حياتي مع الأصدقاء في الجبهة الشعبية على الحياة الثقافية والإعلامية, وإنما امتدت إلى الجانب التعليمي والتربوي, حيث زيارتي إلى روضة شادية أبو غزالة رؤية الزميلات والرفيقات فيها وآلية عملهم من الأطفال, وقد وصفت الرفيقة فريال العلي عملية استقبال الأطفال في الصباح الباكر من الأهالي, وإدخالهم إلى صفوفهم والاعتناء بهم إلى الجانب التعليمي, وتسليم الأطفال إلى الأهالي عصر أيام الدوام, وتحفيظ الأطفال أغاني الثورة الفلسطينية التي بربط الأطفال بثورتهم الفلسطينية.
وعندما أجريت اختيارات لاختيار أطفال لمسرحية غزة في عيون أطفالها, قدمت الروضة عدد من الأطفال إلى الاختبار، اعتمدت على أطفال صغار قابلين لتعلم الأداء المسرحي, ولكي يكونوا جزء من العرض المسرحي, وكذلك عندما قدمنا عرض مسرحي للأطفال في مسرح القباني بدمشق, طلبنا من الروضة والقائمين عليها بم فيها الرفيقة فريال, أن يأتين بالأطفال لحضور هذا العرض في المسرح, وكان حضور الأطفال مع المشرفات أمراً أسعد فريق العمل في تسعينيات القرن الفائت.
وإلى جانب هذه المشاركات كانت الدعوة في أكثر من عام لحضور احتفال منظمة المرأة في الجبهة في يوم المرأة العالمي, إذ أن هذه الاحتفالية تشهد على اهتمام واسع الطيف من الرفاق في المرأة ونشاطها وتكريم عدد منهن مع توزيع الورد عليهن, وعلى الحضور, مع ذكر مناقب المكرمات.
بالإضافة إلى ذلك اذكر أنه التقيت عدد من المثقفين والسياسيين الفلسطينيين أبناء المخيم اليرموك في ندوة خاصة باتفاقية أوسلو لمجلة الهدف في مكتبها في مخيم اليرموك بوجود عدد منهم على ما أذكر (مروان دراج, ماجد كيالي, الراحل علي الرفاعي, أيمن أبو هاشم, سمير الزين, الراحل غسان الشهابي, اسمهان شريح, علي الكردي, وعدد من آخر)
أخيراً تمتد مشاركتي لمجلة الهدف لعقود طويلة من العمل المهني في الشأن الثقافي الفلسطيني ذاك قد يكون مكانه في غير موضع الاحتفاء بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, فالهدف لا تزال الأثيرة إلى عقلي رغم كل التطور الحاصل في الصحافة الورقية والكترونية.

